منتديات دموع الورد
اهلا وسهلا بكم في منتديات دموع الورد المتواضع

Tears of roses

لنعرف الآية الكريمة وسبب نزولها

اذهب الى الأسفل

لنعرف الآية الكريمة وسبب نزولها

مُساهمة من طرف Admin في الأربعاء فبراير 20, 2013 4:02 am

انشالله الله يقويني و اقدر اكمله كله

سورة الفاتحة
- سورة 1 - عدد آياتها 7






  1. بِسْمِ
    اللّهِ
    الرَّحْمـَنِ الرَّحِيمِ


  2. الْحَمْدُ

    للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ


  3. الرَّحْمـنِ

    الرَّحِيمِ


  4. مَـالِكِ

    يَوْمِ الدِّينِ


  5. إِيَّاكَ

    نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ


  6. اهدِنَــــا

    الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ


  7. صِرَاطَ

    الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ
    الضَّالِّينَ

avatar
Admin
مدير الموقع
مدير الموقع

عدد المساهمات : 145
نقاط : 319
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 14/02/2013
العمر : 29
الموقع : http://www.shbaboffline.net/vb/

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://wsam.jordanforum.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: لنعرف الآية الكريمة وسبب نزولها

مُساهمة من طرف Admin في الأربعاء فبراير 20, 2013 4:04 am


تفسير
الجزء الأول




1-


تفسير
سورة
الفاتحة

عدد آياتها 7

وهي مكية



{

1 - 7


}
{

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ
الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ *
إِيَّاكَ
نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ
*
صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ
عَلَيْهِمْ وَلَا
الضَّالِّينَ

}



{
بِسْمِ اللَّهِ

}
أي: أبتدئ بكل اسم لله تعالى, لأن لفظ {

اسم

}
مفرد مضاف, فيعم جميع الأسماء [الحسنى]. {

اللَّهِ

}
هو المألوه المعبود, المستحق لإفراده بالعبادة, لما اتصف به من صفات
الألوهية
وهي صفات الكمال. {

الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

}
اسمان دالان على أنه تعالى ذو الرحمة الواسعة العظيمة التي وسعت كل
شيء, وعمت
كل حي, وكتبها للمتقين المتبعين لأنبيائه ورسله. فهؤلاء لهم الرحمة
المطلقة,
ومن عداهم فلهم نصيب منها.




واعلم أن من القواعد المتفق عليها بين سلف الأمة وأئمتها, الإيمان
بأسماء الله
وصفاته, وأحكام الصفات.




فيؤمنون مثلا, بأنه رحمن رحيم, ذو الرحمة التي اتصف بها, المتعلقة
بالمرحوم.
فالنعم كلها, أثر من آثار رحمته, وهكذا في سائر الأسماء. يقال في
العليم: إنه
عليم ذو علم, يعلم [به] كل شيء, قدير, ذو قدرة يقدر على كل شيء.



{
الْحَمْدُ لِلَّهِ

}
[هو] الثناء على الله بصفات الكمال, وبأفعاله الدائرة بين الفضل
والعدل, فله
الحمد الكامل, بجميع الوجوه. {

رَبِّ الْعَالَمِينَ

}
الرب, هو المربي جميع العالمين -وهم من سوى الله- بخلقه إياهم, وإعداده
لهم
الآلات, وإنعامه عليهم بالنعم العظيمة, التي لو فقدوها, لم يمكن لهم
البقاء.
فما بهم من نعمة, فمنه تعالى.




وتربيته تعالى لخلقه نوعان: عامة وخاصة.




فالعامة: هي خلقه للمخلوقين, ورزقهم, وهدايتهم لما فيه مصالحهم, التي
فيها
بقاؤهم في الدنيا.




والخاصة: تربيته لأوليائه, فيربيهم بالإيمان, ويوفقهم له, ويكمله لهم,
ويدفع
عنهم الصوارف, والعوائق الحائلة بينهم وبينه, وحقيقتها: تربية التوفيق
لكل خير,
والعصمة عن كل شر. ولعل هذا [المعنى] هو السر في كون أكثر أدعية
الأنبياء بلفظ
الرب. فإن مطالبهم كلها داخلة تحت ربوبيته الخاصة.




فدل قوله {

رَبِّ الْعَالَمِينَ

}
على انفراده بالخلق والتدبير, والنعم, وكمال غناه, وتمام فقر العالمين
إليه,
بكل وجه واعتبار.



{
مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ

}
المالك: هو من اتصف بصفة الملك التي من آثارها أنه يأمر وينهى, ويثيب
ويعاقب,
ويتصرف بمماليكه بجميع أنواع التصرفات, وأضاف الملك ليوم الدين, وهو
يوم
القيامة, يوم يدان الناس فيه بأعمالهم, خيرها وشرها, لأن في ذلك اليوم,
يظهر
للخلق تمام الظهور, كمال ملكه وعدله وحكمته, وانقطاع أملاك الخلائق.
حتى [إنه]
يستوي في ذلك اليوم, الملوك والرعايا والعبيد والأحرار.




كلهم مذعنون لعظمته, خاضعون لعزته, منتظرون لمجازاته, راجون ثوابه,
خائفون من
عقابه, فلذلك خصه بالذكر, وإلا, فهو المالك ليوم الدين ولغيره من
الأيام.




وقوله {

إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ

}
أي: نخصك وحدك بالعبادة




والاستعانة, لأن تقديم المعمول يفيد الحصر, وهو إثبات الحكم للمذكور,
ونفيه عما
عداه. فكأنه يقول: نعبدك, ولا نعبد غيرك, ونستعين بك, ولا نستعين
بغيرك.




وقدم العبادة على الاستعانة, من باب تقديم العام على الخاص, واهتماما
بتقديم
حقه تعالى على حق عبده.



و
{

العبادة

}
اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال, والأقوال الظاهرة
والباطنة. و {

الاستعانة

}
هي الاعتماد على الله تعالى في جلب المنافع, ودفع المضار, مع الثقة به
في تحصيل
ذلك.




والقيام بعبادة الله والاستعانة به هو الوسيلة للسعادة الأبدية,
والنجاة من
جميع الشرور, فلا سبيل إلى النجاة إلا بالقيام بهما. وإنما تكون
العبادة عبادة,
إذا كانت مأخوذة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مقصودا بها وجه الله.
فبهذين
الأمرين تكون عبادة, وذكر {

الاستعانة

}
بعد {

العبادة

}
مع دخولها فيها, لاحتياج العبد في جميع عباداته إلى الاستعانة بالله
تعالى.
فإنه إن لم يعنه الله, لم يحصل له ما يريده من فعل الأوامر, واجتناب
النواهي.




ثم قال تعالى: {

اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ

}
أي: دلنا وأرشدنا, ووفقنا للصراط المستقيم, وهو الطريق الواضح الموصل
إلى الله,
وإلى جنته, وهو معرفة الحق والعمل به, فاهدنا إلى الصراط واهدنا في
الصراط.
فالهداية إلى الصراط: لزوم دين الإسلام, وترك ما سواه من الأديان,
والهداية في
الصراط, تشمل الهداية لجميع التفاصيل الدينية علما وعملا. فهذا الدعاء
من أجمع
الأدعية وأنفعها للعبد ولهذا وجب على الإنسان أن يدعو الله به في كل
ركعة من
صلاته, لضرورته إلى ذلك.




وهذا الصراط المستقيم هو: {

صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ

}
من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. {

غَيْرِ

}
صراط {

الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ

}
الذين عرفوا الحق وتركوه كاليهود ونحوهم. وغير صراط {

الضَّالِّينَ

}
الذين تركوا الحق على جهل وضلال, كالنصارى ونحوهم.




فهذه السورة على إيجازها, قد احتوت على ما لم تحتو عليه سورة من سور
القرآن,
فتضمنت أنواع التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبية يؤخذ من قوله: {

رَبِّ الْعَالَمِينَ

}




وتوحيد الإلهية وهو إفراد الله بالعبادة, يؤخذ من لفظ: {

اللَّهِ

}
ومن قوله: {

إِيَّاكَ نَعْبُدُ

}
وتوحيد الأسماء والصفات, وهو إثبات صفات الكمال لله تعالى, التي أثبتها
لنفسه,
وأثبتها له رسوله من غير تعطيل ولا تمثيل ولا تشبيه, وقد دل على ذلك
لفظ {

الْحَمْدُ

}
كما تقدم. وتضمنت إثبات النبوة في قوله: {

اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ

}
لأن ذلك ممتنع بدون الرسالة.




وإثبات الجزاء على الأعمال في قوله: {

مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ

}
وأن الجزاء يكون بالعدل, لأن الدين معناه الجزاء بالعدل.




وتضمنت إثبات القدر, وأن العبد فاعل حقيقة, خلافا للقدرية والجبرية. بل
تضمنت
الرد على جميع أهل البدع [والضلال] في قوله: {

اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ

}
لأنه معرفة الحق والعمل به. وكل مبتدع [وضال] فهو مخالف لذلك.




وتضمنت إخلاص الدين لله تعالى, عبادة واستعانة في قوله: {

إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ

}
فالحمد لله رب العالمين.
avatar
Admin
مدير الموقع
مدير الموقع

عدد المساهمات : 145
نقاط : 319
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 14/02/2013
العمر : 29
الموقع : http://www.shbaboffline.net/vb/

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://wsam.jordanforum.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: لنعرف الآية الكريمة وسبب نزولها

مُساهمة من طرف Admin في الأربعاء فبراير 20, 2013 4:07 am

-


تفسير سورة البقرة



عدد آياتها 286




(


آية 1-25
)
وهي مدنية


{

1 - 5


} {

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا
رَيْبَ
فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ
وَيُقِيمُونَ
الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالَّذِينَ
يُؤْمِنُونَ
بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ
هُمْ
يُوقِنُونَ * أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ
الْمُفْلِحُونَ


}




تقدم الكلام على البسملة. وأما الحروف المقطعة في أوائل السور, فالأسلم
فيها,
السكوت عن التعرض لمعناها [من غير مستند شرعي], مع الجزم بأن الله
تعالى لم
ينزلها عبثا بل لحكمة لا نعلمها.




وقوله {

ذَلِكَ الْكِتَابُ


} أي هذا الكتاب العظيم الذي هو الكتاب على الحقيقة, المشتمل على ما لم
تشتمل
عليه كتب المتقدمين والمتأخرين من العلم العظيم,




والحق المبين. فـ {

لَا رَيْبَ فِيهِ


} ولا شك بوجه من الوجوه، ونفي الريب عنه, يستلزم ضده, إذ ضد الريب
والشك
اليقين، فهذا الكتاب مشتمل على علم اليقين المزيل للشك والريب. وهذه
قاعدة
مفيدة, أن النفي المقصود به المدح, لا بد أن يكون متضمنا لضدة, وهو
الكمال, لأن
النفي عدم, والعدم المحض, لا مدح فيه.




فلما اشتمل على اليقين وكانت الهداية لا تحصل إلا باليقين قال: {

هُدًى لِلْمُتَّقِينَ


} والهدى: ما تحصل به الهداية من الضلالة والشبه، وما به الهداية إلى
سلوك
الطرق النافعة. وقال {

هُدًى


} وحذف المعمول, فلم يقل هدى للمصلحة الفلانية, ولا للشيء الفلاني,
لإرادة
العموم, وأنه هدى لجميع مصالح الدارين، فهو مرشد للعباد في المسائل
الأصولية
والفروعية, ومبين للحق من الباطل, والصحيح من الضعيف, ومبين لهم كيف
يسلكون
الطرق النافعة لهم, في دنياهم وأخراهم.




وقال في موضع آخر: {

هُدًى لِلنَّاسِ


} فعمم. وفي هذا الموضع وغيره {

هُدًى لِلْمُتَّقِينَ


} لأنه في نفسه هدى لجميع الخلق.فالأشقياء لم يرفعوا به رأسا. ولم
يقبلوا هدى
الله, فقامت عليهم به الحجة, ولم ينتفعوا به لشقائهم، وأما المتقون
الذين أتوا
بالسبب الأكبر, لحصول الهداية, وهو التقوى التي حقيقتها: اتخاذ ما يقي
سخط الله
وعذابه, بامتثال أوامره, واجتناب النواهي, فاهتدوا به, وانتفعوا غاية
الانتفاع.
قال تعالى: {

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ
لَكُمْ
فُرْقَانًا


} فالمتقون هم المنتفعون بالآيات القرآنية, والآيات الكونية.




ولأن الهداية نوعان: هداية البيان, وهداية التوفيق. فالمتقون حصلت لهم
الهدايتان, وغيرهم لم تحصل لهم هداية التوفيق. وهداية البيان بدون
توفيق للعمل
بها, ليست هداية حقيقية [تامة].




ثم وصف المتقين بالعقائد والأعمال الباطنة, والأعمال الظاهرة, لتضمن
التقوى
لذلك فقال: {

الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ


} حقيقة الإيمان: هو التصديق التام بما أخبرت به الرسل, المتضمن
لانقياد
الجوارح، وليس الشأن في الإيمان بالأشياء المشاهدة بالحس, فإنه لا
يتميز بها
المسلم من الكافر. إنما الشأن في الإيمان بالغيب, الذي لم نره ولم
نشاهده,
وإنما نؤمن به, لخبر الله وخبر رسوله. فهذا الإيمان الذي يميز به
المسلم من
الكافر, لأنه تصديق مجرد لله ورسله. فالمؤمن يؤمن بكل ما أخبر الله به,
أو أخبر
به رسوله, سواء شاهده, أو لم يشاهده وسواء فهمه وعقله, أو لم يهتد إليه
عقله
وفهمه. بخلاف الزنادقة والمكذبين بالأمور الغيبية, لأن عقولهم القاصرة
المقصرة
لم تهتد إليها فكذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ففسدت عقولهم, ومرجت
أحلامهم. وزكت
عقول المؤمنين المصدقين المهتدين بهدى الله.




ويدخل في الإيمان بالغيب, [الإيمان بـ] بجميع ما أخبر الله به من
الغيوب
الماضية والمستقبلة, وأحوال الآخرة, وحقائق أوصاف الله وكيفيتها, [وما
أخبرت به
الرسل من ذلك] فيؤمنون بصفات الله ووجودها, ويتيقنونها, وإن لم يفهموا
كيفيتها.




ثم قال: {

وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ


} لم يقل: يفعلون الصلاة, أو يأتون بالصلاة, لأنه لا يكفي فيها مجرد
الإتيان
بصورتها الظاهرة. فإقامة الصلاة, إقامتها ظاهرا, بإتمام أركانها,
وواجباتها,
وشروطها. وإقامتها باطنا بإقامة روحها, وهو حضور القلب فيها, وتدبر ما
يقوله
ويفعله منها، فهذه الصلاة هي التي قال الله فيها: {

إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ


} وهي التي يترتب عليها الثواب. فلا ثواب للإنسان من صلاته, إلا ما
عقل منها،
ويدخل في الصلاة فرائضها ونوافلها.




ثم قال: {

وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ


} يدخل فيه النفقات الواجبة كالزكاة, والنفقة على الزوجات والأقارب,
والمماليك
ونحو ذلك. والنفقات المستحبة بجميع طرق الخير. ولم يذكر المنفق عليهم,
لكثرة
أسبابه وتنوع أهله, ولأن النفقة من حيث هي, قربة إلى الله، وأتى بـ "
من "
الدالة على التبعيض, لينبههم أنه لم يرد منهم إلا جزءا يسيرا من
أموالهم, غير
ضار لهم ولا مثقل, بل ينتفعون هم بإنفاقه, وينتفع به إخوانهم.




وفي قوله: {

رَزَقْنَاهُمْ


} إشارة إلى أن هذه الأموال التي بين أيديكم, ليست حاصلة بقوتكم
وملككم, وإنما
هي رزق الله الذي خولكم, وأنعم به عليكم، فكما أنعم عليكم وفضلكم على
كثير من
عباده, فاشكروه بإخراج بعض ما أنعم به عليكم, وواسوا إخوانكم المعدمين.




وكثيرا ما يجمع تعالى بين الصلاة والزكاة في القرآن, لأن الصلاة متضمنة
للإخلاص
للمعبود, والزكاة والنفقة متضمنة للإحسان على عبيده، فعنوان سعادة
العبد إخلاصه
للمعبود, وسعيه في نفع الخلق، كما أن عنوان شقاوة العبد عدم هذين
الأمرين منه,
فلا إخلاص ولا إحسان.




ثم قال: {

وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ


} وهو القرآن والسنة، قال تعالى: {

وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ


} فالمتقون يؤمنون بجميع ما جاء به الرسول, ولا يفرقون بين بعض ما أنزل
إليه,
فيؤمنون ببعضه, ولا يؤمنون ببعضه, إما بجحده أو تأويله, على غير مراد
الله
ورسوله, كما يفعل ذلك من يفعله من المبتدعة, الذين يؤولون النصوص
الدالة على
خلاف قولهم, بما حاصله عدم التصديق بمعناها, وإن صدقوا بلفظها, فلم
يؤمنوا بها
إيمانا حقيقيا.




وقوله: {

وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ


} يشمل الإيمان بالكتب السابقة، ويتضمن الإيمان بالكتب الإيمان بالرسل
وبما
اشتملت عليه, خصوصا التوراة والإنجيل والزبور، وهذه خاصية المؤمنين
يؤمنون
بجميع الكتب السماوية وبجميع الرسل فلا يفرقون بين أحد منهم.




ثم قال: {

وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ


} و " الآخرة " اسم لما يكون بعد الموت، وخصه [بالذكر] بعد العموم, لأن
الإيمان
باليوم الآخر, أحد أركان الإيمان؛ ولأنه أعظم باعث على الرغبة والرهبة
والعمل،
و " اليقين " هو العلم التام الذي ليس فيه أدنى شك, الموجب للعمل.




{

أُولَئِكَ


} أي: الموصوفون بتلك الصفات الحميدة {

عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ


} أي: على هدى عظيم, لأن التنكير للتعظيم، وأي هداية أعظم من تلك
الصفات
المذكورة المتضمنة للعقيدة الصحيحة والأعمال المستقيمة، وهل الهداية
[الحقيقية]
إلا هدايتهم، وما سواها [مما خالفها]، فهو ضلالة.




وأتى بـ " على " في هذا الموضع, الدالة على الاستعلاء, وفي الضلالة
يأتي بـ "
في " كما في قوله: {

وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ


} لأن صاحب الهدى مستعل بالهدى, مرتفع به, وصاحب الضلال منغمس فيه
محتقر.




ثم قال: {

وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ


} والفلاح [هو] الفوز بالمطلوب والنجاة من المرهوب، حصر الفلاح فيهم؛
لأنه لا
سبيل إلى الفلاح إلا بسلوك سبيلهم, وما عدا تلك السبيل, فهي سبل الشقاء
والهلاك
والخسار التي تفضي بسالكها إلى الهلاك.






{
6 - 7

}
{

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ
لَمْ
تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ
وَعَلَى
سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ

}




فلهذا لما ذكر صفات المؤمنين حقا, ذكر صفات الكفار المظهرين لكفرهم،
المعاندين
للرسول فقال: {

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ
لَمْ
تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ
وَعَلَى
سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ

}
يخبر تعالى أن الذين كفروا, أي: اتصفوا بالكفر, وانصبغوا به, وصار وصفا
لهم
لازما, لا يردعهم عنه رادع, ولا ينجع فيهم وعظ، إنهم مستمرون على
كفرهم, فسواء
عليهم أأنذرتهم, أم لم تنذرهم لا يؤمنون، وحقيقة الكفر: هو الجحود لما
جاء به
الرسول, أو جحد بعضه، فهؤلاء الكفار لا تفيدهم الدعوة إلا إقامة الحجة,
وكأن في
هذا قطعا لطمع الرسول صلى الله عليه وسلم في إيمانهم, وأنك لا تأس
عليهم, ولا
تذهب نفسك عليهم حسرات.




ثم ذكر الموانع المانعة لهم من الإيمان فقال: {

خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ

}
أي: طبع عليها بطابع لا يدخلها الإيمان, ولا ينفذ فيها، فلا يعون ما
ينفعهم,
ولا يسمعون ما يفيدهم.



{
وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ

}
أي: غشاء وغطاء وأكنة تمنعها عن النظر الذي ينفعهم, وهذه طرق العلم
والخير, قد
سدت عليهم, فلا مطمع فيهم, ولا خير يرجى عندهم، وإنما منعوا ذلك, وسدت
عنهم
أبواب الإيمان بسبب كفرهم وجحودهم ومعاندتهم بعد ما تبين لهم الحق, كما
قال
تعالى: {

وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا
بِهِ
أَوَّلَ مَرَّةٍ

}
وهذا عقاب عاجل.




ثم ذكر العقاب الآجل، فقال: {

وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ

}
وهو عذاب النار, وسخط الجبار المستمر الدائم.




ثم قال تعالى في وصف المنافقين الذين ظاهرهم الإسلام وباطنهم الكفر
فقال:



{
8 - 10

}
{

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ
الْآخِرِ وَمَا
هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا
يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِمْ
مَرَضٌ
فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا
يَكْذِبُونَ

}




واعلم أن النفاق هو: إظهار الخير وإبطان الشر، ويدخل في هذا التعريف
النفاق
الاعتقادي, والنفاق العملي، كالذي ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في
قوله: " آية
المنافق ثلات: إذا حدث كذب, وإذا وعد أخلف, وإذا اؤتمن خان " وفي
رواية: " وإذا
خاصم فجر "




وأما النفاق الاعتقادي المخرج عن دائرة الإسلام, فهو الذي وصف الله به
المنافقين في هذه السورة وغيرها، ولم يكن النفاق موجودا قبل هجرة
الرسول صلى
الله عليه وسلم [من مكة] إلى المدينة, وبعد أن هاجر, فلما كانت وقعة "
بدر "
وأظهر الله المؤمنين وأعزهم، ذل من في المدينة ممن لم يسلم, فأظهر
بعضهم
الإسلام خوفا ومخادعة, ولتحقن دماؤهم, وتسلم أموالهم, فكانوا بين أظهر
المسلمين
في الظاهر أنهم منهم, وفي الحقيقة ليسوا منهم.




فمن لطف الله بالمؤمنين, أن جلا أحوالهم ووصفهم بأوصاف يتميزون بها,
لئلا يغتر
بهم المؤمنون, ولينقمعوا أيضا عن كثير من فجورهم [قال تعالى]: {

يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ
تُنَبِّئُهُمْ
بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ

}
فوصفهم الله بأصل النفاق فقال: {

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ
الْآخِرِ وَمَا
هُمْ بِمُؤْمِنِينَ

}
فإنهم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، فأكذبهم الله بقوله: {

وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ

}
لأن الإيمان الحقيقي, ما تواطأ عليه القلب واللسان, وإنما هذا مخادعة
لله
ولعباده المؤمنين.




والمخادعة: أن يظهر المخادع لمن يخادعه شيئا, ويبطن خلافه لكي يتمكن من
مقصوده
ممن يخادع، فهؤلاء المنافقون, سلكوا مع الله وعباده هذا المسلك, فعاد
خداعهم
على أنفسهم، فإن هذا من العجائب؛ لأن المخادع, إما أن ينتج خداعه
ويحصل له ما
يريد أو يسلم, لا له ولا عليه، وهؤلاء عاد خداعهم عليهم, وكأنهم
يعملون ما
يعملون من المكر لإهلاك أنفسهم وإضرارها وكيدها؛ لأن الله تعالى لا
يتضرر
بخداعهم [شيئا] وعباده المؤمنون, لا يضرهم كيدهم شيئا، فلا يضر
المؤمنين أن
أظهر المنافقون الإيمان, فسلمت بذلك أموالهم وحقنت دماؤهم, وصار كيدهم
في
نحورهم, وحصل لهم بذلك الخزي والفضيحة في الدنيا, والحزن المستمر بسبب
ما يحصل
للمؤمنين من القوة والنصرة.




ثم في الآخرة لهم العذاب الأليم الموجع المفجع, بسبب كذبهم وكفرهم
وفجورهم,
والحال أنهم من جهلهم وحماقتهم لا يشعرون بذلك.




وقوله: {

فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ

}
والمراد بالمرض هنا: مرض الشك والشبهات والنفاق، لأن القلب يعرض له
مرضان
يخرجانه عن صحته واعتداله: مرض الشبهات الباطلة, ومرض الشهوات المردية،
فالكفر
والنفاق والشكوك والبدع, كلها من مرض الشبهات، والزنا, ومحبة [الفواحش
و]المعاصي وفعلها, من مرض الشهوات ، كما قال تعالى: {

فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ

}
وهي شهوة الزنا، والمعافى من عوفي من هذين المرضين, فحصل له اليقين
والإيمان,
والصبر عن كل معصية, فرفل في أثواب العافية.




وفي قوله عن المنافقين: {

فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا

}
بيان لحكمته تعالى في تقدير المعاصي على العاصين, وأنه بسبب ذنوبهم
السابقة,
يبتليهم بالمعاصي اللاحقة الموجبة لعقوباتها كما قال تعالى: {

وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا
بِهِ
أَوَّلَ مَرَّةٍ

}
وقال تعالى: {

فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ

}
وقال تعالى: {

وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا
إِلَى
رِجْسِهِمْ

}
فعقوبة المعصية, المعصية بعدها, كما أن من ثواب الحسنة, الحسنة بعدها،
قال
تعالى: {

وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى

}





{

11 - 12

}
{

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا
نَحْنُ
مُصْلِحُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا
يَشْعُرُونَ

}




أي: إذا نهي هؤلاء المنافقون عن الإفساد في الأرض, وهو العمل بالكفر
والمعاصي,
ومنه إظهار سرائر المؤمنين لعدوهم وموالاتهم للكافرين {

قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ

}
فجمعوا بين العمل بالفساد في الأرض, وإظهارهم أنه ليس بإفساد بل هو
إصلاح, قلبا
للحقائق, وجمعا بين فعل الباطل واعتقاده حقا، وهذا أعظم جناية ممن يعمل

بالمعصية, مع اعتقاد أنها معصية فهذا أقرب للسلامة, وأرجى لرجوعه.




ولما كان في قولهم: {

إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ

}
حصر للإصلاح في جانبهم - وفي ضمنه أن المؤمنين ليسوا من أهل الإصلاح -
قلب الله
عليهم دعواهم بقوله: {

ألا إنهم هم المفسدون

}
فإنه لا أعظم فسادا ممن كفر بآيات الله, وصد عن سبيل الله، وخادع الله

وأولياءه, ووالى المحاربين لله ورسوله, وزعم مع ذلك أن هذا إصلاح, فهل
بعد هذا
الفساد فساد؟" ولكن لا يعلمون علما ينفعهم, وإن كانوا قد علموا بذلك
علما تقوم
به عليهم حجة الله، وإنما كان العمل بالمعاصي في الأرض إفسادا, لأنه
يتضمن
فساد ما على وجه الأرض من الحبوب والثمار والأشجار, والنبات, بما
يحصل فيها
من الآفات بسبب المعاصي، ولأن الإصلاح في الأرض أن تعمر بطاعة الله
والإيمان
به, لهذا خلق الله الخلق, وأسكنهم في الأرض, وأدر لهم الأرزاق,
ليستعينوا بها
على طاعته [وعبادته]، فإذا عمل فيها بضده, كان سعيا فيها بالفساد فيها,
وإخرابا
لها عما خلقت له.





{

13

}
{

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ
كَمَا
آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا
يَعْلَمُونَ

}




أي: إذا قيل للمنافقين آمنوا كما آمن الناس, أي: كإيمان الصحابة رضي
الله عنهم،
وهو الإيمان بالقلب واللسان, قالوا بزعمهم الباطل: أنؤمن كما آمن
السفهاء؟
يعنون - قبحهم الله - الصحابة رضي الله عنهم, بزعمهم أن سفههم أوجب
لهم
الإيمان, وترك الأوطان, ومعاداة الكفار، والعقل عندهم يقتضي ضد ذلك,
فنسبوهم
إلى السفه; وفي ضمنه أنهم هم العقلاء أرباب الحجى والنهى.




فرد الله ذلك عليهم, وأخبر أنهم هم السفهاء على الحقيقة, لأن حقيقة
السفه جهل
الإنسان بمصالح نفسه, وسعيه فيما يضرها, وهذه الصفة منطبقة عليهم
وصادقة عليهم،
كما أن العقل والحجا, معرفة الإنسان بمصالح نفسه, والسعي فيما ينفعه,
و[في] دفع
ما يضره، وهذه الصفة منطبقة على [الصحابة و]المؤمنين وصادقة عليهم،
فالعبرة
بالأوصاف والبرهان, لا بالدعاوى المجردة, والأقوال الفارغة.





ثم قال تعالى: {

14 - 15

}
{

وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا
إِلَى
شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ
مُسْتَهْزِئُونَ *
اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ
يَعْمَهُونَ

}




هذا من قولهم بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، و[ذلك] أنهم إذا اجتمعوا
بالمؤمنين,
أظهروا أنهم على طريقتهم وأنهم معهم, فإذا خلوا إلى شياطينهم - أي:
رؤسائهم
وكبرائهم في الشر - قالوا: إنا معكم في الحقيقة, وإنما نحن مستهزءون
بالمؤمنين
بإظهارنا لهم, أنا على طريقتهم، فهذه حالهم الباطنة والظاهرة, ولا يحيق
المكر
السيئ إلا بأهله.




قال تعالى: {

اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ
يَعْمَهُونَ

}
وهذا جزاء لهم, على استهزائهم بعباده، فمن استهزائه بهم أن زين لهم ما
كانوا
فيه من الشقاء والحالة الخبيثة, حتى ظنوا أنهم مع المؤمنين, لما لم
يسلط الله
المؤمنين عليهم، ومن استهزائه بهم يوم القيامة, أنه يعطيهم مع المؤمنين
نورا
ظاهرا, فإذا مشي المؤمنون بنورهم, طفئ نور المنافقين, وبقوا في الظلمة
بعد
النور متحيرين, فما أعظم اليأس بعد الطمع، {

يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ
فَتَنْتُمْ
أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ

}
الآية.




قوله: {

وَيَمُدُّهُمْ

}
أي: يزيدهم {

فِي طُغْيَانِهِمْ

}
أي: فجورهم وكفرهم، {

يَعْمَهُونَ

}
أي: حائرون مترددون, وهذا من استهزائه تعالى بهم.




ثم قال تعالى كاشفا عن حقيقة أحوالهم:





{

16

}
{

أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا
رَبِحَتْ
تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ

}




أولئك, أي: المنافقون الموصوفون بتلك الصفات {

الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى

}
أي: رغبوا في الضلالة, رغبة المشتري بالسلعة, التي من رغبته فيها يبذل
فيها
الأثمان النفيسة. وهذا من أحسن الأمثلة, فإنه جعل الضلالة, التي هي
غاية الشر,
كالسلعة، وجعل الهدى الذي هو غاية الصلاح بمنزلة الثمن، فبذلوا الهدى
رغبة عنه
بالضلالة رغبة فيها، فهذه تجارتهم, فبئس التجارة, وبئس الصفقة صفقتهم





وإذا كان من بذل دينارا في مقابلة درهم خاسرا, فكيف من بذل جوهرة وأخذ
عنها
درهما؟" فكيف من بذل الهدى في مقابلة الضلالة, واختار الشقاء على
السعادة, ورغب
في سافل الأمور عن عاليها ؟" فما ربحت تجارته, بل خسر فيها أعظم
خسارة. {

قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ
وَأَهْلِيهِمْ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ

}




وقوله: {

وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ

}
تحقيق لضلالهم, وأنهم لم يحصل لهم من الهداية شيء, فهذه أوصافهم
القبيحة.




ثم ذكر مثلهم الكاشف لها غاية الكشف، فقال:




{

17 - 20


} {

مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ
مَا
حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا
يُبْصِرُونَ * صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ * أَوْ
كَصَيِّبٍ
مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ
أَصَابِعَهُمْ
فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ
بِالْكَافِرِينَ * يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا
أَضَاءَ
لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ
شَاءَ
اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى
كُلِّ
شَيْءٍ قَدِيرٌ


}




أي: مثلهم المطابق لما كانوا عليه كمثل الذي استوقد نارا، أي: كان في
ظلمة
عظيمة, وحاجة إلى النار شديدة فاستوقدها من

غيره, ولم تكن عنده معدة, بل هي خارجة عنه، فلما أضاءت النار ما حوله,
ونظر
المحل الذي هو فيه, وما فيه من المخاوف وأمنها, وانتفع بتلك النار,
وقرت بها
عينه, وظن أنه قادر عليها, فبينما هو كذلك, إذ ذهب الله بنوره, فذهب
عنه النور,
وذهب معه السرور, وبقي في الظلمة العظيمة والنار المحرقة, فذهب ما فيها
من
الإشراق, وبقي ما فيها من الإحراق، فبقي في ظلمات متعددة: ظلمة الليل,
وظلمة
السحاب, وظلمة المطر, والظلمة الحاصلة بعد النور, فكيف يكون حال هذا
الموصوف؟
فكذلك هؤلاء المنافقون, استوقدوا نار الإيمان من المؤمنين, ولم تكن صفة
لهم,
فانتفعوا بها وحقنت بذلك دماؤهم, وسلمت أموالهم, وحصل لهم نوع من
الأمن في
الدنيا، فبينما هم على ذلك إذ هجم عليهم الموت, فسلبهم الانتفاع بذلك
النور,
وحصل لهم كل هم وغم وعذاب, وحصل لهم ظلمة القبر, وظلمة الكفر, وظلمة
النفاق,
وظلم المعاصي على اختلاف أنواعها, وبعد ذلك ظلمة النار [وبئس القرار].




فلهذا قال تعالى [عنهم]: {

صُمٌّ

}
أي: عن سماع الخير، {

بُكْمٌ

}
[أي]: عن النطق به، {

عُمْيٌ

}
عن رؤية الحق، {

فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ

}
لأنهم تركوا الحق بعد أن عرفوه, فلا يرجعون إليه، بخلاف من ترك الحق عن
جهل
وضلال, فإنه لا يعقل, وهو أقرب رجوعا منهم.




ثم قال تعالى: {

أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ

}
يعني: أو مثلهم كصيب، أي: كصاحب صيب من السماء، وهو المطر الذي يصوب,
أي: ينزل
بكثرة، {

فِيهِ ظُلُمَاتٌ

}
ظلمة الليل, وظلمة السحاب, وظلمات المطر، {

وَرَعْدٌ

}
وهو الصوت الذي يسمع من السحاب، {

وَبَرْقٌ

}
وهو الضوء [اللامع] المشاهد مع السحاب.



{
كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ

}
البرق في تلك الظلمات {

مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا

}
أي: وقفوا.




فهكذا حال المنافقين, إذا سمعوا القرآن وأوامره ونواهيه ووعده ووعيده,
جعلوا
أصابعهم في آذانهم, وأعرضوا عن أمره ونهيه ووعده ووعيده, فيروعهم وعيده
وتزعجهم
وعوده، فهم يعرضون عنها غاية ما يمكنهم, ويكرهونها كراهة صاحب الصيب
الذي يسمع
الرعد, ويجعل أصابعه في أذنيه خشية الموت, فهذا تمكن له السلامة.
وأما
المنافقون فأنى لهم السلامة, وهو تعالى محيط بهم, قدرة وعلما فلا
يفوتونه ولا
يعجزونه, بل يحفظ عليهم أعمالهم, ويجازيهم عليها أتم الجزاء.




ولما كانوا مبتلين بالصمم, والبكم, والعمى المعنوي, ومسدودة عليهم طرق
الإيمان،
قال تعالى: {

وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ

}
أي: الحسية, ففيه تحذير لهم وتخويف بالعقوبة الدنيوية, ليحذروا,
فيرتدعوا عن
بعض شرهم ونفاقهم، {

إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ

}
فلا يعجزه شيء، ومن قدرته أنه إذا شاء شيئا فعله من غير ممانع ولا
معارض.




وفي هذه الآية وما أشبهها, رد على القدرية القائلين بأن أفعالهم غير
داخلة في
قدرة الله تعالى, لأن أفعالهم من جملة الأشياء الداخلة في قوله: {

إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ

}



{
21 - 22

}
{

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ
وَالَّذِينَ
مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ
الْأَرْضَ
فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً
فَأَخْرَجَ
بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ
أَنْدَادًا
وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ

}




هذا أمر عام لكل الناس, بأمر عام, وهو العبادة الجامعة, لامتثال أوامر
الله,
واجتناب نواهيه, وتصديق خبره, فأمرهم تعالى بما خلقهم له، قال تعالى: {

وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ

}




ثم استدل على وجوب عبادته وحده, بأنه ربكم الذي رباكم بأصناف النعم,
فخلقكم بعد
العدم, وخلق الذين من قبلكم, وأنعم عليكم بالنعم الظاهرة والباطنة,
فجعل لكم
الأرض فراشا تستقرون عليها, وتنتفعون بالأبنية, والزراعة, والحراثة,
والسلوك من
محل إلى محل, وغير ذلك من أنواع الانتفاع بها، وجعل السماء بناء
لمسكنكم,
وأودع فيها من المنافع ما هو من ضروراتكم وحاجاتكم, كالشمس, والقمر,
والنجوم.



{
وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً

}
والسماء: [هو] كل ما علا فوقك فهو سماء, ولهذا قال المفسرون: المراد
بالسماء
هاهنا: السحاب، فأنزل منه تعالى ماء، {

فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ

}
كالحبوب, والثمار, من نخيل, وفواكه, [وزروع] وغيرها {

رِزْقًا لَكُمْ

}
به ترتزقون, وتقوتون وتعيشون وتفكهون.



{
فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا

}
أي: نظراء وأشباها من المخلوقين, فتعبدونهم كما تعبدون الله, وتحبونهم
كما
تحبون الله, وهم مثلكم, مخلوقون, مرزوقون مدبرون, لا يملكون مثقال ذرة
في
السماء ولا في الأرض، ولا ينفعونكم ولا يضرون، {

وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ

}
أن الله ليس له شريك, ولا نظير, لا في الخلق, والرزق, والتدبير, ولا في

العبادة فكيف تعبدون معه آلهة أخرى مع علمكم بذلك؟ هذا من أعجب العجب,
وأسفه
السفه.




وهذه الآية جمعت بين الأمر بعبادة الله وحده, والنهي عن عبادة ما سواه,
وبيان
الدليل الباهر على وجوب عبادته, وبطلان عبادة من سواه, وهو [ذكر] توحيد

الربوبية, المتضمن لانفراده بالخلق والرزق والتدبير، فإذا كان كل أحد
مقرا بأنه
ليس له شريك في ذلك, فكذلك فليكن إقراره بأن [الله] لا شريك له في
العبادة,
وهذا أوضح دليل عقلي على وحدانية الباري، وبطلان الشرك.




وقوله تعالى: {

لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ

}
يحتمل أن المعنى: أنكم إذا عبدتم الله وحده, اتقيتم بذلك سخطه وعذابه,
لأنكم
أتيتم بالسبب الدافع لذلك، ويحتمل أن يكون المعنى: أنكم إذا عبدتم
الله, صرتم
من المتقين الموصوفين بالتقوى, وكلا المعنيين صحيح, وهما متلازمان، فمن
أتى
بالعبادة كاملة, كان من المتقين، ومن كان من المتقين, حصلت له النجاة
من عذاب
الله وسخطه. ثم قال تعالى:



{
23 - 24

}
{

وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا
فَأْتُوا
بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ
إِنْ
كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا
فَاتَّقُوا
النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ
لِلْكَافِرِينَ

}




وهذا دليل عقلي على صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم, وصحة ما جاء به،
فقال: {

وإن كنتم

}
معشر المعاندين للرسول, الرادين دعوته, الزاعمين كذبه في شك واشتباه,
مما نزلنا
على عبدنا, هل هو حق أو غيره ؟ فهاهنا أمر نصف، فيه الفيصلة بينكم
وبينه، وهو
أنه بشر مثلكم, ليس بأفصحكم ولا بأعلمكم وأنتم تعرفونه منذ نشأ بينكم,
لا يكتب
ولا يقرأ، فأتاكم بكتاب زعم أنه من عند الله, وقلتم أنتم أنه تقوَّله
وافتراه،
فإن كان الأمر كما تقولون, فأتوا بسورة من مثله, واستعينوا بمن تقدرون
عليه من
أعوانكم وشهدائكم, فإن هذا أمر يسير عليكم، خصوصا وأنتم أهل الفصاحة
والخطابة,
والعداوة العظيمة للرسول، فإن جئتم بسورة من مثله, فهو كما زعمتم, وإن
لم تأتوا
بسورة من مثله وعجزتم غاية العجز, ولن تأتوا بسورة من مثله، ولكن هذا
التقييم
على وجه الإنصاف والتنزل معكم، فهذا آية كبرى, ودليل واضح [جلي] على
صدقه وصدق
ما جاء به, فيتعين عليكم اتباعه, واتقاء النار التي بلغت في الحرارة
العظيمة
[والشدة], أن كانت وقودها الناس والحجارة, ليست كنار الدنيا التي إنما
تتقد
بالحطب, وهذه النار الموصوفة معدة ومهيأة للكافرين بالله ورسله.
فاحذروا الكفر
برسوله, بعد ما تبين لكم أنه رسول الله.




وهذه الآية ونحوها يسمونها آيات التحدي, وهو تعجيز الخلق أن يأتوا بمثل
هذا
القرآن، قال تعالى {

قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا
بِمِثْلِ
هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ
لِبَعْضٍ
ظَهِيرًا

}




وكيف يقدر المخلوق من تراب, أن يكون كلامه ككلام رب الأرباب؟ أم كيف
يقدر
الناقص الفقير من كل الوجوه, أن يأتي بكلام ككلام الكامل, الذي له
الكمال
المطلق, والغنى الواسع من كل الوجوه؟ هذا ليس في الإمكان, ولا في قدرة
الإنسان،
وكل من له أدنى ذوق ومعرفة [بأنواع] الكلام, إذا وزن هذا القرآن العظيم
بغيره
من كلام البلغاء, ظهر له الفرق العظيم.




وفي قوله: {

وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ

}
إلى آخره, دليل على أن الذي يرجى له الهداية من الضلالة: [هو] الشاك
الحائر
الذي لم يعرف الحق من الضلال، فهذا إذا بين له الحق فهو حري بالتوفيق
إن كان
صادقا في طلب الحق.




وأما المعاند الذي يعرف الحق ويتركه, فهذا لا يمكن رجوعه, لأنه ترك
الحق بعد ما
تبين له, لم يتركه عن جهل, فلا حيلة فيه.




وكذلك الشاك غير الصادق في طلب الحق, بل هو معرض غير مجتهد في طلبه,
فهذا في
الغالب أنه لا يوفق.




وفي وصف الرسول بالعبودية في هذا المقام العظيم, دليل على أن أعظم
أوصافه صلى
الله عليه وسلم, قيامه بالعبودية, التي لا يلحقه فيها أحد من الأولين
والآخرين.




كما وصفه بالعبودية في مقام الإسراء، فقال: {

سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ

}
وفي مقام الإنزال، فقال: {

تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ

}




وفي قوله: {

أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ

}
ونحوها من الآيات, دليل لمذهب أهل السنة والجماعة, أن الجنة والنار
مخلوقتان
خلافا للمعتزلة، وفيها أيضا, أن الموحدين وإن ارتكبوا بعض الكبائر لا
يخلدون في
النار, لأنه قال: {

أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ

}
فلو كان [عصاة الموحدين] يخلدون فيها, لم تكن معدة للكافرين وحدهم،
خلافا
للخوارج والمعتزلة.




وفيها دلالة على أن العذاب مستحق بأسبابه, وهو الكفر, وأنواع المعاصي
على
اختلافها.



{
25

}
{

وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ
جَنَّاتٍ
تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ
ثَمَرَةٍ
رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ
مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا
خَالِدُونَ

}







لما ذكر جزاء الكافرين, ذكر جزاء المؤمنين, أهل الأعمال الصالحات, على
طريقته
تعالى في القرآن يجمع بين الترغيب والترهيب, ليكون العبد راغبا راهبا,
خائفا
راجيا فقال: {

وَبَشِّرِ

}
أي: [يا أيها الرسول ومن قام مقامه] {

الَّذِينَ آمَنُوا

}
بقلوبهم {

وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ

}
بجوارحهم, فصدقوا إيمانهم بأعمالهم الصالحة.




ووصفت أعمال الخير بالصالحات, لأن بها تصلح أحوال العبد, وأمور دينه
ودنياه,
وحياته الدنيوية والأخروية, ويزول بها عنه فساد الأحوال, فيكون بذلك من

الصالحين, الذين يصلحون لمجاورة الرحمن في جنته.




فبشرهم {

أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ

}
أي: بساتين جامعة من الأشجار العجيبة, والثمار الأنيقة, والظل المديد,
[والأغصان والأفنان وبذلك] صارت جنة يجتن بها داخلها, وينعم فيها
ساكنها.



{
تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ

}
أي: أنهار الماء, واللبن, والعسل, والخمر، يفجرونها كيف شاءوا,
ويصرفونها أين
أرادوا, وتشرب منها تلك الأشجار فتنبت أصناف الثمار.



{
كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا
الَّذِي
رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ

}
أي: هذا من جنسه, وعلى وصفه, كلها متشابهة في الحسن واللذة، ليس فيها
ثمرة
خا
avatar
Admin
مدير الموقع
مدير الموقع

عدد المساهمات : 145
نقاط : 319
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 14/02/2013
العمر : 29
الموقع : http://www.shbaboffline.net/vb/

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://wsam.jordanforum.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: لنعرف الآية الكريمة وسبب نزولها

مُساهمة من طرف Admin في الأربعاء فبراير 20, 2013 4:10 am

-


تفسير سورة البقرة



عدد آياتها 286



(

آية 26-57
)وهي مدنية

{
26 - 27

}
{

إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً
فَمَا
فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ
مِنْ
رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ
اللَّهُ
بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا
يُضِلُّ
بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ * الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ
مِنْ بَعْدِ
مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ
وَيُفْسِدُونَ
فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ

}




يقول تعالى {

إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا

}
أي: أيَّ مثل كان {

بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا

}
لاشتمال الأمثال على الحكمة, وإيضاح الحق, والله لا يستحيي من الحق،
وكأن في
هذا, جوابا لمن أنكر ضرب الأمثال في الأشياء الحقيرة، واعترض على الله
في ذلك.
فليس في ذلك محل اعتراض. بل هو من تعليم الله لعباده ورحمته بهم. فيجب
أن تتلقى
بالقبول والشكر. ولهذا قال: {

فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ
رَبِّهِمْ

}
فيتفهمونها، ويتفكرون فيها.




فإن علموا ما اشتملت عليه على وجه التفصيل، ازداد بذلك علمهم وإيمانهم،
وإلا
علموا أنها حق، وما اشتملت عليه حق، وإن خفي عليهم وجه الحق فيها
لعلمهم بأن
الله لم يضربها عبثا، بل لحكمة بالغة، ونعمة سابغة.



{
وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ
بِهَذَا
مَثَلًا

}
فيعترضون ويتحيرون، فيزدادون كفرا إلى كفرهم، كما ازداد المؤمنون
إيمانا على
إيمانهم، ولهذا قال: {

يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا

}
فهذه حال المؤمنين والكافرين عند نزول الآيات القرآنية. قال تعالى: {

وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ
زَادَتْهُ
هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا
وَهُمْ
يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ
فَزَادَتْهُمْ
رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ

}
فلا أعظم نعمة على العباد من نزول الآيات القرآنية، ومع هذا تكون لقوم
محنة
وحيرة [وضلالة] وزيادة شر إلى شرهم، ولقوم منحة [ورحمة] وزيادة خير إلى
خيرهم،
فسبحان من فاوت بين عباده، وانفرد بالهداية والإضلال.




ثم ذكر حكمته في إضلال من يضلهم وأن ذلك عدل منه تعالى فقال: {

وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ

}
أي: الخارجين عن طاعة الله; المعاندين لرسل الله; الذين صار الفسق
وصفهم; فلا
يبغون به بدلا، فاقتضت حكمته تعالى إضلالهم لعدم صلاحيتهم للهدى، كما
اقتضت
حكمته وفضله هداية من اتصف بالإيمان وتحلى بالأعمال الصالحة.




والفسق نوعان: نوع مخرج من الدين، وهو الفسق المقتضي للخروج من
الإيمان;
كالمذكور في هذه الآية ونحوها، ونوع غير مخرج من الإيمان كما في قوله
تعالى: {

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ
فَتَبَيَّنُوا

}
[الآية].




ثم وصف الفاسقين فقال: {

الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ

}
وهذا يعم العهد الذي بينهم وبينه والذي بينهم وبين عباده الذي أكده
عليهم
بالمواثيق الثقيلة والإلزامات، فلا يبالون بتلك المواثيق; بل ينقضونها
ويتركون
أوامره ويرتكبون نواهيه; وينقضون العهود التي بينهم وبين الخلق.



{
وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ

}
وهذا يدخل فيه أشياء كثيرة، فإن الله أمرنا أن نصل ما بيننا وبينه
بالإيمان به
والقيام بعبوديته، وما بيننا وبين رسوله بالإيمان به ومحبته وتعزيره
والقيام
بحقوقه، وما بيننا وبين الوالدين والأقارب والأصحاب; وسائر الخلق
بالقيام بتلك
الحقوق التي أمر الله أن نصلها.




فأما المؤمنون فوصلوا ما أمر الله به أن يوصل من هذه الحقوق، وقاموا
بها أتم
القيام، وأما الفاسقون، فقطعوها، ونبذوها وراء ظهورهم; معتاضين عنها
بالفسق
والقطيعة; والعمل بالمعاصي; وهو: الإفساد في الأرض.




فـ {

فَأُولَئِكَ

}
أي: من هذه صفته {

هُمُ الْخَاسِرُونَ

}
في الدنيا والآخرة، فحصر الخسارة فيهم; لأن خسرانهم عام في كل أحوالهم;
ليس لهم
نوع من الربح؛ لأن كل عمل صالح شرطه الإيمان; فمن لا إيمان له لا عمل
له; وهذا
الخسار هو خسار الكفر، وأما الخسار الذي قد يكون كفرا; وقد يكون معصية;
وقد
يكون تفريطا في ترك مستحب، المذكور في قوله تعالى: {

إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ

}
فهذا عام لكل مخلوق; إلا من اتصف بالإيمان والعمل الصالح; والتواصي
بالحق;
والتواصي بالصبر; وحقيقة فوات الخير; الذي [كان] العبد بصدد تحصيله وهو
تحت
إمكانه.





{

28

}
ثم قال تعالى: {

كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ
ثُمَّ
يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ

}




هذا استفهام بمعنى التعجب والتوبيخ والإنكار، أي: كيف يحصل منكم الكفر
بالله;
الذي خلقكم من العدم; وأنعم عليكم بأصناف النعم; ثم يميتكم عند استكمال
آجالكم;
ويجازيكم في القبور; ثم يحييكم بعد البعث والنشور; ثم إليه ترجعون;
فيجازيكم
الجزاء الأوفى، فإذا كنتم في تصرفه; وتدبيره; وبره; وتحت أوامره
الدينية; ومن
بعد ذلك تحت دينه الجزائي; أفيليق بكم أن تكفروا به; وهل هذا إلا جهل
عظيم وسفه
وحماقة ؟ بل الذي يليق بكم أن تؤمنوا به وتتقوه وتشكروه وتخافوا
عذابه; وترجوا
ثوابه.



{
29

}
{

هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى
إِلَى
السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ
عَلِيمٌ

}



{
هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا

}
أي: خلق لكم, برا بكم ورحمة, جميع ما على الأرض, للانتفاع والاستمتاع
والاعتبار.




وفي هذه الآية العظيمة دليل على أن الأصل في الأشياء الإباحة
والطهارة, لأنها
سيقت في معرض الامتنان، يخرج بذلك الخبائث, فإن [تحريمها أيضا] يؤخذ من
فحوى
الآية, ومعرفة المقصود منها, وأنه خلقها لنفعنا, فما فيه ضرر, فهو خارج
من ذلك،
ومن تمام نعمته, منعنا من الخبائث, تنزيها لنا.




وقوله: {

ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ
وَهُوَ
بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ

}



{
اسْتَوَى

}
ترد في القرآن على ثلاثة معاني: فتارة لا تعدى بالحرف، فيكون معناها,
الكمال
والتمام, كما في قوله عن موسى: {

وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى

}
وتارة تكون بمعنى " علا " و " ارتفع " وذلك إذا عديت بـ " على " كما في
قوله
تعالى: {

ثم استوى على العرش


} {

لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ

}
وتارة تكون بمعنى " قصد " كما إذا عديت بـ " إلى " كما في هذه الآية،
أي: لما
خلق تعالى الأرض, قصد إلى خلق السماوات {

فسواهن سبع سماوات

}
فخلقها وأحكمها, وأتقنها, {

وهو بكل شيء عليم

}
فـ {

يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها

}
و {

يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ

}
يعلم السر وأخفى.




وكثيرا ما يقرن بين خلقه للخلق وإثبات علمه كما في هذه الآية, وكما في
قوله
تعالى: {

أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ

}
لأن خلقه للمخلوقات, أدل دليل على علمه, وحكمته, وقدرته.




{

30 - 34


} {

وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ
خَلِيفَةً
قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ

وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ
مَا لَا
تَعْلَمُونَ * وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ
عَلَى
الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ
كُنْتُمْ
صَادِقِينَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا
عَلَّمْتَنَا
إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ
بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ
أَقُلْ
لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ
مَا
تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ * وَإِذْ قُلْنَا
لِلْمَلَائِكَةِ
اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ
وَكَانَ
مِنَ الْكَافِرِينَ


}




هذا شروع في ذكر فضل آدم عليه السلام أبي البشر أن الله حين أراد خلقه
أخبر
الملائكة بذلك, وأن الله مستخلفه في الأرض.




فقالت الملائكة عليهم السلام: {

أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا


} بالمعاصي {

وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ


} [و]هذا تخصيص بعد تعميم, لبيان [شدة] مفسدة القتل، وهذا بحسب ظنهم أن
الخليفة
المجعول في الأرض سيحدث منه ذلك, فنزهوا الباري عن ذلك, وعظموه,
وأخبروا أنهم
قائمون بعبادة الله على وجه خال من المفسدة فقالوا: {

وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ


} أي: ننزهك التنزيه اللائق بحمدك وجلالك، {

وَنُقَدِّسُ لَكَ


} يحتمل أن معناها: ونقدسك, فتكون اللام مفيدة للتخصيص والإخلاص،
ويحتمل أن
يكون: ونقدس لك أنفسنا، أي: نطهرها بالأخلاق الجميلة, كمحبة الله
وخشيته
وتعظيمه, ونطهرها من الأخلاق الرذيلة.




قال الله تعالى للملائكة: {

إِنِّي أَعْلَمُ


} من هذا الخليفة {

مَا لَا تَعْلَمُونَ


} ؛ لأن كلامكم بحسب ما ظننتم, وأنا عالم بالظواهر والسرائر, وأعلم أن
الخير
الحاصل بخلق هذا الخليفة, أضعاف أضعاف ما في ضمن ذلك من الشر فلو لم
يكن في
ذلك, إلا أن الله تعالى أراد أن يجتبي منهم الأنبياء والصديقين,
والشهداء
والصالحين, ولتظهر آياته للخلق, ويحصل من العبوديات التي لم تكن تحصل
بدون خلق
هذا الخليفة, كالجهاد وغيره, وليظهر ما كمن في غرائز بني آدم من الخير
والشر
بالامتحان, وليتبين عدوه من وليه, وحزبه من حربه, وليظهر ما كمن في نفس
إبليس
من الشر الذي انطوى عليه, واتصف به, فهذه حكم عظيمة, يكفي بعضها في
ذلك.




ثم لما كان قول الملائكة عليهم السلام, فيه إشارة إلى فضلهم على
الخليفة الذي
يجعله الله في الأرض, أراد الله تعالى, أن يبين لهم من فضل آدم, ما
يعرفون به
فضله, وكمال حكمة الله وعلمه فـ {

عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا


} أي: أسماء الأشياء, وما هو مسمى بها، فعلمه الاسم والمسمى, أي:
الألفاظ
والمعاني, حتى المكبر من الأسماء كالقصعة، والمصغر كالقصيعة.




{

ثُمَّ عَرَضَهُمْ


} أي: عرض المسميات {

عَلَى الْمَلَائِكَةِ


} امتحانا لهم, هل يعرفونها أم لا؟.




{

فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ


} في قولكم وظنكم, أنكم أفضل من هذا الخليفة.




{

قَالُوا سُبْحَانَكَ


} أي: ننزهك من الاعتراض منا عليك, ومخالفة أمرك. {

لَا عِلْمَ لَنَا


} بوجه من الوجوه {

إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا


} إياه, فضلا منك وجودا، {

إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ


} العليم الذي أحاط علما بكل شيء, فلا يغيب عنه ولا يعزب مثقال ذرة في
السماوات
والأرض, ولا أصغر من ذلك ولا أكبر.




الحكيم: من له الحكمة التامة التي لا يخرج عنها مخلوق, ولا يشذ عنها
مأمور، فما
خلق شيئا إلا لحكمة: ولا أمر بشيء إلا لحكمة، والحكمة: وضع الشيء في
موضعه
اللائق به، فأقروا, واعترفوا بعلم الله وحكمته, وقصورهم عن معرفة أدنى
شيء،
واعترافهم بفضل الله عليهم; وتعليمه إياهم ما لا يعلمون.




فحينئذ قال الله: {

يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ


} أي: أسماء المسميات التي عرضها الله على الملائكة; فعجزوا عنها، {

فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ


} تبين للملائكة فضل آدم عليهم; وحكمة الباري وعلمه في استخلاف هذا
الخليفة، {

قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ
وَالْأَرْضِ


} وهو ما غاب عنا; فلم نشاهده، فإذا كان عالما بالغيب; فالشهادة من باب
أولى، {

وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ


} أي: تظهرون {

وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ


}




ثم أمرهم تعالى بالسجود لآدم; إكراما له وتعظيما; وعبودية لله تعالى،
فامتثلوا
أمر الله; وبادروا كلهم بالسجود، {

إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى


} امتنع عن السجود; واستكبر عن أمر الله وعلى آدم، قال: {

أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا


} وهذا الإباء منه والاستكبار; نتيجة الكفر الذي هو منطو عليه; فتبينت
حينئذ
عداوته لله ولآدم وكفره واستكباره.




وفي هذه الآيات من العبر والآيات; إثبات الكلام لله تعالى; وأنه لم يزل
متكلما;
يقول ما شاء; ويتكلم بما شاء; وأنه عليم حكيم، وفيه أن العبد إذا خفيت
عليه
حكمة الله في بعض المخلوقات والمأمورات فالوجب عليه; التسليم; واتهام
عقله;
والإقرار لله بالحكمة، وفيه اعتناء الله بشأن الملائكة; وإحسانه بهم;
بتعليمهم
ما جهلوا; وتنبيههم على ما لم يعلموه.




وفيه فضيلة العلم من وجوه:




منها: أن الله تعرف لملائكته; بعلمه وحكمته ، ومنها: أن الله عرفهم فضل
آدم
بالعلم; وأنه أفضل صفة تكون في العبد، ومنها: أن الله أمرهم بالسجود
لآدم;
إكراما له; لما بان فضل علمه، ومنها: أن الامتحان للغير; إذا عجزوا عما
امتحنوا
به; ثم عرفه صاحب الفضيلة; فهو أكمل مما عرفه ابتداء، ومنها: الاعتبار
بحال
أبوي الإنس والجن; وبيان فضل آدم; وأفضال الله عليه; وعداوة إبليس له;
إلى غير
ذلك من العبر.




{

35 - 36


} {

وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا
مِنْهَا
رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ
فَتَكُونَا مِنَ
الظَّالِمِينَ * فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا
مِمَّا
كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ
وَلَكُمْ فِي
الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ


}




لما خلق الله آدم وفضله; أتم نعمته عليه; بأن خلق منه زوجة ليسكن
إليها;
ويستأنس بها; وأمرهما بسكنى الجنة; والأكل منها رغدا; أي: واسعا هنيئا،
{

حَيْثُ شِئْتُمَا


} أي: من أصناف الثمار والفواكه; وقال الله له: {

إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى وَأَنَّكَ لَا
تَظْمَأُ فِيهَا
وَلَا تَضْحَى


}




{

وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ


} نوع من أنواع شجر الجنة; الله أعلم بها، وإنما نهاهما عنها امتحانا
وابتلاء
[أو لحكمة غير معلومة لنا] {

فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ


} دل على أن النهي للتحريم; لأنه رتب عليه الظلم.




فلم يزل عدوهما يوسوس لهما ويزين لهما تناول ما نهيا عنه; حتى أزلهما،
أي:
حملهما على الزلل بتزيينه. {

وَقَاسَمَهُمَا


} بالله {

إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ


} فاغترا به وأطاعاه; فأخرجهما مما كانا فيه من النعيم والرغد; وأهبطوا
إلى دار
التعب والنصب والمجاهدة.




{

بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ


} أي: آدم وذريته; أعداء لإبليس وذريته، ومن المعلوم أن العدو; يجد
ويجتهد في
ضرر عدوه وإيصال الشر إليه بكل طريق; وحرمانه الخير بكل طريق، ففي ضمن
هذا,
تحذير بني آدم من الشيطان كما قال تعالى {

إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا
يَدْعُو
حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ


} {

أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ
لَكُمْ
عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا


}




ثم ذكر منتهى الإهباط إلى الأرض، فقال: {

وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ


} أي: مسكن وقرار، {

وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ


} انقضاء آجالكم, ثم تنتقلون منها للدار التي خلقتم لها, وخلقت لكم،
ففيها أن
مدة هذه الحياة, مؤقتة عارضة, ليست مسكنا حقيقيا, وإنما هي معبر يتزود
منها
لتلك الدار, ولا تعمر للاستقرار.




{

37


} {

فَتَلَقَّى آدَمُ


}




{

فَتَلَقَّى آدَمُ


} أي: تلقف وتلقن, وألهمه الله {

مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ


} وهي قوله: {

رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا


} الآية، فاعترف بذنبه وسأل الله مغفرته {

فَتَابَ


} الله {

عَلَيْهِ


} ورحمه {

إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ


} لمن تاب إليه وأناب.




وتوبته نوعان: توفيقه أولا, ثم قبوله للتوبة إذا اجتمعت شروطها ثانيا.




{

الرَّحِيمِ


} بعباده, ومن رحمته بهم, أن وفقهم للتوبة, وعفا عنهم وصفح.




{

38 - 39


} {

قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي
هُدًى
فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ
*
وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ
النَّارِ
هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ


}




كرر الإهباط, ليرتب عليه ما ذكر وهو قوله: {

فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى


} أي: أيَّ وقت وزمان جاءكم مني -يا معشر الثقلين- هدى, أي: رسول وكتاب
يهديكم
لما يقربكم مني, ويدنيكم مني; ويدنيكم من رضائي، {

فمن تبع هداي


} منكم, بأن آمن برسلي وكتبي, واهتدى بهم, وذلك بتصديق جميع أخبار
الرسل
والكتب, والامتثال للأمر والاجتناب للنهي، {

فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ


}




وفي الآية الأخرى: {

فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى


}




فرتب على اتباع هداه أربعة أشياء:




نفي الخوف والحزن والفرق بينهما, أن المكروه إن كان قد مضى, أحدث
الحزن, وإن
كان منتظرا, أحدث الخوف، فنفاهما عمن اتبع هداه وإذا انتفيا, حصل
ضدهما, وهو
الأمن التام، وكذلك نفي الضلال والشقاء عمن اتبع هداه وإذا انتفيا ثبت
ضدهما،
وهو الهدى والسعادة، فمن اتبع هداه, حصل له الأمن والسعادة الدنيوية
والأخروية
والهدى، وانتفى عنه كل مكروه, من الخوف, والحزن, والضلال, والشقاء،
فحصل له
المرغوب, واندفع عنه المرهوب، وهذا عكس من لم يتبع هداه, فكفر به, وكذب
بآياته.




فـ {

أولئك أصحاب النار


} أي: الملازمون لها, ملازمة الصاحب لصاحبه, والغريم لغريمه، {

هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ


} لا يخرجون منها، ولا يفتر عنهم العذاب ولا هم ينصرون.




وفي هذه الآيات وما أشبهها, انقسام الخلق من الجن والإنس, إلى أهل
السعادة,
وأهل الشقاوة, وفيها صفات الفريقين والأعمال الموجبة لذلك، وأن الجن
كالإنس في
الثواب والعقاب, كما أنهم مثلهم, في الأمر والنهي.




ثم شرع تعالى يذكِّر بني إسرائيل نعمه عليهم وإحسانه فقال:




{

40 - 43


} {

يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ
عَلَيْكُمْ
وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ *
وَآمِنُوا
بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ
كَافِرٍ
بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ
فَاتَّقُونِ *
وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ
وَأَنْتُمْ
تَعْلَمُونَ * وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا
مَعَ
الرَّاكِعِينَ


}




{

يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ


} المراد بإسرائيل: يعقوب عليه السلام، والخطاب مع فرق بني إسرائيل,
الذين
بالمدينة وما حولها, ويدخل فيهم من أتى من بعدهم, فأمرهم بأمر عام،
فقال: {

اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ


} وهو يشمل سائر النعم التي سيذكر في هذه السورة بعضها، والمراد بذكرها
بالقلب
اعترافا, وباللسان ثناء, وبالجوارح باستعمالها فيما يحبه ويرضيه.




{

وَأَوْفُوا بِعَهْدِي


} وهو ما عهده إليهم من الإيمان به, وبرسله وإقامة شرعه.




{

أُوفِ بِعَهْدِكُمْ


} وهو المجازاة على ذلك.




والمراد بذلك: ما ذكره الله في قوله: {

وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا
مِنْهُمُ
اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ
أَقَمْتُمُ
الصَّلَاةَ [وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي]


} إلى قوله: {

فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ


}




ثم أمرهم بالسبب الحامل لهم على الوفاء بعهده, وهو الرهبة منه تعالى,
وخشيته
وحده, فإن مَنْ خشِيَه أوجبت له خشيته امتثال أمره واجتناب نهيه.




ثم أمرهم بالأمر الخاص, الذي لا يتم إيمانهم, ولا يصح إلا به فقال: {

وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ


} وهو القرآن الذي أنزله على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم،
فأمرهم
بالإيمان به, واتباعه, ويستلزم ذلك, الإيمان بمن أنزل عليه، وذكر
الداعي
لإيمانهم به، فقال: {

مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ


} أي: موافقا له لا مخالفا ولا مناقضا، فإذا كان موافقا لما معكم من
الكتب, غير
مخالف لها; فلا مانع لكم من الإيمان به, لأنه جاء بما جاءت به
المرسلون, فأنتم
أولى من آمن به وصدق به, لكونكم أهل الكتب والعلم.




وأيضا فإن في قوله: {

مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ


} إشارة إلى أنكم إن لم تؤمنوا به, عاد ذلك عليكم, بتكذيب ما معكم, لأن
ما جاء
به هو الذي جاء به موسى وعيسى وغيرهما من الأنبياء، فتكذيبكم له تكذيب
لما
معكم.




وأيضا, فإن في الكتب التي بأيدكم, صفة هذا النبي الذي جاء بهذا القرآن
والبشارة
به، فإن لم تؤمنوا به, كذبتم ببعض ما أنزل إليكم, ومن كذب ببعض ما أنزل
إليه,
فقد كذب بجميعه، كما أن من كفر برسول, فقد كذب الرسل جميعهم.




فلما أمرهم بالإيمان به, نهاهم وحذرهم من ضده وهو الكفر به فقال: {

وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ


} أي: بالرسول والقرآن.




وفي قوله: {

أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ


} أبلغ من قوله: {

ولا تكفروا به


} لأنهم إذا كانوا أول كافر به, كان فيه مبادرتهم إلى الكفر به, عكس ما
ينبغي
منهم, وصار عليهم إثمهم وإثم من اقتدى بهم من بعدهم.




ثم ذكر المانع لهم من الإيمان, وهو اختيار العرض الأدنى على السعادة
الأبدية،
فقال: {

وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا


} وهو ما يحصل لهم من المناصب والمآكل, التي يتوهمون انقطاعها, إن
آمنوا بالله
ورسوله, فاشتروها بآيات الله واستحبوها, وآثروها.




{

وَإِيَّايَ


} أي: لا غيري {

فَاتَّقُونِ


} فإنكم إذا اتقيتم الله وحده, أوجبت لكم تقواه, تقديم الإيمان بآياته
على
الثمن القليل، كما أنكم إذا اخترتم الثمن القليل, فهو دليل على ترحل
التقوى من
قلوبكم.




ثم قال: {

وَلَا تَلْبِسُوا


} أي: تخلطوا {

الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ


} فنهاهم عن شيئين, عن خلط الحق بالباطل, وكتمان الحق؛ لأن المقصود من
أهل
الكتب والعلم, تمييز الحق, وإظهار الحق, ليهتدي بذلك المهتدون, ويرجع
الضالون,
وتقوم الحجة على المعاندين؛ لأن الله فصل آياته وأوضح بيناته, ليميز
الحق من
الباطل, ولتستبين سبيل المهتدين من سبيل المجرمين، فمن عمل بهذا من أهل
العلم,
فهو من خلفاء الرسل وهداة الأمم.




ومن لبس الحق بالباطل, فلم يميز هذا من هذا, مع علمه بذلك, وكتم الحق
الذي
يعلمه, وأمر بإظهاره, فهو من دعاة جهنم, لأن الناس لا يقتدون في أمر
دينهم بغير
علمائهم, فاختاروا لأنفسكم إحدى الحالتين.




ثم قال: {

وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ


} أي: ظاهرا وباطنا {

وَآتُوا الزَّكَاةَ


} مستحقيها، {

وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ


} أي: صلوا مع المصلين، فإنكم إذا فعلتم ذلك مع الإيمان برسل الله
وآيات الله,
فقد جمعتم بين الأعمال الظاهرة والباطنة, وبين الإخلاص للمعبود,
والإحسان إلى
عبيده، وبين العبادات القلبية البدنية والمالية.




وقوله: {

وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ


} أي: صلوا مع المصلين, ففيه الأمر بالجماعة للصلاة ووجوبها، وفيه أن
الركوع
ركن من أركان الصلاة لأنه عبّر عن الصلاة بالركوع، والتعبير عن العبادة
بجزئها
يدل على فرضيته فيها.




{

44


} {

أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ


}




{

أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ


} أي: بالإيمان والخير {

وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ


} أي: تتركونها عن أمرها بذلك، والحال: {

وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ


} وأسمى العقل عقلا لأنه يعقل به ما ينفعه من الخير, وينعقل به عما
يضره، وذلك
أن العقل يحث صاحبه أن يكون أول فاعل لما يأمر به, وأول تارك لما ينهى
عنه، فمن
أمر غيره بالخير ولم يفعله, أو نهاه عن الشر فلم يتركه, دل على عدم
عقله وجهله,
خصوصا إذا كان عالما بذلك, قد قامت عليه الحجة.




وهذه الآية, وإن كانت نزلت في سبب بني إسرائيل, فهي عامة لكل أحد لقوله
تعالى:
{

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ
كَبُرَ
مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ


} وليس في الآية أن الإنسان إذا لم يقم بما أمر به أنه يترك الأمر
بالمعروف,
والنهي عن المنكر, لأنها دلت على التوبيخ بالنسبة إلى الواجبين، وإلا
فمن
المعلوم أن على الإنسان واجبين: أمر غيره ونهيه, وأمر نفسه ونهيها،
فترك
أحدهما, لا يكون رخصة في ترك الآخر، فإن الكمال أن يقوم الإنسان
بالواجبين,
والنقص الكامل أن يتركهما، وأما قيامه بأحدهما دون الآخر, فليس في رتبة
الأول,
وهو دون الأخير، وأيضا فإن النفوس مجبولة على عدم الانقياد لمن يخالف
قوله
فعله، فاقتداؤهم بالأفعال أبلغ من اقتدائهم بالأقوال المجردة.




{

45 - 48


} {

وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ
إِلَّا عَلَى
الْخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ
وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا
نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ
عَلَى
الْعَالَمِينَ * وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ
شَيْئًا
وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا
هُمْ
يُنْصَرُونَ


}




أمرهم الله أن يستعينوا في أمورهم كلها بالصبر بجميع أنواعه، وهو الصبر
على
طاعة الله حتى يؤديها، والصبر عن معصية الله حتى يتركها, والصبر على
أقدار الله
المؤلمة فلا يتسخطها، فبالصبر وحبس النفس على ما أمر الله بالصبر عليه
معونة
عظيمة على كل أمر من الأمور, ومن يتصبر يصبره الله، وكذلك الصلاة التي
هي ميزان
الإيمان, وتنهى عن الفحشاء والمنكر, يستعان بها على كل أمر من الأمور {

وَإِنَّهَا


} أي: الصلاة {

لَكَبِيرَةٌ


} أي: شاقة {

إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ


} فإنها سهلة عليهم خفيفة؛ لأن الخشوع, وخشية الله, ورجاء ما عنده يوجب
له
فعلها, منشرحا صدره لترقبه للثواب, وخشيته من العقاب، بخلاف من لم يكن
كذلك,
فإنه لا داعي له يدعوه إليها, وإذا فعلها صارت من أثقل الأشياء عليه.




والخشوع هو: خضوع القلب وطمأنينته, وسكونه لله تعالى, وانكساره بين
يديه, ذلا
وافتقارا, وإيمانا به وبلقائه.




ولهذا قال: {

الَّذِينَ يَظُنُّونَ


} أي: يستيقنون {

أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ


} فيجازيهم بأعمالهم {

وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ


} فهذا الذي خفف عليهم العبادات وأوجب لهم التسلي في المصيبات, ونفس
عنهم
الكربات, وزجرهم عن فعل السيئات، فهؤلاء لهم النعيم المقيم في الغرفات
العاليات، وأما من لم يؤمن بلقاء ربه, كانت الصلاة وغيرها من العبادات
من أشق
شيء عليه.




ثم كرر على بني إسرائيل التذكير بنعمته, وعظا لهم, وتحذيرا وحثا.




وخوفهم بيوم القيامة الذي {

لَا تَجْزِي


} فيه، أي: لا تغني {

نَفْسٌ


} ولو كانت من الأنفس الكريمة كالأنبياء والصالحين {

عَنْ نَفْسٍ


} ولو كانت من العشيرة الأقربين {

شَيْئًا


} لا كبيرا ولا صغيرا وإنما ينفع الإنسان عمله الذي قدمه.




{

وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا


} أي: النفس, شفاعة لأحد بدون إذن الله ورضاه عن المشفوع له, ولا يرضى
من العمل
إلا ما أريد به وجهه، وكان على السبيل والسنة، {

وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ


} أي: فداء {

ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به من سوء
العذاب


} ولا يقبل منهم ذلك {

وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ


} أي: يدفع عنهم المكروه، فنفى الانتفاع من الخلق بوجه من الوجوه،
فقوله: {

لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا


} هذا في تحصيل المنافع، {

وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ


} هذا في دفع المضار, فهذا النفي للأمر المستقل به النافع.




{

ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل


} هذا نفي للنفع الذي يطلب ممن يملكه بعوض, كالعدل, أو بغيره,
كالشفاعة، فهذا
يوجب للعبد أن ينقطع قلبه من التعلق بالمخلوقين, لعلمه أنهم لا يملكون
له مثقال
ذرة من النفع, وأن يعلقه بالله الذي يجلب المنافع, ويدفع المضار,
فيعبده وحده
لا شريك له ويستعينه على عبادته.




{

49 - 57


} {

وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ
الْعَذَابِ
يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي
ذَلِكُمْ
بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ * وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ
فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ
تَنْظُرُونَ *
وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ
الْعِجْلَ
مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ * ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ
بَعْدِ
ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ
وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَإِذْ قَالَ مُوسَى
لِقَوْمِهِ يَا
قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ
فَتُوبُوا
إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ
عِنْدَ
بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ *
وَإِذْ
قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً

فَأَخَذَتْكُم
avatar
Admin
مدير الموقع
مدير الموقع

عدد المساهمات : 145
نقاط : 319
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 14/02/2013
العمر : 29
الموقع : http://www.shbaboffline.net/vb/

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://wsam.jordanforum.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: لنعرف الآية الكريمة وسبب نزولها

مُساهمة من طرف Admin في الأربعاء فبراير 20, 2013 4:11 am

-


تفسير سورة البقرة



عدد آياتها 286



(

آية 58-78

)
وهي مدنية


{

58 - 59


} {

وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ
شِئْتُمْ
رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ
لَكُمْ
خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ * فَبَدَّلَ الَّذِينَ
ظَلَمُوا
قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ
ظَلَمُوا
رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ


}




وهذا أيضا من نعمته عليهم بعد معصيتهم إياه, فأمرهم بدخول قرية تكون
لهم عزا
ووطنا ومسكنا, ويحصل لهم فيها الرزق الرغد، وأن يكون دخولهم على وجه
خاضعين لله
فيه بالفعل, وهو دخول الباب {

سجدا


} أي: خاضعين ذليلين، وبالقول وهو أن يقولوا: {

حِطَّةٌ


} أي أن يحط عنهم خطاياهم بسؤالهم إياه مغفرته.




{

نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ


} بسؤالكم المغفرة، {

وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ


} بأعمالهم, أي: جزاء عاجل وآجلا.




{

فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا


} منهم, ولم يقل فبدلوا لأنهم لم يكونوا كلهم بدلوا {

قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ


} فقالوا بدل حطة: حبة في حنطة، استهانة بأمر الله, واستهزاء وإذا
بدلوا القول
مع خفته فتبديلهم للفعل من باب أولى وأحرى، ولهذا دخلوا يزحفون على
أدبارهم,
ولما كان هذا الطغيان أكبر سبب لوقوع عقوبة الله بهم، قال: {

فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا


} منهم {

رِجْزًا


} أي: عذابا {

مِنَ السَّمَاءِ


} بسبب فسقهم وبغيهم.




{

60


} {

وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ
الْحَجَرَ
فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ
أُنَاسٍ
مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا
فِي
الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ


}




استسقى, أي: طلب لهم ماء يشربون منه.




{

فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ


} إما حجر مخصوص معلوم عنده, وإما اسم جنس، {

فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا


} وقبائل بني إسرائيل اثنتا عشرة قبيلة، {

قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ


} منهم {

مَشْرَبَهُمْ


} أي: محلهم الذي يشربون عليه من هذه الأعين, فلا يزاحم بعضهم بعضا, بل
يشربونه
متهنئين لا متكدرين, ولهذا قال: {

كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ


} أي: الذي آتاكم من غير سعي ولا تعب، {

وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ


} أي: تخربوا على وجه الإفساد.




{

61


} {

وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ
فَادْعُ لَنَا
رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا
وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ
أَتَسْتَبْدِلُونَ
الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ
لَكُمْ
مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ
وَبَاءُوا
بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ
بِآيَاتِ
اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا
عَصَوْا
وَكَانُوا يَعْتَدُونَ


}




أي: واذكروا, إذ قلتم لموسى, على وجه التملل لنعم الله والاحتقار لها، {

لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ


} أي: جنس من الطعام, وإن كان كما تقدم أنواعا, لكنها لا تتغير، {

فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ
بَقْلِهَا


} أي: نباتها الذي ليس بشجر يقوم على ساقه، {

وَقِثَّائِهَا


} وهو الخيار {

وَفُومِهَا


} أي: ثومها، والعدس والبصل معروف، قال لهم موسي {

أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى


} وهو الأطعمة المذكورة، {

بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ


} وهو المن والسلوى, فهذا غير لائق بكم، فإن هذه الأطعمة التي طلبتم,
أي مصر
هبطتموه وجدتموها، وأما طعامكم الذي من الله به عليكم, فهو خير الأطعمة

وأشرفها, فكيف تطلبون به بدلا؟




ولما كان الذي جرى منهم فيه أكبر دليل على قلة صبرهم واحتقارهم لأوامر
الله
ونعمه, جازاهم من جنس عملهم فقال: {

وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ


} التي تشاهد على ظاهر أبدانهم {

وَالْمَسْكَنَةُ


} بقلوبهم، فلم تكن أنفسهم عزيزة, ولا لهم همم عالية, بل أنفسهم أنفس
مهينة,
وهممهم أردأ الهمم، {

وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ


} أي: لم تكن غنيمتهم التي رجعوا بها وفازوا, إلا أن رجعوا بسخطه
عليهم, فبئست
الغنيمة غنيمتهم, وبئست الحالة حالتهم.




{

ذَلِكَ


} الذي استحقوا به غضبه {

بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ


} الدالات على الحق الموضحة لهم, فلما كفروا بها عاقبهم بغضبه عليهم,
وبما
كانوا {

يَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ


}




وقوله: {

بِغَيْرِ الْحَقِّ


} زيادة شناعة, وإلا فمن المعلوم أن قتل النبي لا يكون بحق, لكن لئلا
يظن جهلهم
وعدم علمهم.




{

ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا


} بأن ارتكبوا معاصي الله {

وَكَانُوا يَعْتَدُونَ


} على عباد الله, فإن المعاصي يجر بعضها بعضا، فالغفلة ينشأ عنها الذنب
الصغير,
ثم ينشأ عنه الذنب الكبير, ثم ينشأ عنها أنواع البدع والكفر وغير ذلك,
فنسأل
الله العافية من كل بلاء.




واعلم أن الخطاب في هذه الآيات لأمة بني إسرائيل الذين كانوا موجودين
وقت نزول
القرآن, وهذه الأفعال المذكورة خوطبوا بها وهي فعل أسلافهم, ونسبت لهم
لفوائد
عديدة، منها: أنهم كانوا يتمدحون ويزكون أنفسهم, ويزعمون فضلهم على
محمد ومن
آمن به، فبين الله من أحوال سلفهم التي قد تقررت عندهم, ما يبين به لكل
أحد
[منهم] أنهم ليسوا من أهل الصبر ومكارم الأخلاق, ومعالي الأعمال، فإذا
كانت هذه
حالة سلفهم، مع أن المظنة أنهم أولى وأرفع حالة ممن بعدهم فكيف الظن
بالمخاطبين؟".




ومنها: أن نعمة الله على المتقدمين منهم, نعمة واصلة إلى المتأخرين,
والنعمة
على الآباء, نعمة على الأبناء، فخوطبوا بها, لأنها نعم تشملهم وتعمهم.




ومنها: أن الخطاب لهم بأفعال غيرهم, مما يدل على أن الأمة المجتمعة على
دين
تتكافل وتتساعد على مصالحها, حتى كان متقدمهم ومتأخرهم في وقت واحد,
وكان
الحادث من بعضهم حادثا من الجميع.




لأن ما يعمله بعضهم من الخير يعود بمصلحة الجميع, وما يعمله من الشر
يعود بضرر
الجميع.




ومنها: أن أفعالهم أكثرها لم ينكروها, والراضي بالمعصية شريك للعاصي،
إلى غير
ذلك من الحِكَم التي لا يعلمها إلا الله.




{
62


} ثم قال تعالى حاكما بين الفرق الكتابية: {

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى
وَالصَّابِئِينَ
مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ

أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ
يَحْزَنُونَ


}




وهذا الحكم على أهل الكتاب خاصة, لأن الصابئين, الصحيح أنهم من جملة
فرق
النصارى، فأخبر الله أن المؤمنين من هذه الأمة, واليهود والنصارى,
والصابئين من
آمن بالله واليوم الآخر, وصدقوا رسلهم, فإن لهم الأجر العظيم والأمن,
ولا خوف
عليهم ولا هم يحزنون، وأما من كفر منهم بالله ورسله واليوم الآخر, فهو
بضد هذه
الحال, فعليه الخوف والحزن.




والصحيح أن هذا الحكم بين هذه الطوائف, من حيث هم, لا بالنسبة إلى
الإيمان
بمحمد, فإن هذا إخبار عنهم قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم وأن هذا
مضمون
أحوالهم، وهذه طريقة القرآن إذا وقع في بعض النفوس عند سياق الآيات بعض

الأوهام, فلا بد أن تجد ما يزيل ذلك الوهم, لأنه تنزيل مَنْ يعلم
الأشياء قبل
وجودها, ومَنْ رحمته وسعت كل شيء.




وذلك والله أعلم - أنه لما ذكر بني إسرائيل وذمهم, وذكر معاصيهم
وقبائحهم, ربما
وقع في بعض النفوس أنهم كلهم يشملهم الذم، فأراد الباري تعالى أن يبين
من لم
يلحقه الذم منهم بوصفه، ولما كان أيضا ذكر بني إسرائيل خاصة يوهم
الاختصاص بهم.
ذكر تعالى حكما عاما يشمل الطوائف كلها, ليتضح الحق, ويزول التوهم
والإشكال،
فسبحان من أودع في كتابه ما يبهر عقول العالمين.




ثم عاد تبارك وتعالى يوبخ بني إسرائيل بما فعل سلفهم:




{

63-64


} {

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا
مَا
آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ *
ثُمَّ
تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ

وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ


}




أي: واذكروا {

إِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ


} وهو العهد الثقيل المؤكد بالتخويف لهم, برفع الطور فوقهم وقيل لهم: {

خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ


} من التوراة {

بِقُوَّةٍ


} أي: بجد واجتهاد, وصبر على أوامر الله، {

وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ


} أي: ما في كتابكم بأن تتلوه وتتعلموه، {

لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ


} عذاب الله وسخطه, أو لتكونوا من أهل التقوى.




فبعد هذا التأكيد البليغ {

تَوَلَّيْتُمْ


} وأعرضتم, وكان ذلك موجبا لأن يحل بكم أعظم العقوبات، ولكن {

لَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ
الْخَاسِرِينَ


}




{

65-66


} {

وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ
فَقُلْنَا
لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ * فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا
بَيْنَ
يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ


}




أي: ولقد تقرر عندكم حالة {

الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ


} وهم الذين ذكر الله قصتهم مبسوطة في سورة الأعراف في قوله: {

وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ
إِذْ
يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ


} الآيات.




فأوجب لهم هذا الذنب العظيم, أن غضب الله عليهم وجعلهم {

قِرَدَةً خَاسِئِينَ


} حقيرين ذليلين.




وجعل الله هذه العقوبة {

نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا


} أي: لمن حضرها من الأمم, وبلغه خبرها, ممن هو في وقتهم. {

وَمَا خَلْفَهَا


} أي: من بعدهم, فتقوم على العباد حجة الله, وليرتدعوا عن معاصيه,
ولكنها لا
تكون موعظة نافعة إلا للمتقين، وأما من عداهم فلا ينتفعون بالآيات.



{
67 - 74

}
{

وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ
تَذْبَحُوا
بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ
أَكُونَ
مِنَ الْجَاهِلِينَ * قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا
هِيَ
قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ
عَوَانٌ
بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ * قَالُوا ادْعُ لَنَا
رَبَّكَ
يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا
بَقَرَةٌ
صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ *


قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ

تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ *
قَالَ
إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ
وَلَا
تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ
جِئْتَ
بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ * وَإِذْ
قَتَلْتُمْ
نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ
تَكْتُمُونَ *
فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى

وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * ثُمَّ قَسَتْ
قُلُوبُكُمْ مِنْ
بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ
مِنَ
الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا
لَمَا
يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ
مِنْ
خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ


}




أي: واذكروا ما جرى لكم مع موسى, حين قتلتم قتيلا, وادارأتم فيه, أي:
تدافعتم
واختلفتم في قاتله, حتى تفاقم الأمر بينكم وكاد - لولا تبيين الله لكم -
يحدث
بينكم شر كبير، فقال لكم موسى في تبيين القاتل: اذبحوا بقرة، وكان من
الواجب
المبادرة إلى امتثال أمره, وعدم الاعتراض عليه، ولكنهم أبوا إلا
الاعتراض,
فقالوا: {

أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا


} فقال نبي الله: {

أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ


} فإن الجاهل هو الذي يتكلم بالكلام الذي لا فائدة فيه, وهو الذي
يستهزئ
بالناس، وأما العاقل فيرى أن من أكبر العيوب المزرية بالدين والعقل,
استهزاءه
بمن هو آدمي مثله، وإن كان قد فضل عليه, فتفضيله يقتضي منه الشكر لربه,
والرحمة
لعباده. فلما قال لهم موسى ذلك, علموا أن ذلك صدق فقالوا: {

ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ


}




أي: ما سنها؟ {

قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ


} أي: كبيرة {

وَلَا بِكْرٌ


} أي: صغيرة {

عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ


} واتركوا التشديد والتعنت.




{

قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ
إِنَّهُ
يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا


} أي: شديد {

تَسُرُّ النَّاظِرِينَ


} من حسنها.




{

قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ

تَشَابَهَ عَلَيْنَا


} فلم نهتد إلى ما تريد {

وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ


}




{

قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ


} أي: مذللة بالعمل، {

تُثِيرُ الْأَرْضَ


} بالحراثة {

وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ


} أي: ليست بساقية، {

مُسَلَّمَةٌ


} من العيوب أو من العمل {

لَا شِيَةَ فِيهَا


} أي: لا لون فيها غير لونها الموصوف المتقدم.




{

قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ


} أي: بالبيان الواضح، وهذا من جهلهم, وإلا فقد جاءهم بالحق أول مرة،
فلو أنهم
اعترضوا أي: بقرة لحصل المقصود, ولكنهم شددوا بكثرة الأسئلة فشدد الله
عليهم,
ولو لم يقولوا " إن شاء الله " لم يهتدوا أيضا إليها، {

فَذَبَحُوهَا


} أي: البقرة التي وصفت بتلك الصفات، {

وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ


} بسبب التعنت الذي جرى منهم.




فلما ذبحوها, قلنا لهم اضربوا القتيل ببعضها, أي: بعضو منها, إما معين,
أو أي
عضو منها, فليس في تعيينه فائدة, فضربوه ببعضها فأحياه الله, وأخرج ما
كانوا
يكتمون, فأخبر بقاتله، وكان في إحيائه وهم يشاهدون ما يدل على إحياء
الله
الموتى، {

لعلكم تعقلون


} فتنزجرون عن ما يضركم.




{

ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ


} أي: اشتدت وغلظت, فلم تؤثر فيها الموعظة، {

مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ


} أي: من بعد ما أنعم عليكم بالنعم العظيمة وأراكم الآيات، ولم يكن
ينبغي أن
تقسو قلوبكم, لأن ما شاهدتم, مما يوجب رقة القلب وانقياده، ثم وصف
قسوتها بأنها
{

كَالْحِجَارَةِ


} التي هي أشد قسوة من الحديد، لأن الحديد والرصاص إذا أذيب في النار,
ذاب
بخلاف الأحجار.




وقوله: {

أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً


} أي: إنها لا تقصر عن قساوة الأحجار، وليست " أو " بمعنى " بل " ثم
ذكر فضيلة
الأحجار على قلوبهم، فقال: {

وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ
وَإِنَّ
مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا
لَمَا
يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ


} فبهذه الأمور فضلت قلوبكم. ثم توعدهم تعالى أشد الوعيد فقال: {

وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ


} بل هو عالم بها حافظ لصغيرها وكبيرها, وسيجازيكم على ذلك أتم الجزاء
وأوفاه.




واعلم أن كثيرا من المفسرين رحمهم الله, قد أكثروا في حشو تفاسيرهم من
قصص بني
إسرائيل, ونزلوا عليها الآيات القرآنية, وجعلوها تفسيرا لكتاب الله,
محتجين
بقوله صلى الله عليه وسلم: " حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج "




والذي أرى أنه وإن جاز نقل أحاديثهم على وجه تكون مفردة غير مقرونة,
ولا منزلة
على كتاب الله, فإنه لا يجوز جعلها تفسيرا لكتاب الله قطعا إذا لم تصح
عن رسول
الله صلى الله عليه وسلم، وذلك أن مرتبتها كما قال صلى الله عليه وسلم:
" لا
تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم " فإذا كانت مرتبتها أن تكون مشكوكا
فيها, وكان
من المعلوم بالضرورة من دين الإسلام أن القرآن يجب الإيمان به والقطع
بألفاظه
ومعانيه، فلا يجوز أن تجعل تلك القصص المنقولة بالروايات المجهولة,
التي يغلب
على الظن كذبها أو كذب أكثرها, معاني لكتاب الله, مقطوعا بها ولا
يستريب بهذا
أحد، ولكن بسبب الغفلة عن هذا حصل ما حصل، والله الموفق.




{

75 - 78


} {

أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ

يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا
عَقَلُوهُ
وَهُمْ يَعْلَمُونَ * وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا
آمَنَّا
وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ
بِمَا
فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ
أَفَلَا
تَعْقِلُونَ *




أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا
يُعْلِنُونَ
* وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا
أَمَانِيَّ وَإِنْ
هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ

}




هذا قطع لأطماع المؤمنين من إيمان أهل الكتاب, أي: فلا تطمعوا في
إيمانهم
وحالتهم لا تقتضي الطمع فيهم, فإنهم كانوا يحرفون كلام الله من بعد ما
عقلوه
وعلموه, فيضعون له معاني ما أرادها الله, ليوهموا الناس أنها من عند
الله, وما
هي من عند الله، فإذا كانت هذه حالهم في كتابهم الذي يرونه شرفهم
ودينهم يصدون
به الناس عن سبيل الله, فكيف يرجى منهم إيمان لكم؟! فهذا من أبعد
الأشياء.




ثم ذكر حال منافقي أهل الكتاب فقال: {

وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا

}
فأظهروا لهم الإيمان قولا بألسنتهم, ما ليس في قلوبهم، {

وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ

}
فلم يكن عندهم أحد من غير أهل دينهم، قال بعضهم لبعض: {

أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ

}
أي: أتظهرون لهم الإيمان وتخبروهم أنكم مثلهم, فيكون ذلك حجة لهم
عليكم؟




يقولون: إنهم قد أقروا بأن ما نحن عليه حق, وما هم عليه باطل, فيحتجون
عليكم
بذلك عند ربكم {

أَفَلَا تَعْقِلُونَ

}
أي: أفلا يكون لكم عقل, فتتركون ما هو حجة عليكم؟ هذا يقوله بعضهم
لبعض.



{
أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا
يُعْلِنُونَ

}
فهم وإن أسروا ما يعتقدونه فيما بينهم, وزعموا أنهم بإسرارهم لا يتطرق
عليهم
حجة للمؤمنين, فإن هذا غلط منهم وجهل كبير, فإن الله يعلم سرهم وعلنهم,
فيظهر
لعباده ما أنتم عليه.



{
وَمِنْهُمْ

}
أي: من أهل الكتاب {

أُمِّيُّونَ

}
أي: عوام, ليسوا من أهل العلم، {

لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ

}
أي: ليس لهم حظ من كتاب الله إلا التلاوة فقط, وليس عندهم خبر بما عند
الأولين
الذين يعلمون حق المعرفة حالهم, وهؤلاء إنما معهم ظنون وتقاليد لأهل
العلم
منهم.




فذكر في هذه الآيات علماءهم, وعوامهم, ومنافقيهم, ومن لم ينافق منهم,
فالعلماء
منهم متمسكون بما هم عليه من الضلال، والعوام مقلدون لهم, لا بصيرة
عندهم فلا
مطمع لكم في الطائفتين.
avatar
Admin
مدير الموقع
مدير الموقع

عدد المساهمات : 145
نقاط : 319
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 14/02/2013
العمر : 29
الموقع : http://www.shbaboffline.net/vb/

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://wsam.jordanforum.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: لنعرف الآية الكريمة وسبب نزولها

مُساهمة من طرف Admin في الأربعاء فبراير 20, 2013 4:14 am

-


تفسير سورة البقرة



عدد آياتها 286




(


آية


79-100
)وهي مدنية

{
79

}
{

فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ
يَقُولُونَ
هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا
فَوَيْلٌ لَهُمْ
مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ

}




توعد تعالى المحرفين للكتاب, الذين يقولون لتحريفهم وما يكتبون: {

هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ

}
وهذا فيه إظهار الباطل وكتم الحق, وإنما فعلوا ذلك مع علمهم {

لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا

}
والدنيا كلها من أولها إلى آخرها ثمن قليل، فجعلوا باطلهم شركا يصطادون
به ما
في أيدي الناس, فظلموهم من وجهين: من جهة تلبيس دينهم عليهم, ومن جهة
أخذ
أموالهم بغير حق, بل بأبطل الباطل, وذلك أعظم ممن يأخذها غصبا وسرقة
ونحوهما،
ولهذا توعدهم بهذين الأمرين فقال: {

فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ

}
أي: من التحريف والباطل {

وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ

}
من الأموال، والويل: شدة العذاب والحسرة, وفي ضمنها الوعيد الشديد.




قال شيخ الإسلام لما ذكر هذه الآيات من قوله: {

أَفَتَطْمَعُونَ

}
إلى {

يَكْسِبُونَ

}
فإن الله ذم الذين يحرفون الكلم عن مواضعه, وهو متناول لمن حمل الكتاب
والسنة,
على ما أصله من البدع الباطلة.




وذم الذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني, وهو متناول لمن ترك تدبر القرآن
ولم
يعلم إلا مجرد تلاوة حروفه، ومتناول لمن كتب كتابا بيده مخالفا لكتاب
الله,
لينال به دنيا وقال: إنه من عند الله, مثل أن يقول: هذا هو الشرع
والدين, وهذا
معنى الكتاب والسنة, وهذا معقول السلف والأئمة, وهذا هو أصول الدين,
الذي يجب
اعتقاده على الأعيان والكفاية، ومتناول لمن كتم ما عنده من الكتاب
والسنة, لئلا
يحتج به مخالفه في الحق الذي يقوله.




وهذه الأمور كثيرة جدا في أهل الأهواء جملة, كالرافضة, وتفصيلا مثل
كثير من
المنتسبين إلى الفقهاء.



{
80 - 82

}
{

وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ

أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ
عَهْدَهُ أَمْ
تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ * بَلَى مَنْ كَسَبَ
سَيِّئَةً
وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ
فِيهَا
خَالِدُونَ * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ
أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ

}




ذكر أفعالهم القبيحة, ثم ذكر مع هذا أنهم يزكون أنفسهم, ويشهدون لها
بالنجاة من
عذاب الله, والفوز بثوابه, وأنهم لن تمسهم النار إلا أياما معدودة, أي:
قليلة
تعد بالأصابع, فجمعوا بين الإساءة والأمن.




ولما كان هذا مجرد دعوى, رد الله تعالى عليهم فقال: {

قُلْ

}
لهم يا أيها الرسول {

أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا

}
أي بالإيمان به وبرسله وبطاعته, فهذا الوعد الموجب لنجاة صاحبه الذي لا
يتغير
ولا يتبدل. {

أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ

}
؟ فأخبر تعالى أن صدق دعواهم متوقفة على أحد هذين الأمرين اللذين لا
ثالث لهما:
إما أن يكونوا قد اتخذوا عند الله عهدا, فتكون دعواهم صحيحة.




وإما أن يكونوا متقولين عليه فتكون كاذبة, فيكون أبلغ لخزيهم وعذابهم،
وقد علم
من حالهم أنهم لم يتخذوا عند الله عهدا, لتكذيبهم كثيرا من الأنبياء,
حتى وصلت
بهم الحال إلى أن قتلوا طائفة منهم, ولنكولهم عن طاعة الله ونقضهم
المواثيق،
فتعين بذلك أنهم متقولون مختلقون, قائلون عليه ما لا يعلمون، والقول
عليه بلا
علم, من أعظم المحرمات, وأشنع القبيحات.




ثم ذكر تعالى حكما عاما لكل أحد, يدخل به بنو إسرائيل وغيرهم, وهو
الحكم الذي
لا حكم غيره, لا أمانيهم ودعاويهم بصفة الهالكين والناجين، فقال: {

بَلَى

}
أي: ليس الأمر كما ذكرتم, فإنه قول لا حقيقة له، ولكن {

مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً

}
وهو نكرة في سياق الشرط, فيعم الشرك فما دونه، والمراد به هنا الشرك,
بدليل
قوله: {

وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ

}
أي: أحاطت بعاملها, فلم تدع له منفذا, وهذا لا يكون إلا الشرك, فإن من
معه
الإيمان لا تحيط به خطيئته.



{
فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ

}
وقد احتج بها الخوارج على كفر صاحب المعصية, وهي حجة عليهم كما ترى,
فإنها
ظاهرة في الشرك, وهكذا كل مبطل يحتج بآية, أو حديث صحيح على قوله
الباطل فلا بد
أن يكون فيما احتج به حجة عليه.



{
وَالَّذِينَ آمَنُوا

}
بالله وملائكته, وكتبه, ورسله, واليوم الآخر، {

وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ

}
ولا تكون الأعمال صالحة إلا بشرطين: أن تكون خالصة لوجه الله, متبعا
بها سنة
رسوله.




فحاصل هاتين الآيتين, أن أهل النجاة والفوز, هم أهل الإيمان والعمل
الصالح،
والهالكون أهل النار المشركون بالله, الكافرون به.



{
83

}
{

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا
اللَّهَ
وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى
وَالْمَسَاكِينِ
وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا
الزَّكَاةَ ثُمَّ
تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ

}




وهذه الشرائع من أصول الدين, التي أمر الله بها في كل شريعة, لاشتمالها
على
المصالح العامة, في كل زمان ومكان, فلا يدخلها نسخ, كأصل الدين، ولهذا
أمرنا
بها في قوله: {

وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا

}
إلى آخر الآية.




فقوله: {

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ

}
هذا من قسوتهم أن كل أمر أمروا به, استعصوا؛ فلا يقبلونه إلا بالأيمان
الغليظة,
والعهود الموثقة {

لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ

}
هذا أمر بعبادة الله وحده, ونهى عن الشرك به، وهذا أصل الدين, فلا تقبل
الأعمال
كلها إن لم يكن هذا أساسها, فهذا حق الله تعالى على عباده, ثم قال: {

وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا

}
أي: أحسنوا بالوالدين إحسانا، وهذا يعم كل إحسان قولي وفعلي مما هو
إحسان
إليهم، وفيه النهي عن الإساءة إلى الوالدين, أو عدم الإحسان والإساءة،
لأن
الواجب الإحسان, والأمر بالشيء نهي عن ضده.




وللإحسان ضدان: الإساءة, وهي أعظم جرما، وترك الإحسان بدون إساءة, وهذا
محرم,
لكن لا يجب أن يلحق بالأول، وكذا يقال في صلة الأقارب واليتامى,
والمساكين،
وتفاصيل الإحسان لا تنحصر بالعد, بل تكون بالحد, كما تقدم.




ثم أمر بالإحسان إلى الناس عموما فقال: {

وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا

}
ومن القول الحسن أمرهم بالمعروف, ونهيهم عن المنكر, وتعليمهم العلم,
وبذل
السلام, والبشاشة وغير ذلك من كل كلام طيب.




ولما كان الإنسان لا يسع الناس بماله, أمر بأمر يقدر به على الإحسان
إلى كل
مخلوق, وهو الإحسان بالقول, فيكون في ضمن ذلك النهي عن الكلام القبيح
للناس حتى
للكفار, ولهذا قال تعالى: {

وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ

}




ومن أدب الإنسان الذي أدب الله به عباده, أن يكون الإنسان نزيها في
أقواله
وأفعاله, غير فاحش ولا بذيء, ولا شاتم, ولا مخاصم، بل يكون حسن الخلق,
واسع
الحلم, مجاملا لكل أحد, صبورا على ما يناله من أذى الخلق, امتثالا لأمر
الله,
ورجاء لثوابه.




ثم أمرهم بإقامة الصلاة, وإيتاء الزكاة, لما تقدم أن الصلاة متضمنة
للإخلاص
للمعبود, والزكاة متضمنة للإحسان إلى العبيد.



{
ثُمَّ

}
بعد هذا الأمر لكم بهذه الأوامر الحسنة التي إذا نظر إليها البصير
العاقل, عرف
أن من إحسان الله على عباده أن أمرهم بها,, وتفضل بها عليهم وأخذ
المواثيق
عليكم {

تَوَلَّيْتُمْ

}
على وجه الإعراض، لأن المتولي قد يتولى, وله نية رجوع إلى ما تولى عنه،
وهؤلاء
ليس لهم رغبة ولا رجوع في هذه الأوامر، فنعوذ بالله من الخذلان.




وقوله: {

إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ

}
هذا استثناء, لئلا يوهم أنهم تولوا كلهم، فأخبر أن قليلا منهم, عصمهم
الله
وثبتهم.



{
84 - 86

}
{

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا
تُخْرِجُونَ
أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ
تَشْهَدُونَ *
ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ
فَرِيقًا
مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ
وَالْعُدْوَانِ
وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ

إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ
بِبَعْضٍ
فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي
الْحَيَاةِ
الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ
وَمَا
اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ
اشْتَرَوُا
الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ
الْعَذَابُ وَلَا
هُمْ يُنْصَرُونَ

}




وهذا الفعل المذكور في هذه الآية, فعل للذين كانوا في زمن الوحي
بالمدينة، وذلك
أن الأوس والخزرج - وهم الأنصار - كانوا قبل مبعث النبي صلى الله عليه
وسلم
مشركين, وكانوا يقتتلون على عادة الجاهلية، فنزلت عليهم الفرق الثلاث
من فرق
اليهود, بنو قريظة, وبنو النضير, وبنو قينقاع، فكل فرقة منهم حالفت
فرقة من أهل
المدينة.




فكانوا إذا اقتتلوا أعان اليهودي حليفه على مقاتليه الذين تعينهم
الفرقة
الأخرى من اليهود, فيقتل اليهودي اليهودي, ويخرجه من دياره إذا حصل
جلاء ونهب،
ثم إذا وضعت الحرب أوزارها, وكان قد حصل أسارى بين الطائفتين فدى بعضهم
بعضا.




والأمور الثلاثة كلها قد فرضت عليهم، ففرض عليهم أن لا يسفك بعضهم دم
بعض, ولا
يخرج بعضهم بعضا، وإذا وجدوا أسيرا منهم, وجب عليهم فداؤه، فعملوا
بالأخير
وتركوا الأولين, فأنكر الله عليهم ذلك فقال: {

أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ

}
وهو فداء الأسير {

وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ

}
وهو القتل والإخراج.




وفيها أكبر دليل على أن الإيمان يقتضي فعل الأوامر واجتناب النواهي،
وأن
المأمورات من الإيمان، قال تعالى: {

فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي
الْحَيَاةِ
الدُّنْيَا

}
وقد وقع ذلك فأخزاهم الله, وسلط رسوله عليهم, فقتل من قتل, وسبى من سبى
منهم,
وأجلى من أجلى.



{
وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ

}
أي: أعظمه {

وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ

}




ثم أخبر تعالى عن السبب الذي أوجب لهم الكفر ببعض الكتاب, والإيمان
ببعضه فقال:
{

أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ

}
توهموا أنهم إن لم يعينوا حلفاءهم حصل لهم عار, فاختاروا النار على
العار،
فلهذا قال: {

فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ

}
بل هو باق على شدته, ولا يحصل لهم راحة بوقت من الأوقات، {

وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ

}
أي: يدفع عنهم مكروه.



{
87

}
{

وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ
بِالرُّسُلِ
وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ
بِرُوحِ
الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى
أَنْفُسُكُمُ
اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ

}




يمتن تعالى على بني إسرائيل أن أرسل لهم كليمه موسى, وآتاه التوراة, ثم
تابع من
بعده بالرسل الذين يحكمون بالتوراة, إلى أن ختم أنبياءهم بعيسى ابن
مريم عليه
السلام، وآتاه من الآيات البينات ما يؤمن على مثله البشر، {

وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ

}
أي: قواه الله بروح القدس.




قال أكثر المفسرين: إنه جبريل عليه السلام, وقيل: إنه الإيمان الذي
يؤيد الله
به عباده.




ثم مع هذه النعم التي لا يقدر قدرها, لما أتوكم {

بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ

}
عن الإيمان بهم، {

فَفَرِيقًا

}
منهم {

كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ

}
فقدمتم الهوى على الهدى, وآثرتم الدنيا على الآخرة، وفيها من التوبيخ
والتشديد
ما لا يخفى.



{
88

}
{

وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ
فَقَلِيلًا
مَا يُؤْمِنُونَ

}




أي: اعتذروا عن الإيمان لما دعوتهم إليه, يا أيها الرسول, بأن قلوبهم
غلف, أي:
عليها غلاف وأغطية, فلا تفقه ما تقول، يعني فيكون لهم - بزعمهم - عذر
لعدم
العلم, وهذا كذب منهم، فلهذا قال تعالى: {

بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ

}
أي: أنهم مطرودون ملعونون, بسبب كفرهم، فقليلا المؤمن منهم, أو قليلا
إيمانهم،
وكفرهم هو الكثير.



{
89 - 90

}
{

وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا
مَعَهُمْ
وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا
فَلَمَّا
جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى
الْكَافِرِينَ
* بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا
أَنْزَلَ
اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ
يَشَاءُ مِنْ
عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ
مُهِينٌ

}




أي: ولما جاءهم كتاب من عند الله على يد أفضل الخلق وخاتم الأنبياء,
المشتمل
على تصديق ما معهم من التوراة, وقد علموا به, وتيقنوه حتى إنهم كانوا
إذا وقع
بينهم وبين المشركين في الجاهلية حروب, استنصروا بهذا النبي, وتوعدوهم
بخروجه,
وأنهم يقاتلون المشركين معه، فلما جاءهم هذا الكتاب والنبي الذي عرفوا,
كفروا
به, بغيا وحسدا, أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده، فلعنهم
الله, وغضب
عليهم غضبا بعد غضب, لكثرة كفرهم وتوالى شكهم وشركهم.



{
وللكافرين عذاب مهين

}
أي: مؤلم موجع, وهو صلي الجحيم, وفوت النعيم المقيم، فبئس الحال حالهم,
وبئس ما
استعاضوا واستبدلوا من الإيمان بالله وكتبه ورسله, الكفر به, وبكتبه,
وبرسله,
مع علمهم وتيقنهم, فيكون أعظم لعذابهم.



{
91 - 93

}
{

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ
بِمَا
أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ
مُصَدِّقًا
لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ
قَبْلُ إِنْ
كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ
ثُمَّ
اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ * وَإِذْ
أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا
آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا
وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا
يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ

}




أي: وإذا أمر اليهود بالإيمان بما أنزل الله على رسوله, وهو القرآن
استكبروا
وعتوا, و {

قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا
وَرَاءَهُ

}
أي: بما سواه من الكتب، مع أن الواجب أن يؤمن بما أنزل الله مطلقا,
سواء أنزل
عليهم, أو على غيرهم, وهذا هو الإيمان النافع, الإيمان بما أنزل الله
على جميع
رسل الله.




وأما التفريق بين الرسل والكتب, وزعم الإيمان ببعضها دون بعض, فهذا ليس
بإيمان,
بل هو الكفر بعينه, ولهذا قال تعالى: {

إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ
يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ

وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ
سَبِيلًا
أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا

}




ولهذا رد عليهم تبارك وتعالى هنا ردا شافيا, وألزمهم إلزاما لا محيد
لهم عنه,
فرد عليهم بكفرهم بالقرآن بأمرين فقال: {

وَهُوَ الْحَقُّ

}
فإذا كان هو الحق في جميع ما اشتمل عليه من الإخبارات, والأوامر
والنواهي, وهو
من عند ربهم, فالكفر به بعد ذلك كفر بالله, وكفر بالحق الذي أنزله.




ثم قال: {

مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ

}
أي: موافقا له في كل ما دل عليه من الحق ومهيمنا عليه.




فلم تؤمنون بما أنزل عليكم, وتكفرون بنظيره؟ هل هذا إلا تعصب واتباع
للهوى لا
للهدى؟




وأيضا, فإن كون القرآن مصدقا لما معهم, يقتضي أنه حجة لهم على صدق ما
في أيديهم
من الكتب, قلا سبيل لهم إلى إثباتها إلا به، فإذا كفروا به وجحدوه,
صاروا
بمنزلة من ادعى دعوى بحجة وبينة ليس له غيرها, ولا تتم دعواه إلا
بسلامة بينته,
ثم يأتي هو لبينته وحجته, فيقدح فيها ويكذب بها; أليس هذا من الحماقة
والجنون؟
فكان كفرهم بالقرآن, كفرا بما في أيديهم ونقضا له.




ثم نقض عليهم تعالى دعواهم الإيمان بما أنزل إليهم بقوله: {

قُلْ

}
لهم: {

فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ
مُؤْمِنِينَ
وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ

}




أي: بالأدلة الواضحات المبينة للحق، {

ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ

}
أي: بعد مجيئه {

وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ

}
في ذلك ليس لكم عذر.



{
وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا
مَا
آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا

}
أي: سماع قبول وطاعة واستجابة، {

قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا

}
أي: صارت هذه حالتهم {

وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ


} بسبب كفرهم.



{
قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ
مُؤْمِنِينَ

}
أي: أنتم تدعون الإيمان وتتمدحون بالدين الحق, وأنتم قتلتم أنبياء
الله,
واتخذتم العجل إلها من دون الله, لما غاب عنكم موسى, نبي الله, ولم
تقبلوا
أوامره ونواهيه إلا بعد التهديد ورفع الطور فوقكم, فالتزمتم بالقول,
ونقضتم
بالفعل، فما هذا الإيمان الذي ادعيتم, وما هذا الدين؟.




فإن كان هذا إيمانا على زعمكم, فبئس الإيمان الداعي صاحبه إلى الطغيان,
والكفر
برسل الله, وكثرة العصيان، وقد عهد أن الإيمان الصحيح, يأمر صاحبه بكل
خير,
وينهاه عن كل شر، فوضح بهذا كذبهم, وتبين تناقضهم.



{
94 - 96

}
{

قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ
خَالِصَةً مِنْ
دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ *
وَلَنْ
يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ
بِالظَّالِمِينَ * وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ
وَمِنَ
الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ
وَمَا
هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ
بِمَا
يَعْمَلُونَ

}




أي: {

قُلْ

}
لهم على وجه تصحيح دعواهم: {

إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ

}
يعني الجنة {

خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ

}
كما زعمتم, أنه لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى, وأن النار لن
تمسهم
إلا أياما معدودة، فإن كنتم صادقين بهذه الدعوى {

فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ

}
وهذا نوع مباهلة بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم.




وليس بعد هذا الإلجاء والمضايقة لهم بعد العناد منهم, إلا أحد أمرين:
إما أن
يؤمنوا بالله ورسوله، وإما أن يباهلوا على ما هم عليه بأمر يسير عليهم,
وهو
تمني الموت الذي يوصلهم إلى الدار التي هي خالصة لهم, فامتنعوا من ذلك.




فعلم كل أحد أنهم في غاية المعاندة والمحادة لله ولرسوله, مع علمهم
بذلك، ولهذا
قال تعالى {

وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ

}
من الكفر والمعاصي, لأنهم يعلمون أنه طريق لهم إلى المجازاة بأعمالهم
الخبيثة،
فالموت أكره شيء إليهم, وهم أحرص على الحياة من كل أحد من الناس, حتى
من
المشركين الذين لا يؤمنون بأحد من الرسل والكتب.




ثم ذكر شدة محبتهم للدنيا فقال: {

يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ

}
وهذا أبلغ ما يكون من الحرص, تمنوا حالة هي من المحالات، والحال أنهم
لو عمروا
العمر المذكور, لم يغن عنهم شيئا ولا دفع عنهم من العذاب شيئا.



{
وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ

}
تهديد لهم على المجازاة بأعمالهم.



{
97 - 98

}
{

قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى
قَلْبِكَ
بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى
لِلْمُؤْمِنِينَ * مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ
وَرُسُلِهِ
وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ

}




أي: قل لهؤلاء اليهود, الذين زعموا أن الذي منعهم من الإيمان بك, أن
وليك جبريل
عليه السلام, ولو كان غيره من ملائكة الله, لآمنوا بك وصدقوا، إن هذا
الزعم
منكم تناقض وتهافت, وتكبر على الله، فإن جبريل عليه السلام هو الذي نزل
بالقرآن
من عند الله على قلبك, وهو الذي ينزل على الأنبياء قبلك, والله هو الذي
أمره,
وأرسله بذلك, فهو رسول محض.




مع أن هذا الكتاب الذي نزل به جبريل مصدقا لما تقدمه من الكتب غير
مخالف لها
ولا مناقض, وفيه الهداية التامة من أنواع الضلالات, والبشارة بالخير
الدنيوي
والأخروي, لمن آمن به، فالعداوة لجبريل الموصوف بذلك, كفر بالله
وآياته, وعداوة
لله ولرسله وملائكته، فإن عداوتهم لجبريل, لا لذاته بل لما ينزل به من
عند الله
من الحق على رسل الله.




فيتضمن الكفر والعداوة للذي أنزله وأرسله, والذي أرسل به, والذي أرسل
إليه,
فهذا وجه ذلك.



{
99

}
{

وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا
إِلَّا
الْفَاسِقُونَ

}




يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: {

وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ

}
تحصل بها الهداية لمن استهدى, وإقامة الحجة على من عاند, وهي في الوضوح

والدلالة على الحق, قد بلغت مبلغا عظيما ووصلت إلى حالة لا يمتنع من
قبولها إلا
من فسق عن أمر الله, وخرج عن طاعة الله, واستكبر غاية التكبر.



{
100

}
{

أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ
أَكْثَرُهُمْ
لَا يُؤْمِنُونَ

}




وهذا فيه التعجيب من كثرة معاهداتهم, وعدم صبرهم على الوفاء بها.




فـ " كُلَّمَا " تفيد التكرار, فكلما وجد العهد ترتب عليه النقض، ما
السبب في
ذلك؟ السبب أن أكثرهم لا يؤمنون، فعدم إيمانهم هو الذي أوجب لهم نقض
العهود،
ولو صدق إيمانهم, لكانوا مثل من قال الله فيهم: {

مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ

}.
avatar
Admin
مدير الموقع
مدير الموقع

عدد المساهمات : 145
نقاط : 319
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 14/02/2013
العمر : 29
الموقع : http://www.shbaboffline.net/vb/

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://wsam.jordanforum.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: لنعرف الآية الكريمة وسبب نزولها

مُساهمة من طرف Admin في الأربعاء فبراير 20, 2013 4:21 am

-


تفسير سورة البقرة



عدد آياتها 286



(


آية
203-225

)

وهي مدنية


{
203

}
{

وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي
يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ
عَلَيْهِ
لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ
تُحْشَرُونَ

}




يأمر تعالى بذكره في الأيام المعدودات, وهي أيام التشريق الثلاثة بعد
العيد,
لمزيتها وشرفها, وكون بقية أحكام المناسك تفعل بها, ولكون الناس أضيافا
لله
فيها, ولهذا حرم صيامها، فللذكر فيها مزية ليست لغيرها, ولهذا قال
النبي صلى
الله عليه وسلم: " أيام التشريق, أيام أكل وشرب, وذكر الله "




ويدخل في ذكر الله فيها, ذكره عند رمي الجمار, وعند الذبح, والذكر
المقيد عقب
الفرائض، بل قال بعض العلماء: إنه يستحب فيها التكبير المطلق, كالعشر,
وليس
ببعيد.



{
فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ

}
أي: خرج من " منى " ونفر منها قبل غروب شمس اليوم الثاني {

فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ

}
بأن بات بها ليلة الثالث ورمى من الغد {

فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ

}
وهذا تخفيف من الله [تعالى] على عباده, في إباحة كلا الأمرين، ولكن من
المعلوم
أنه إذا أبيح كلا الأمرين, فالمتأخر أفضل, لأنه أكثر عبادة.




ولما كان نفي الحرج قد يفهم منه نفي الحرج في ذلك المذكور وفي غيره,
والحاصل أن
الحرج منفي عن المتقدم، والمتأخر فقط قيده بقوله: {

لِمَنِ اتَّقَى

}
أي: اتقى الله في جميع أموره, وأحوال الحج، فمن اتقى الله في كل شيء,
حصل له
نفي الحرج في كل شيء، ومن اتقاه في شيء دون شيء, كان الجزاء من جنس
العمل.



{
وَاتَّقُوا اللَّهَ

}
بامتثال أوامره واجتناب معاصيه، {

وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ

}
فمجازيكم بأعمالكم، فمن اتقاه, وجد جزاء التقوى عنده, ومن لم يتقه,
عاقبه أشد
العقوبة، فالعلم بالجزاء من أعظم الدواعي لتقوى الله, فلهذا حث تعالى
على العلم
بذلك.



{
204 - 206

}
{

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا
وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ *

وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ
الْحَرْثَ
وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ
اتَّقِ
اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ
وَلَبِئْسَ
الْمِهَادُ

}




لما أمر تعالى بالإكثار من ذكره, وخصوصا في الأوقات الفاضلة الذي هو
خير ومصلحة
وبر, أخبر تعالى بحال من يتكلم بلسانه ويخالف فعله قوله, فالكلام إما
أن يرفع
الإنسان أو يخفضه فقال: {

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا

}
أي: إذا تكلم راق كلامه للسامع، وإذا نطق, ظننته يتكلم بكلام نافع,
ويؤكد ما
يقول بأنه {

وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ

}
بأن يخبر أن الله يعلم, أن ما في قلبه موافق لما نطق به, وهو كاذب في
ذلك, لأنه
يخالف قوله فعله.




فلو كان صادقا, لتوافق القول والفعل, كحال المؤمن غير المنافق, فلهذا
قال: {

وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ

}
أي: إذا خاصمته, وجدت فيه من اللدد والصعوبة والتعصب, وما يترتب على
ذلك, ما هو
من مقابح الصفات, ليس كأخلاق المؤمنين, الذين جعلوا السهولة مركبهم,
والانقياد
للحق وظيفتهم, والسماحة سجيتهم.



{
وَإِذَا تَوَلَّى

}
هذا الذي يعجبك قوله إذا حضر عندك {

سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا

}
أي: يجتهد على أعمال المعاصي, التي هي إفساد في الأرض {

وَيُهْلِكَ

}
بسبب ذلك {

الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ

}
فالزروع والثمار والمواشي, تتلف وتنقص, وتقل بركتها, بسبب العمل في
المعاصي، {

وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ

}
وإذا كان لا يحب الفساد, فهو يبغض العبد المفسد في الأرض, غاية البغض,
وإن قال
بلسانه قولا حسنا.




ففي هذه الآية دليل على أن الأقوال التي تصدر من الأشخاص, ليست دليلا
على صدق
ولا كذب, ولا بر ولا فجور حتى يوجد العمل المصدق لها, المزكي لها وأنه
ينبغي
اختبار أحوال الشهود, والمحق والمبطل من الناس, بسبر أعمالهم, والنظر
لقرائن
أحوالهم, وأن لا يغتر بتمويههم وتزكيتهم أنفسهم.




ثم ذكر أن هذا المفسد في الأرض بمعاصي الله, إذا أمر بتقوى الله تكبر
وأنف، و {

أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ

}
فيجمع بين العمل بالمعاصي والكبر على الناصحين.



{
فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ

}
التي هي دار العاصين والمتكبرين، {

وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ

}
أي: المستقر والمسكن, عذاب دائم, وهم لا ينقطع, ويأس مستمر, لا يخفف
عنهم
العذاب, ولا يرجون الثواب, جزاء لجناياتهم ومقابلة لأعمالهم، فعياذا
بالله من
أحوالهم.



{
207

}
{

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ
وَاللَّهُ
رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ

}




هؤلاء هم الموفقون الذين باعوا أنفسهم وأرخصوها وبذلوها طلبا لمرضاة
الله ورجاء
لثوابه، فهم بذلوا الثمن للمليء الوفي الرءوف بالعباد، الذي من رأفته
ورحمته أن
وفقهم لذلك، وقد وعد الوفاء بذلك، فقال: {

إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ
وَأَمْوَالَهُمْ
بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ

}
إلى آخر الآية. وفي هذه الآية أخبر أنهم اشتروا أنفسهم وبذلوها، وأخبر
برأفته
الموجبة لتحصيل ما طلبوا، وبذل ما به رغبوا، فلا تسأل بعد هذا عن ما
يحصل لهم
من الكريم، وما ينالهم من الفوز والتكريم



{
208 - 209

}
{

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً
وَلَا
تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ *
فَإِنْ
زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا
أَنَّ
اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ

}




هذا أمر من الله تعالى للمؤمنين أن يدخلوا {

فِي السِّلْمِ كَافَّةً

}
أي: في جميع شرائع الدين, ولا يتركوا منها شيئا, وأن لا يكونوا ممن
اتخذ إلهه
هواه, إن وافق الأمر المشروع هواه فعله, وإن خالفه, تركه، بل الواجب أن
يكون
الهوى, تبعا للدين, وأن يفعل كل ما يقدر عليه, من أفعال الخير, وما
يعجز عنه,
يلتزمه وينويه, فيدركه بنيته.




ولما كان الدخول في السلم كافة, لا يمكن ولا يتصور إلا بمخالفة طرق
الشيطان
قال: {

وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ

}
أي: في العمل بمعاصي الله {

إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ

}
والعدو المبين, لا يأمر إلا بالسوء والفحشاء, وما به الضرر عليكم.




ولما كان العبد لا بد أن يقع منه خلل وزلل, قال تعالى: {

فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ

}
أي: على علم ويقين {

فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ

}




وفيه من الوعيد الشديد, والتخويف, ما يوجب ترك الزلل, فإن العزيز
القاهر
الحكيم, إذا عصاه العاصي, قهره بقوته, وعذبه بمقتضى حكمته فإن من
حكمته, تعذيب
العصاة والجناة.



{
210

}
{

هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ
الْغَمَامِ
وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ
الْأُمُورُ

}




وهذا فيه من الوعيد الشديد والتهديد ما تنخلع له القلوب، يقول تعالى:
هل ينتظر
الساعون في الفساد في الأرض, المتبعون لخطوات الشيطان, النابذون لأمر
الله إلا
يوم الجزاء بالأعمال, الذي قد حشي من الأهوال والشدائد والفظائع, ما
يقلقل قلوب
الظالمين, ويحق به الجزاء السيئ على المفسدين.




وذلك أن الله تعالى يطوي السماوات والأرض, وتنثر الكواكب, وتكور الشمس
والقمر,
وتنزل الملائكة الكرام, فتحيط بالخلائق, وينزل الباري [تبارك] تعالى: {

فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ

}
ليفصل بين عباده بالقضاء العدل.




فتوضع الموازين, وتنشر الدواوين, وتبيض وجوه أهل السعادة وتسود وجوه
أهل
الشقاوة, ويتميز أهل الخير من أهل الشر، وكل يجازى بعمله، فهنالك يعض
الظالم
على يديه إذا علم حقيقة ما هو عليه.




وهذه الآية وما أشبهها دليل لمذهب أهل السنة والجماعة, المثبتين للصفات

الاختيارية, كالاستواء, والنزول, والمجيء, ونحو ذلك من الصفات التي
أخبر بها
تعالى, عن نفسه, أو أخبر بها عنه رسوله صلى الله عليه وسلم، فيثبتونها
على وجه
يليق بجلال الله وعظمته, من غير تشبيه ولا تحريف، خلافا للمعطلة على
اختلاف
أنواعهم, من الجهمية, والمعتزلة, والأشعرية ونحوهم, ممن ينفي هذه
الصفات,
ويتأول لأجلها الآيات بتأويلات ما أنزل الله عليها من سلطان, بل
حقيقتها القدح
في بيان الله وبيان رسوله, والزعم بأن كلامهم هو الذي تحصل به الهداية
في هذا
الباب، فهؤلاء ليس معهم دليل نقلي, بل ولا دليل عقلي، أما النقلي فقد
اعترفوا
أن النصوص الواردة في الكتاب والسنة, ظاهرها بل صريحها, دال على مذهب
أهل السنة
والجماعة, وأنها تحتاج لدلالتها على مذهبهم الباطل, أن تخرج عن ظاهرها
ويزاد
فيها وينقص، وهذا كما ترى لا يرتضيه من في قلبه مثقال ذرة من إيمان.




وأما العقل فليس في العقل ما يدل على نفي هذه الصفات، بل العقل دل على
أن
الفاعل أكمل من الذي لا يقدر على الفعل, وأن فعله تعالى المتعلق بنفسه
والمتعلق
بخلقه هو كمال، فإن زعموا أن إثباتها يدل على التشبيه بخلقه، قيل لهم:
الكلام
على الصفات, يتبع الكلام على الذات، فكما أن لله ذاتا لا تشبهها
الذوات, فلله
صفات لا تشبهها الصفات، فصفاته تبع لذاته, وصفات خلقه, تبع لذواتهم,
فليس في
إثباتها ما يقتضي التشبيه بوجه.




ويقال أيضا, لمن أثبت بعض الصفات, ونفى بعضا, أو أثبت الأسماء دون
الصفات: إما
أن تثبت الجميع كما أثبته الله لنفسه, وأثبته رسوله، وإما أن تنفي
الجميع,
وتكون منكرا لرب العالمين، وأما إثباتك بعض ذلك, ونفيك لبعضه, فهذا
تناقض، ففرق
بين ما أثبته, وما نفيته, ولن تجد إلى الفرق سبيلا، فإن قلت: ما أثبته
لا يقتضي
تشبيها، قال لك أهل السنة: والإثبات لما نفيته لا يقتضي تشبيها، فإن
قلت: لا
أعقل من الذي نفيته إلا التشبيه، قال لك النفاة: ونحن لا نعقل من الذي
أثبته
إلا التشبيه، فما أجبت به النفاة, أجابك به أهل السنة, لما نفيته.




والحاصل أن من نفى شيئا وأثبت شيئا مما دل الكتاب والسنة على إثباته,
فهو
متناقض, لا يثبت له دليل شرعي ولا عقلي, بل قد خالف المعقول والمنقول.






{216


}{

كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ
تَكْرَهُوا
شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ
شَرٌّ
لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ

}




هذه الآية, فيها فرض القتال في سبيل الله, بعد ما كان المؤمنون مأمورين
بتركه,
لضعفهم, وعدم احتمالهم لذلك، فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى
المدينة,
وكثر المسلمون, وقووا أمرهم الله تعالى بالقتال، وأخبر أنه مكروه
للنفوس, لما
فيه من التعب والمشقة, وحصول أنواع المخاوف والتعرض للمتالف، ومع هذا,
فهو خير
محض, لما فيه من الثواب العظيم, والتحرز من العقاب الأليم, والنصر على
الأعداء
والظفر بالغنائم, وغير ذلك, مما هو مرب, على ما فيه من الكراهة {

وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ

}
وذلك مثل القعود عن الجهاد لطلب الراحة, فإنه شر, لأنه يعقب الخذلان,
وتسلط
الأعداء على الإسلام وأهله, وحصول الذل والهوان, وفوات الأجر العظيم
وحصول
العقاب.




وهذه الآيات عامة مطردة, في أن أفعال الخير التي تكرهها النفوس لما
فيها من
المشقة أنها خير بلا شك، وأن أفعال الشر التي تحب النفوس لما تتوهمه
فيها من
الراحة واللذة فهي شر بلا شك.




وأما أحوال الدنيا, فليس الأمر مطردا, ولكن الغالب على العبد المؤمن,
أنه إذا
أحب أمرا من الأمور, فقيض الله [له] من الأسباب ما يصرفه عنه أنه خير
له,
فالأوفق له في ذلك, أن يشكر الله, ويجعل الخير في الواقع, لأنه يعلم أن
الله
تعالى أرحم بالعبد من نفسه, وأقدر على مصلحة عبده منه, وأعلم بمصلحته
منه كما
قال [تعالى:] {

وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ

}
فاللائق بكم أن تتمشوا مع أقداره, سواء سرتكم أو ساءتكم.









ولما كان الأمر بالقتال, لو لم يقيد, لشمل الأشهر الحرم وغيرها, استثنى
تعالى,
القتال في الأشهر الحرم فقال: {

217

}
{

يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ
فِيهِ
كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ
الْحَرَامِ
وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ
أَكْبَرُ
مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ
عَنْ
دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ
فَيَمُتْ
وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا
وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ

}




الجمهور على أن تحريم القتال في الأشهر الحرم, منسوخ بالأمر بقتال
المشركين
حيثما وجدوا، وقال بعض المفسرين: إنه لم ينسخ, لأن المطلق محمول على
المقيد،
وهذه الآية مقيدة لعموم الأمر بالقتال مطلقا؛ ولأن من جملة مزية الأشهر
الحرم،
بل أكبر مزاياها, تحريم القتال فيها, وهذا إنما هو في قتال الابتداء،
وأما قتال
الدفع فإنه يجوز في الأشهر الحرم, كما يجوز في البلد الحرام.




ولما كانت هذه الآية نازلة بسبب ما حصل, لسرية عبد الله بن جحش, وقتلهم
عمرو بن
الحضرمي, وأخذهم أموالهم, وكان ذلك - على ما قيل - في شهر رجب، عيرهم
المشركون
بالقتال بالأشهر الحرم, وكانوا في تعييرهم ظالمين, إذ فيهم من القبائح
ما بعضه
أعظم مما عيروا به المسلمين, قال تعالى في بيان ما فيهم: {

وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ

}
أي: صد المشركين من يريد الإيمان بالله وبرسوله, وفتنتهم من آمن به,
وسعيهم في
ردهم عن دينهم, وكفرهم الحاصل في الشهر الحرام, والبلد الحرام, الذي هو
بمجرده,
كاف في الشر، فكيف وقد كان في شهر حرام وبلد حرام؟! {

وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ

}
أي: أهل المسجد الحرام, وهم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه, لأنهم
أحق به من
المشركين, وهم عماره على الحقيقة, فأخرجوهم {

مِنْهُ

}
ولم يمكنوهم من الوصول إليه, مع أن هذا البيت سواء العاكف فيه والباد،
فهذه
الأمور كل واحد منها {

أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ

}
في الشهر الحرام, فكيف وقد اجتمعت فيهم؟! فعلم أنهم فسقة ظلمة, في
تعييرهم
المؤمنين.




ثم أخبر تعالى أنهم لن يزالوا يقاتلون المؤمنين، وليس غرضهم في أموالهم
وقتلهم,
وإنما غرضهم أن يرجعوهم عن دينهم, ويكونوا كفارا بعد إيمانهم حتى
يكونوا من
أصحاب السعير، فهم باذلون قدرتهم في ذلك, ساعون بما أمكنهم, {

ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون

}




وهذا الوصف عام لكل الكفار, لا يزالون يقاتلون غيرهم, حتى يردوهم عن
دينهم،
وخصوصا, أهل الكتاب, من اليهود والنصارى, الذين بذلوا الجمعيات, ونشروا
الدعاة,
وبثوا الأطباء, وبنوا المدارس, لجذب الأمم إلى دينهم, وتدخيلهم عليهم,
كل ما
يمكنهم من الشبه, التي تشككهم في دينهم.




ولكن المرجو من الله تعالى, الذي مَنّ على المؤمنين بالإسلام, واختار
لهم دينه
القيم, وأكمل لهم دينه، أن يتم عليهم نعمته بالقيام به أتم القيام, وأن
يخذل كل
من أراد أن يطفئ نوره, ويجعل كيدهم في نحورهم, وينصر دينه, ويعلي
كلمته.




وتكون هذه الآية صادقة على هؤلاء الموجودين من الكفار, كما صدقت على من
قبلهم:
{

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ
سَبِيلِ
اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ
يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ

}




ثم أخبر تعالى أن من ارتد عن الإسلام, بأن اختار عليه الكفر واستمر على
ذلك حتى
مات كافرا، {

فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ

}
لعدم وجود شرطها وهو الإسلام، {

وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ

}




ودلت الآية بمفهومها, أن من ارتد ثم عاد إلى الإسلام, أنه يرجع إليه
عمله الذي
قبل ردته، وكذلك من تاب من المعاصي, فإنها تعود إليه أعماله المتقدمة.



{
218

}
{

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي
سَبِيلِ
اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ
رَحِيمٌ

}




هذه الأعمال الثلاثة, هي عنوان السعادة وقطب رحى العبودية, وبها يعرف
ما مع
الإنسان, من الربح والخسران، فأما الإيمان, فلا تسأل عن فضيلته, وكيف
تسأل عن
شيء هو الفاصل بين أهل السعادة وأهل الشقاوة, وأهل الجنة من أهل النار؟
وهو
الذي إذا كان مع العبد, قبلت أعمال الخير منه, وإذا عدم منه لم يقبل له
صرف ولا
عدل, ولا فرض, ولا نفل.




وأما الهجرة: فهي مفارقة المحبوب المألوف, لرضا الله تعالى، فيترك
المهاجر وطنه
وأمواله, وأهله, وخلانه, تقربا إلى الله ونصرة لدينه.




وأما الجهاد: فهو بذل الجهد في مقارعة الأعداء, والسعي التام في نصرة
دين الله,
وقمع دين الشيطان، وهو ذروة الأعمال الصالحة, وجزاؤه, أفضل الجزاء، وهو
السبب
الأكبر, لتوسيع دائرة الإسلام وخذلان عباد الأصنام, وأمن المسلمين على
أنفسهم
وأموالهم وأولادهم.




فمن قام بهذه الأعمال الثلاثة على لأوائها ومشقتها كان لغيرها أشد
قياما به
وتكميلا.




فحقيق بهؤلاء أن يكونوا هم الراجون رحمة الله, لأنهم أتوا بالسبب
الموجب
للرحمة، وفي هذا دليل على أن الرجاء لا يكون إلا بعد القيام بأسباب
السعادة،
وأما الرجاء المقارن للكسل, وعدم القيام بالأسباب, فهذا عجز وتمن
وغرور، وهو
دال على ضعف همة صاحبه, ونقص عقله, بمنزلة من يرجو وجود ولد بلا نكاح,
ووجود
الغلة بلا بذر, وسقي, ونحو ذلك.




وفي قوله: {

أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ

}
إشارة إلى أن العبد ولو أتى من الأعمال بما أتى به لا ينبغي له أن
يعتمد عليها,
ويعول عليها, بل يرجو رحمة ربه, ويرجو قبول أعماله ومغفرة ذنوبه, وستر
عيوبه.




ولهذا قال: {

وَاللَّهُ غَفُورٌ

}
أي: لمن تاب توبة نصوحا {

رَحِيمٌ

}
وسعت رحمته كل شيء, وعم جوده وإحسانه كل حي.




وفي هذا دليل على أن من قام بهذه الأعمال المذكورة, حصل له مغفرة الله,
إذ
الحسنات يذهبن السيئات وحصلت له رحمة الله.




وإذا حصلت له المغفرة, اندفعت عنه عقوبات الدنيا والآخرة، التي هي آثار
الذنوب,
التي قد غفرت واضمحلت آثارها، وإذا حصلت له الرحمة, حصل على كل خير في
الدنيا
والآخرة؛ بل أعمالهم المذكورة من رحمة الله بهم, فلولا توفيقه إياهم,
لم
يريدوها, ولولا إقدارهم عليها, لم يقدروا عليها, ولولا إحسانه لم يتمها
ويقبلها
منهم، فله الفضل أولا وآخرا, وهو الذي منّ بالسبب والمسبب.



{
219 - 220

}
ثم
قال تعالى:

{ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ
كَبِيرٌ
وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا
وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ
اللَّهُ
لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ *




فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ
إِصْلَاحٌ
لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ
يَعْلَمُ
الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ
إِنَّ
اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ

}




أي: يسألك - يا أيها الرسول - المؤمنون عن أحكام الخمر والميسر, وقد
كانا
مستعملين في الجاهلية وأول الإسلام, فكأنه وقع فيهما إشكال، فلهذا
سألوا عن
حكمهما، فأمر الله تعالى نبيه, أن يبين لهم منافعهما ومضارهما, ليكون
ذلك مقدمة
لتحريمهما, وتحتيم تركهما.




فأخبر أن إثمهما ومضارهما, وما يصدر منهما من ذهاب العقل والمال, والصد
عن ذكر
الله, وعن الصلاة, والعداوة, والبغضاء - أكبر مما يظنونه من نفعهما, من
كسب
المال بالتجارة بالخمر, وتحصيله بالقمار والطرب للنفوس, عند تعاطيهما،
وكان هذا
البيان زاجرا للنفوس عنهما, لأن العاقل يرجح ما ترجحت مصلحته, ويجتنب
ما ترجحت
مضرته، ولكن لما كانوا قد ألفوهما, وصعب التحتيم بتركهما أول وهلة, قدم
هذه
الآية, مقدمة للتحريم, الذي ذكره في قوله: {

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ
وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ

}
إلى قوله: {

مُنْتَهُونَ

}
وهذا من لطفه ورحمته وحكمته، ولهذا لما نزلت, قال عمر رضي الله عنه:
انتهينا
انتهينا.




فأما الخمر: فهو كل مسكر خامر العقل وغطاه, من أي نوع كان، وأما
الميسر: فهو كل
المغالبات التي يكون فيها عوض من الطرفين, من النرد, والشطرنج, وكل
مغالبة
قولية أو فعلية, بعوض سوى مسابقة الخيل, والإبل, والسهام, فإنها
مباحة, لكونها
معينة على الجهاد, فلهذا رخص فيها الشارع.



{
وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ
اللَّهُ
لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي الدُّنْيَا
وَالْآخِرَةِ

}




وهذا سؤال عن مقدار ما ينفقونه من أموالهم، فيسر الله لهم الأمر,
وأمرهم أن
ينفقوا العفو, وهو المتيسر من أموالهم, الذي لا تتعلق به حاجتهم
وضرورتهم، وهذا
يرجع إلى كل أحد بحسبه, من غني وفقير ومتوسط, كل له قدرة على إنفاق ما
عفا من
ماله, ولو شق تمرة.




ولهذا أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم, أن يأخذ العفو من أخلاق
الناس
وصدقاتهم, ولا يكلفهم ما يشق عليهم. ذلك بأن الله تعالى لم يأمرنا بما
أمرنا به
حاجة منه لنا, أو تكليفا لنا [بما يشق] بل أمرنا بما فيه سعادتنا, وما
يسهل
علينا, وما به النفع لنا ولإخواننا فيستحق على ذلك أتم الحمد.




ولما بيّن تعالى هذا البيان الشافي, وأطلع العباد على أسرار شرعه قال: {

كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ

}
أي: الدالات على الحق, المحصلات للعلم النافع والفرقان، {

لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ

}
أي: لكي تستعملوا أفكاركم في أسرار شرعه, وتعرفوا أن أوامره, فيها
مصالح الدنيا
والآخرة، وأيضا لكي تتفكروا في الدنيا وسرعة انقضائها, فترفضوها وفي
الآخرة
وبقائها, وأنها دار الجزاء فتعمروها.



{
وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ

تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ
الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ
عَزِيزٌ
حَكِيمٌ

}




لما نزل قوله تعالى: {

إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا
يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا

}
شق ذلك على المسلمين, وعزلوا طعامهم عن طعام اليتامى, خوفا على أنفسهم
من
تناولها, ولو في هذه الحالة التي جرت العادة بالمشاركة فيها, وسألوا
النبي صلى
الله عليه وسلم عن ذلك، فأخبرهم تعالى أن المقصود, إصلاح أموال
اليتامى, بحفظها
وصيانتها, والاتجار فيها وأن خلطتهم إياهم في طعام أو غيره جائز على
وجه لا يضر
باليتامى, لأنهم إخوانكم, ومن شأن الأخ مخالطة أخيه, والمرجع في ذلك
إلى النية
والعمل، فمن علم الله من نيته أنه مصلح لليتيم, وليس له طمع في ماله,
فلو دخل
عليه شيء من غير قصد لم يكن عليه بأس، ومن علم الله من نيته, أن قصده
بالمخالطة, التوصل إلى أكلها وتناولها, فذلك الذي حرج وأثم, و "
الوسائل لها
أحكام المقاصد "




وفي هذه الآية, دليل على جواز أنواع المخالطات, في المآكل والمشارب,
والعقود
وغيرها, وهذه الرخصة, لطف من الله [تعالى] وإحسان, وتوسعة على
المؤمنين، وإلا
فـ {

لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ

}
أي: شق عليكم بعدم الرخصة بذلك, فحرجتم. وشق عليكم وأثمتم، {

إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ

}
أي: له القوة الكاملة, والقهر لكل شيء، ولكنه مع ذلك {

حَكِيمٌ

}
لا يفعل إلا ما هو مقتضى حكمته الكاملة وعنايته التامة, فعزته لا تنافي
حكمته،
فلا يقال: إنه ما شاء فعل, وافق الحكمة أو خالفها، بل يقال: إن أفعاله
وكذلك
أحكامه, تابعة لحكمته, فلا يخلق شيئا عبثا, بل لا بد له من حكمة,
عرفناها, أم
لم نعرفها وكذلك لم يشرع لعباده شيئا مجردا عن الحكمة، فلا يأمر إلا
بما فيه
مصلحة خالصة, أو راجحة, ولا ينهى إلا عما فيه مفسدة خالصة أو راجحة,
لتمام
حكمته ورحمته.



{
221

}
{

وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ
مُؤْمِنَةٌ
خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا
الْمُشْرِكِينَ
حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ
أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو
إِلَى
الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ

لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ

}




أي: {

وَلَا تَنْكِحُوا

}
النساء {

الْمُشْرِكَاتِ

}
ما دمن على شركهن {

حَتَّى يُؤْمِنَّ

}
لأن المؤمنة ولو بلغت من الدمامة ما بلغت خير من المشركة, ولو بلغت من
الحسن ما
بلغت, وهذه عامة في جميع النساء المشركات، وخصصتها آية المائدة, في
إباحة نساء
أهل الكتاب كما قال تعالى: {

وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ

}



{
وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا

}
وهذا عام لا تخصيص فيه.




ثم ذكر تعالى, الحكمة في تحريم نكاح المسلم أو المسلمة, لمن خالفهما في
الدين
فقال: {

أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ

}
أي: في أقوالهم أو أفعالهم وأحوالهم, فمخالطتهم على خطر منهم, والخطر
ليس من
الأخطار الدنيوية, إنما هو الشقاء الأبدي.




ويستفاد من تعليل الآية, النهي عن مخالطة كل مشرك ومبتدع, لأنه إذا لم
يجز
التزوج مع أن فيه مصالح كثيرة فالخلطة المجردة من باب أولى, وخصوصا,
الخلطة
التي فيها ارتفاع المشرك ونحوه على المسلم, كالخدمة ونحوها.




وفي قوله: {

وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ

}
دليل على اعتبار الولي [في النكاح].



{
وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ

}
أي: يدعو عباده لتحصيل الجنة والمغفرة, التي من آثارها, دفع العقوبات
وذلك
بالدعوة إلى أسبابها من الأعمال الصالحة, والتوبة النصوح, والعلم
النافع,
والعمل الصالح.



{
وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ

}
أي: أحكامه وحكمها {

لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ

}
فيوجب لهم ذلك التذكر لما نسوه, وعلم ما جهلوه, والامتثال لما ضيعوه.
ثم قال تعالى: {

222 - 223

}
{

وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا
النِّسَاءَ فِي
الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا
تَطَهَّرْنَ
فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ
التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ * نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ
لَكُمْ
فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ
وَاتَّقُوا
اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ

}




يخبر تعالى عن سؤالهم عن المحيض, وهل تكون المرأة بحالها بعد الحيض,
كما كانت
قبل ذلك, أم تجتنب مطلقا كما يفعله اليهود؟.




فأخبر تعالى أن الحيض أذى, وإذا كان أذى, فمن الحكمة أن يمنع الله
تعالى عباده
عن الأذى وحده, ولهذا قال: {

فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ

}
أي: مكان الحيض, وهو الوطء في الفرج خاصة, فهذا هو المحرم إجماعا،
وتخصيص
الاعتزال في المحيض, يدل على أن مباشرة الحائض وملامستها, في غير الوطء
في
الفرج جائز.




لكن قوله: {

وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ

}
يدل على أن المباشرة فيما قرب من الفرج, وذلك فيما بين السرة والركبة,
ينبغي
تركه كما كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يباشر امرأته وهي
حائض,
أمرها أن تتزر, فيباشرها.




وحد هذا الاعتزال وعدم القربان للحُيَّض {

حَتَّى يَطْهُرْنَ

}
أي: ينقطع دمهن, فإذا انقطع الدم, زال المنع الموجود وقت جريانه, الذي
كان لحله
شرطان, انقطاع الدم, والاغتسال منه.




فلما انقطع الدم, زال الشرط الأول وبقي الثاني, فلهذا قال: {

فَإِذَا تَطَهَّرْنَ

}
أي: اغتسلن {

فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ

}
أي: في القبل لا في الدبر, لأنه محل الحرث.




وفيه دليل على وجوب الاغتسال للحائض, وأن انقطاع الدم, شرط لصحته.




ولما كان هذا المنع لطفا منه تعالى بعباده, وصيانة عن الأذى قال تعالى:
{

إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ

}
أي: من ذنوبهم على الدوام {

وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ

}
أي: المتنزهين عن الآثام وهذا يشمل التطهر الحسي من الأنجاس والأحداث.




ففيه مشروعية الطهارة مطلقا, لأن الله يحب المتصف بها, ولهذا كانت
الطهارة
مطلقا, شرطا لصحة الصلاة والطواف, وجواز مس المصحف، ويشمل التطهر
المعنوي عن
الأخلاق الرذيلة, والصفات القبيحة, والأفعال الخسيسة.



{
نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ

}
مقبلة ومدبرة غير أنه لا يكون إلا في القبل, لكونه موضع الحرث, وهو
الموضع الذي
يكون منه الولد.




وفيه دليل على تحريم الوطء في الدبر, لأن الله لم يبح إتيان المرأة إلا
في
الموضع الذي منه الحرث، وقد تكاثرت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه
وسلم في
تحريم ذلك, ولعن فاعله.



{
وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ

}
أي: من التقرب إلى الله بفعل الخيرات, ومن ذلك أن يباشر الرجل امرأته,
ويجامعها
على وجه القربة والاحتساب, وعلى رجاء تحصيل الذرية الذين ينفع الله
بهم.



{
وَاتَّقُوا اللَّهَ

}
أي: في جميع أحوالكم, كونوا ملازمين لتقوى الله, مستعينين بذلك لعلمكم،
{

أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ

}
ومجازيكم على أعمالكم الصالحة وغيرها.




ثم قال: {

وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ

}
لم يذكر المبشر به ليدل على العموم, وأن لهم البشرى في الحياة الدنيا
وفي
الآخرة، وكل خير واندفاع كل ضير, رتب على الإيمان فهو داخل في هذه
البشارة.




وفيها محبة الله للمؤمنين, ومحبة ما يسرهم, واستحباب تنشيطهم وتشويقهم
بما أعد
الله لهم من الجزاء الدنيوي والأخروي.



{
224

}
{

وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا
وَتَتَّقُوا
وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ

}




المقصود من اليمين، والقسم تعظيم المقسم به, وتأكيد المقسم عليه، وكان
الله
تعالى قد أمر بحفظ الأيمان, وكان مقتضى ذلك حفظها في كل شيء، ولكن الله
تعالى
استثنى من ذلك إذا كان البر باليمين, يتضمن ترك ما هو أحب إليه، فنهى
عباده أن
يجعلوا أيمانهم عرضة, أي: مانعة وحائلة عن أن يبروا: أن يفعلوا خيرا,
أو يتقوا
شرا, أو يصلحوا بين الناس، فمن حلف على ترك واجب وجب حنثه, وحرم إقامته
على
يمينه، ومن حلف على ترك مستحب, استحب له الحنث، ومن حلف على فعل محرم,
وجب
الحنث, أو على فعل مكروه استحب الحنث، وأما المباح فينبغي فيه حفظ
اليمين عن
الحنث.




ويستدل بهذه الآية على القاعدة المشهورة, أنه " إذا تزاحمت المصالح,
قدم أهمها
" فهنا تتميم اليمين مصلحة, وامتثال أوامر الله في هذه الأشياء, مصلحة
أكبر من
ذلك, فقدمت لذلك.




ثم ختم الآية بهذين الاسمين الكريمين فقال: {

وَاللَّهُ سَمِيعٌ

}
أي: لجميع الأصوات {

عَلِيمٌ

}
بالمقاصد والنيات, ومنه سماعه لأقوال الحالفين, وعلمه بمقاصدهم هل هي
خير أم
شر، وفي ضمن ذلك التحذير من مجازاته, وأن أعمالكم ونياتكم, قد استقر
علمها
عنده.




{

225


} ثم قال تعالى:

{ لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ
يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ }





أي: لا يؤاخذكم بما يجري على ألسنتكم من الأيمان اللاغية, التي يتكلم
بها
العبد, من غير قصد منه ولا كسب قلب, ولكنها جرت على لسانه كقول الرجل
في عرض
كلامه: " لا والله " و " بلى والله " وكحلفه على أمر ماض, يظن صدق
نفسه، وإنما
المؤاخذة على ما قصده القلب.




وفي هذا دليل على اعتبار المقاصد في الأقوال, كما هي معتبرة في
avatar
Admin
مدير الموقع
مدير الموقع

عدد المساهمات : 145
نقاط : 319
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 14/02/2013
العمر : 29
الموقع : http://www.shbaboffline.net/vb/

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://wsam.jordanforum.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: لنعرف الآية الكريمة وسبب نزولها

مُساهمة من طرف Admin في الخميس فبراير 21, 2013 5:47 am

سورة آل
عمران - سورة 3 - عدد آياتها 200





بسم
الله الرحمن
الرحيم



  1. الم


  2. اللّهُ
    لا
    إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ


  3. نَزَّلَ

    عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ

    وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ


  4. مِن
    قَبْلُ
    هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ
    كَفَرُواْ
    بِآيَاتِ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللّهُ عَزِيزٌ ذُو
    انتِقَامٍ


  5. إِنَّ
    اللّهَ
    لاَ يَخْفَىَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء



  6. هُوَ
    الَّذِي
    يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاء لاَ إِلَـهَ إِلاَّ
    هُوَ
    الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ


  7. هُوَ
    الَّذِيَ
    أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ
    أُمُّ
    الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في
    قُلُوبِهِمْ
    زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ

    وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ

    وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ
    مِّنْ عِندِ
    رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ


  8. رَبَّنَا
    لاَ
    تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن
    لَّدُنكَ
    رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ


  9. رَبَّنَا

    إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللّهَ
    لاَ
    يُخْلِفُ الْمِيعَادَ


  10. إِنَّ
    الَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ
    أَوْلاَدُهُم مِّنَ اللّهِ شَيْئًا وَأُولَـئِكَ هُمْ وَقُودُ
    النَّارِ


  11. كَدَأْبِ
    آلِ
    فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا
    فَأَخَذَهُمُ اللّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ



  12. قُل
    لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى
    جَهَنَّمَ
    وَبِئْسَ الْمِهَادُ


  13. قَدْ
    كَانَ
    لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي
    سَبِيلِ
    اللّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ
    الْعَيْنِ
    وَاللّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاء إِنَّ فِي ذَلِكَ
    لَعِبْرَةً
    لَّأُوْلِي الأَبْصَارِ


  14. زُيِّنَ

    لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ
    وَالْقَنَاطِيرِ
    الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ
    الْمُسَوَّمَةِ
    وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا
    وَاللّهُ
    عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ


  15. قُلْ
    أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ

    رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ
    فِيهَا
    وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ
    بَصِيرٌ
    بِالْعِبَادِ


  16. الَّذِينَ

    يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا
    وَقِنَا
    عَذَابَ النَّارِ


  17. الصَّابِرِينَ

    وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ
    وَالْمُسْتَغْفِرِينَ
    بِالأَسْحَارِ


  18. شَهِدَ
    اللّهُ
    أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ
    الْعِلْمِ
    قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ
    الْحَكِيمُ


  19. إِنَّ
    الدِّينَ
    عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ
    الْكِتَابَ
    إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ
    وَمَن
    يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللّهِ فَإِنَّ اللّهِ سَرِيعُ الْحِسَابِ


  20. فَإنْ
    حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ
    وَقُل
    لِّلَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ
    فَإِنْ
    أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا
    عَلَيْكَ
    الْبَلاَغُ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ


  21. إِنَّ
    الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ
    النَّبِيِّينَ
    بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الِّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ
    مِنَ
    النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ


  22. أُولَـئِكَ

    الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ
    وَمَا لَهُم
    مِّن نَّاصِرِينَ


  23. أَلَمْ
    تَرَ
    إِلَى الَّذِينَ أُوْتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ
    إِلَى
    كِتَابِ اللّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ
    مِّنْهُمْ
    وَهُم مُّعْرِضُونَ


  24. ذَلِكَ

    بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا
    مَّعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ



  25. فَكَيْفَ
    إِذَا
    جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ
    نَفْسٍ مَّا
    كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ


  26. قُلِ
    اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء
    وَتَنزِعُ
    الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن
    تَشَاء
    بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ


  27. تُولِجُ

    اللَّيْلَ فِي الْنَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ
    وَتُخْرِجُ
    الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الَمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ
    وَتَرْزُقُ
    مَن تَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ


  28. لاَّ
    يَتَّخِذِ
    الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ
    الْمُؤْمِنِينَ وَمَن
    يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن
    تَتَّقُواْ
    مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللّهِ
    الْمَصِيرُ


  29. قُلْ
    إِن
    تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللّهُ
    وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَاللّهُ
    عَلَى كُلِّ
    شَيْءٍ قَدِيرٌ


  30. يَوْمَ
    تَجِدُ
    كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ
    مِن
    سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا
    وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَاللّهُ رَؤُوفُ بِالْعِبَادِ



  31. قُلْ
    إِن
    كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ
    وَيَغْفِرْ
    لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ


  32. قُلْ
    أَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللّهَ
    لاَ
    يُحِبُّ الْكَافِرِينَ


  33. إِنَّ
    اللّهَ
    اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى

    الْعَالَمِينَ


  34. ذُرِّيَّةً

    بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ


  35. إِذْ
    قَالَتِ
    امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي
    مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ
    الْعَلِيمُ



  36. فَلَمَّا

    وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللّهُ
    أَعْلَمُ
    بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى وَإِنِّي
    سَمَّيْتُهَا
    مَرْيَمَ وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ
    الشَّيْطَانِ
    الرَّجِيمِ


  37. فَتَقَبَّلَهَا

    رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا
    وَكَفَّلَهَا
    زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ
    وَجَدَ
    عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَـذَا قَالَتْ
    هُوَ مِنْ
    عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ



  38. هُنَالِكَ

    دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ
    ذُرِّيَّةً
    طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء


  39. فَنَادَتْهُ

    الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ
    اللّهَ
    يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَـى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللّهِ
    وَسَيِّدًا
    وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ


  40. قَالَ
    رَبِّ
    أَنَّىَ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ
    وَامْرَأَتِي
    عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاء


  41. قَالَ
    رَبِّ
    اجْعَل لِّيَ آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ
    ثَلاَثَةَ
    أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ
    بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ


  42. وَإِذْ
    قَالَتِ
    الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ
    وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ


  43. يَا
    مَرْيَمُ
    اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ


  44. ذَلِكَ
    مِنْ
    أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ
    يُلْقُون
    أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ
    إِذْ
    يَخْتَصِمُونَ


  45. إِذْ
    قَالَتِ
    الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ
    مِّنْهُ
    اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا

    وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ


  46. وَيُكَلِّمُ

    النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ


  47. قَالَتْ
    رَبِّ
    أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ
    كَذَلِكِ
    اللّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاء إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا
    يَقُولُ لَهُ
    كُن فَيَكُونُ


  48. وَيُعَلِّمُهُ

    الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ


  49. وَرَسُولاً

    إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن
    رَّبِّكُمْ
    أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ
    فَأَنفُخُ
    فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِىءُ الأكْمَهَ
    والأَبْرَصَ وَأُحْيِـي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبِّئُكُم
    بِمَا
    تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ
    لآيَةً
    لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ


  50. وَمُصَدِّقًا

    لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ
    الَّذِي
    حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ
    فَاتَّقُواْ
    اللّهَ وَأَطِيعُونِ


  51. إِنَّ
    اللّهَ
    رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَـذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ


  52. فَلَمَّا

    أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى
    اللّهِ
    قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللّهِ آمَنَّا بِاللّهِ
    وَاشْهَدْ
    بِأَنَّا مُسْلِمُونَ


  53. رَبَّنَا

    آمَنَّا بِمَا أَنزَلَتْ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا
    مَعَ
    الشَّاهِدِينَ


  54. وَمَكَرُواْ

    وَمَكَرَ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ


  55. إِذْ
    قَالَ
    اللّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ
    وَمُطَهِّرُكَ
    مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ
    الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ
    مَرْجِعُكُمْ
    فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ


  56. فَأَمَّا

    الَّذِينَ كَفَرُواْ فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي
    الدُّنْيَا
    وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ


  57. وَأَمَّا

    الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ
    أُجُورَهُمْ
    وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ


  58. ذَلِكَ

    نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ


  59. إِنَّ
    مَثَلَ
    عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ
    قَالَ لَهُ
    كُن فَيَكُونُ


  60. الْحَقُّ
    مِن
    رَّبِّكَ فَلاَ تَكُن مِّن الْمُمْتَرِينَ


  61. فَمَنْ

    حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ
    تَعَالَوْاْ
    نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ
    وَأَنفُسَنَا
    وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى
    الْكَاذِبِينَ


  62. إِنَّ
    هَـذَا
    لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَـهٍ إِلاَّ اللّهُ
    وَإِنَّ
    اللّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ


  63. فَإِن
    تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ


  64. قُلْ
    يَا
    أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا
    وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ
    شَيْئًا
    وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ
    فَإِن
    تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ


  65. يَا
    أَهْلَ
    الْكِتَابِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ
    التَّورَاةُ
    وَالإنجِيلُ إِلاَّ مِن بَعْدِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ


  66. هَاأَنتُمْ

    هَؤُلاء حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ فَلِمَ تُحَآجُّونَ
    فِيمَا
    لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ
    تَعْلَمُونَ


  67. مَا
    كَانَ
    إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ
    حَنِيفًا
    مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ


  68. إِنَّ
    أَوْلَى
    النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَـذَا
    النَّبِيُّ
    وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَاللّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ


  69. وَدَّت

    طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا
    يُضِلُّونَ
    إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ


  70. يَا
    أَهْلَ
    الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَأَنتُمْ
    تَشْهَدُونَ



  71. يَا
    أَهْلَ
    الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ
    الْحَقَّ
    وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ


  72. وَقَالَت

    طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ
    عَلَى
    الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ
    لَعَلَّهُمْ
    يَرْجِعُونَ


  73. وَلاَ
    تُؤْمِنُواْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى
    هُدَى
    اللّهِ أَن يُؤْتَى أَحَدٌ مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ
    يُحَآجُّوكُمْ
    عِندَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن
    يَشَاء
    وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ


  74. يَخْتَصُّ

    بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ


  75. وَمِنْ
    أَهْلِ
    الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ
    وَمِنْهُم
    مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ
    مَا
    دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ
    عَلَيْنَا
    فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ
    وَهُمْ
    يَعْلَمُونَ


  76. بَلَى
    مَنْ
    أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللّهَ يُحِبُّ
    الْمُتَّقِينَ



  77. إِنَّ
    الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا
    قَلِيلاً
    أُوْلَـئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ
    اللّهُ
    وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ
    وَلَهُمْ
    عَذَابٌ أَلِيمٌ


  78. وَإِنَّ

    مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ
    لِتَحْسَبُوهُ
    مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ
    مِنْ عِندِ
    اللّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ
    الْكَذِبَ
    وَهُمْ يَعْلَمُونَ


  79. مَا
    كَانَ
    لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ
    وَالنُّبُوَّةَ
    ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللّهِ
    وَلَـكِن
    كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ
    وَبِمَا
    كُنتُمْ تَدْرُسُونَ


  80. وَلاَ
    يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ
    أَرْبَابًا
    أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ


  81. وَإِذْ
    أَخَذَ
    اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ
    وَحِكْمَةٍ
    ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ
    بِهِ
    وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى
    ذَلِكُمْ
    إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم
    مِّنَ
    الشَّاهِدِينَ


  82. فَمَن
    تَوَلَّى
    بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ


  83. أَفَغَيْرَ

    دِينِ اللّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ
    وَالأَرْضِ
    طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ


  84. قُلْ
    آمَنَّا
    بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَى
    إِبْرَاهِيمَ
    وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا
    أُوتِيَ مُوسَى
    وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ
    أَحَدٍ
    مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ


  85. وَمَن
    يَبْتَغِ
    غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي
    الآخِرَةِ
    مِنَ الْخَاسِرِينَ


  86. كَيْفَ
    يَهْدِي
    اللّهُ قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُواْ أَنَّ
    الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي
    الْقَوْمَ
    الظَّالِمِينَ


  87. أُوْلَـئِكَ

    جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ
    وَالنَّاسِ
    أَجْمَعِينَ


  88. خَالِدِينَ

    فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ



  89. إِلاَّ

    الَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ الله
    غَفُورٌ
    رَّحِيمٌ


  90. إِنَّ
    الَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُواْ
    كُفْرًا لَّن
    تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الضَّآلُّونَ


  91. إِنَّ
    الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ
    مِنْ
    أَحَدِهِم مِّلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ
    أُوْلَـئِكَ
    لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ


  92. لَن
    تَنَالُواْ
    الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُواْ
    مِن شَيْءٍ
    فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ


  93. كُلُّ
    الطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا
    حَرَّمَ
    إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ
    التَّوْرَاةُ قُلْ
    فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ


  94. فَمَنِ

    افْتَرَىَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَأُوْلَـئِكَ
    هُمُ
    الظَّالِمُونَ


  95. قُلْ
    صَدَقَ
    اللّهُ فَاتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ
    مِنَ
    الْمُشْرِكِينَ


  96. إِنَّ
    أَوَّلَ
    بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى
    لِّلْعَالَمِينَ


  97. فِيهِ
    آيَاتٌ
    بَيِّـنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا
    وَلِلّهِ
    عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً
    وَمَن
    كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ


  98. قُلْ
    يَا
    أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَاللّهُ
    شَهِيدٌ
    عَلَى مَا تَعْمَلُونَ


  99. قُلْ
    يَا
    أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ مَنْ آمَنَ
    تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنتُمْ شُهَدَاء وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ
    عَمَّا
    تَعْمَلُونَ


  100. يَا
    أَيُّهَا
    الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ
    أُوتُواْ
    الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ


  101. وَكَيْفَ

    تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللّهِ وَفِيكُمْ

    رَسُولُهُ وَمَن يَعْتَصِم بِاللّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ
    مُّسْتَقِيمٍ


  102. يَا
    أَيُّهَا
    الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ
    تَمُوتُنَّ
    إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ


  103. وَاعْتَصِمُواْ

    بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ
    نِعْمَةَ اللّهِ
    عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ
    فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا
    حُفْرَةٍ
    مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ
    لَكُمْ
    آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ


  104. وَلْتَكُن

    مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ
    بِالْمَعْرُوفِ
    وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ



  105. وَلاَ
    تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ
    مَا
    جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ


  106. يَوْمَ

    تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ
    اسْوَدَّتْ
    وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ
    الْعَذَابَ بِمَا
    كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ


  107. وَأَمَّا

    الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللّهِ هُمْ
    فِيهَا
    خَالِدُونَ


  108. تِلْكَ
    آيَاتُ
    اللّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللّهُ يُرِيدُ
    ظُلْمًا
    لِّلْعَالَمِينَ


  109. وَلِلّهِ
    مَا
    فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِلَى اللّهِ تُرْجَعُ
    الأُمُورُ


  110. كُنتُمْ
    خَيْرَ
    أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ
    وَتَنْهَوْنَ
    عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ
    الْكِتَابِ
    لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ
    الْفَاسِقُونَ


  111. لَن
    يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ
    الأَدُبَارَ
    ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ


  112. ضُرِبَتْ

    عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُواْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ
    اللّهِ
    وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَآؤُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ
    وَضُرِبَتْ
    عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ

    بِآيَاتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ الأَنبِيَاء بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ
    بِمَا
    عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ


  113. لَيْسُواْ

    سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ
    آيَاتِ اللّهِ
    آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ


  114. يُؤْمِنُونَ

    بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ
    وَيَنْهَوْنَ
    عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَـئِكَ
    مِنَ
    الصَّالِحِينَ


  115. وَمَا
    يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوْهُ وَاللّهُ عَلِيمٌ
    بِالْمُتَّقِينَ


  116. إِنَّ
    الَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ
    أَوْلاَدُهُم مِّنَ اللّهِ شَيْئًا وَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ
    النَّارِ هُمْ
    فِيهَا خَالِدُونَ


  117. مَثَلُ
    مَا
    يُنفِقُونَ فِي هِـذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ
    فِيهَا صِرٌّ
    أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ
    وَمَا
    ظَلَمَهُمُ اللّهُ وَلَـكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ


  118. يَا
    أَيُّهَا
    الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ

    يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ
    الْبَغْضَاء
    مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ
    بَيَّنَّا
    لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ


  119. هَاأَنتُمْ

    أُوْلاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ
    بِالْكِتَابِ
    كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ
    عَضُّواْ
    عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ
    إِنَّ
    اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ


  120. إِن
    تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ
    يَفْرَحُواْ
    بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ
    شَيْئًا
    إِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ


  121. وَإِذْ

    غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّىءُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ
    لِلْقِتَالِ
    وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ


  122. إِذْ
    هَمَّت
    طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ وَاللّهُ وَلِيُّهُمَا
    وَعَلَى اللّهِ
    فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ


  123. وَلَقَدْ

    نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ
    اللّهَ
    لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ


  124. إِذْ
    تَقُولُ
    لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم
    بِثَلاَثَةِ
    آلاَفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُنزَلِينَ


  125. بَلَى
    إِن
    تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَـذَا
    يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ
    مُسَوِّمِينَ


  126. وَمَا
    جَعَلَهُ
    اللّهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ
    وَمَا
    النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ


  127. لِيَقْطَعَ

    طَرَفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْ يَكْبِتَهُمْ
    فَيَنقَلِبُواْ
    خَآئِبِينَ


  128. لَيْسَ
    لَكَ
    مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذَّبَهُمْ
    فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ


  129. وَلِلّهِ
    مَا
    فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء
    وَيُعَذِّبُ
    مَن يَشَاء وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ


  130. يَا
    أَيُّهَا
    الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا
    مُّضَاعَفَةً
    وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ


  131. وَاتَّقُواْ

    النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ


  132. وَأَطِيعُواْ

    اللّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ


  133. وَسَارِعُواْ

    إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا
    السَّمَاوَاتُ
    وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ


  134. الَّذِينَ

    يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ

    وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ


  135. وَالَّذِينَ

    إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ
    اللّهَ
    فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ
    اللّهُ
    وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ


  136. أُوْلَـئِكَ

    جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن
    تَحْتِهَا
    الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ


  137. قَدْ
    خَلَتْ
    مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانْظُرُواْ
    كَيْفَ كَانَ
    عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ


  138. هَـذَا
    بَيَانٌ
    لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ


  139. وَلاَ
    تَهِنُوا
    وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ



  140. إِن
    يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ
    وَتِلْكَ
    الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ
    الَّذِينَ
    آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ
    الظَّالِمِينَ


  141. وَلِيُمَحِّصَ

    اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ


  142. أَمْ
    حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ
    الَّذِينَ
    جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ


  143. وَلَقَدْ

    كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ
    رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ


  144. وَمَا
    مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ
    أَفَإِن
    مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن
    يَنقَلِبْ
    عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي
    اللّهُ
    الشَّاكِرِينَ


  145. وَمَا
    كَانَ
    لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَابًا مُّؤَجَّلاً
    وَمَن
    يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ
    الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ


  146. وَكَأَيِّن

    مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ
    لِمَا
    أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا
    اسْتَكَانُواْ
    وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ


  147. وَمَا
    كَانَ
    قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا
    وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا
    عَلَى
    الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ


  148. فَآتَاهُمُ

    اللّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللّهُ
    يُحِبُّ
    الْمُحْسِنِينَ


  149. يَا
    أَيُّهَا
    الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ الَّذِينَ كَفَرُواْ
    يَرُدُّوكُمْ
    عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُواْ خَاسِرِينَ


  150. بَلِ
    اللّهُ
    مَوْلاَكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ


  151. سَنُلْقِي
    فِي
    قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُواْ بِاللّهِ
    مَا
    لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ
    مَثْوَى
    الظَّالِمِينَ


  152. وَلَقَدْ

    صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّى
    إِذَا
    فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ
    مَا
    أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم
    مَّن
    يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ
    وَلَقَدْ
    عَفَا عَنكُمْ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ


  153. إِذْ
    تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ
    فِي
    أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمَّاً بِغَمٍّ لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ
    عَلَى
    مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَا أَصَابَكُمْ وَاللّهُ خَبِيرٌ بِمَا
    تَعْمَلُونَ

  154. [*:00d2]
    ثُمَّ
    أَنزَلَ
    عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَى
    طَآئِفَةً
    مِّنكُمْ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُم
avatar
Admin
مدير الموقع
مدير الموقع

عدد المساهمات : 145
نقاط : 319
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 14/02/2013
العمر : 29
الموقع : http://www.shbaboffline.net/vb/

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://wsam.jordanforum.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: لنعرف الآية الكريمة وسبب نزولها

مُساهمة من طرف Admin في الخميس فبراير 21, 2013 5:48 am

-

تفسير سورة آل عمران


عدد آياتها 200


(



آية


1-25
)
وهي مدنية



نزل صدرها إلى بضع وثمانين آية في مخاصمة النصارى وإبطال مذهبهم
ودعوتهم إلى
الدخول في الدين الحق دين الإسلام كما نزل صدر البقرة في محاجة اليهود
كما
تقدم.




بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ



{
1 - 6

}
{

الم * اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ * نَزَّلَ
عَلَيْكَ
الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ
التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ * مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ

الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ
عَذَابٌ
شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ * إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى

عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ * هُوَ الَّذِي
يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ

الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ

}




افتتحها تبارك وتعالى بالإخبار بألوهيته، وأنه الإله الذي لا إله إلا
هو الذي
لا ينبغي التأله والتعبد إلا لوجهه، فكل معبود سواه فهو باطل، والله هو
الإله
الحق المتصف بصفات الألوهية التي مرجعها إلى الحياة والقيومية، فالحي
من له
الحياة العظيمة الكاملة المستلزمة لجميع الصفات التي لا تتم ولا تكمل
الحياة
إلا بها كالسمع والبصر والقدرة والقوة والعظمة والبقاء والدوام والعز
الذي لا
يرام {

القيوم

}
الذي قام بنفسه فاستغنى عن جميع مخلوقاته، وقام بغيره فافتقرت إليه
جميع
مخلوقاته في الإيجاد والإعداد والإمداد، فهو الذي قام بتدبير الخلائق
وتصريفهم،
تدبير للأجسام وللقلوب والأرواح.




ومن قيامه تعالى بعباده ورحمته بهم أن نزل على رسوله محمد صلى الله
عليه وسلم
الكتاب، الذي هو أجل الكتب وأعظمها المشتمل على الحق في إخباره وأوامره

ونواهيه، فما أخبر به صدق، وما حكم به فهو العدل، وأنزله بالحق ليقوم
الخلق
بعبادة ربهم ويتعلموا كتابه {

مصدقا لما بين يديه

}
من الكتب السابقة، فهو المزكي لها، فما شهد له فهو المقبول، وما رده
فهو
المردود، وهو المطابق لها في جميع المطالب التي اتفق عليها المرسلون،
وهي شاهدة
له بالصدق، فأهل الكتاب لا يمكنهم التصديق بكتبهم إن لم يؤمنوا به، فإن
كفرهم
به ينقض إيمانهم بكتبهم، ثم قال تعالى {

وأنزل التوراة

}
أي: على موسى {

والإنجيل

}
على عيسى.



{
من قبل

}
إنزال القرآن {

هدى للناس

}
الظاهر أن هذا راجع لكل ما تقدم، أي: أنزل الله القرآن والتوراة
والإنجيل هدى
للناس من الضلال، فمن قبل هدى الله فهو المهتدي، ومن لم يقبل ذلك بقي
على ضلاله
{

وأنزل الفرقان

}
أي: الحجج والبينات والبراهين القاطعات الدالة على جميع المقاصد
والمطالب،
وكذلك فصل وفسر ما يحتاج إليه الخلق حتى بقيت الأحكام جلية ظاهرة، فلم
يبق لأحد
عذر ولا حجة لمن لم يؤمن به وبآياته، فلهذا قال {

إن الذين كفروا بآيات الله

}
أي: بعد ما بينها ووضحها وأزاح العلل {

لهم عذاب شديد

}
لا يقدر قدره ولا يدرك وصفه {

والله عزيز

}
أي: قوي لا يعجزه شيء {

ذو انتقام

}
ممن عصاه.



{
إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء

}
وهذا فيه تقرير إحاطة علمه بالمعلومات كلها، جليها وخفيها، ظاهرها
وباطنها، ومن
جملة ذلك الأجنة في البطون التي لا يدركها بصر المخلوقين، ولا ينالها
علمهم،
وهو تعالى يدبرها بألطف تدبير، ويقدرها بكل تقدير، فلهذا قال {

هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء

}



{
هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء

}
من كامل الخلق وناقصه، وحسن وقبيح، وذكر وأنثى {

لا إله إلا هو العزيز الحكيم

}
تضمنت هذه الآيات تقرير إلهية الله وتعينها، وإبطال إلهية ما سواه، وفي
ضمن ذلك
رد على النصارى الذين يزعمون إلهية عيسى ابن مريم عليه السلام، وتضمنت
إثبات
حياته الكاملة وقيوميته التامة، المتضمنتين جميع الصفات المقدسة كما
تقدم،
وإثبات الشرائع الكبار، وأنها رحمة وهداية للناس، وتقسيم الناس إلى
مهتد وغيره،
وعقوبة من لم يهتد بها، وتقرير سعة علم الباري ونفوذ مشيئته وحكمته.



{
7 - 9

}
{

هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ
هُنَّ
أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي
قُلُوبِهِمْ
زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ
وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ
وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ
عِنْدِ
رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ * رَبَّنَا لَا
تُزِغْ
قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ
رَحْمَةً
إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ * رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ
لِيَوْمٍ لَا
رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ

}




القرآن العظيم كله محكم كما قال تعالى {

كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير

}
فهو مشتمل على غاية الإتقان والإحكام والعدل والإحسان {

ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون

}
وكله متشابه في الحسن والبلاغة وتصديق بعضه لبعضه ومطابقته لفظا ومعنى،
وأما
الإحكام والتشابه المذكور في هذه الآية فإن القرآن كما ذكره الله {

منه آيات محكمات

}
أي: واضحات الدلالة، ليس فيها شبهة ولا إشكال {

هن أم الكتاب

}
أي: أصله الذي يرجع إليه كل متشابه، وهي معظمه وأكثره، {

و

}
منه آيات {

أخر متشابهات

}
أي: يلتبس معناها على كثير من الأذهان: لكون دلالتها مجملة، أو يتبادر
إلى بعض
الأفهام غير المراد منها، فالحاصل أن منها آيات بينة واضحة لكل أحد،
وهي الأكثر
التي يرجع إليها، ومنه آيات تشكل على بعض الناس، فالواجب في هذا أن يرد

المتشابه إلى المحكم والخفي إلى الجلي، فبهذه الطريق يصدق بعضه بعضا
ولا يحصل
فيه مناقضة ولا معارضة، ولكن الناس انقسموا إلى فرقتين {

فأما الذين في قلوبهم زيغ

}
أي: ميل عن الاستقامة بأن فسدت مقاصدهم، وصار قصدهم الغي والضلال
وانحرفت
قلوبهم عن طريق الهدى والرشاد {

فيتبعون ما تشابه منه

}
أي: يتركون المحكم الواضح ويذهبون إلى المتشابه، ويعكسون الأمر فيحملون
المحكم
على المتشابه {

ابتغاء الفتنة

}
لمن يدعونهم لقولهم، فإن المتشابه تحصل به الفتنة بسبب الاشتباه الواقع
فيه،
وإلا فالمحكم الصريح ليس محلا للفتنة، لوضوح الحق فيه لمن قصده اتباعه،
وقوله {

وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله

}
للمفسرين في الوقوف على {

الله

}
من قوله {

وما يعلم تأويله إلا الله

}
قولان، جمهورهم يقفون عندها، وبعضهم يعطف عليها {

والراسخون في العلم

}
وذلك كله محتمل، فإن التأويل إن أريد به علم حقيقة الشيء وكنهه كان
الصواب
الوقوف على {

إلا الله

}
لأن المتشابه الذي استأثر الله بعلم كنهه وحقيقته، نحو حقائق صفات الله

وكيفيتها، وحقائق أوصاف ما يكون في اليوم الآخر ونحو ذلك، فهذه لا
يعلمها إلا
الله، ولا يجوز التعرض للوقوف عليها، لأنه تعرض لما لا يمكن معرفته،
كما سئل
الإمام مالك رحمه الله عن قوله {

الرحمن على العرش [استوى ]


} فقال السائل: كيف استوى؟ فقال مالك: الاستواء معلوم، والكيف مجهول،
والإيمان
به واجب، والسؤال عنه بدعة، فهكذا يقال في سائر الصفات لمن سأل عن
كيفيتها أن
يقال كما قال الإمام مالك، تلك الصفة معلومة، وكيفيتها مجهولة،
والإيمان بها
واجب، والسؤال عنها بدعة، وقد أخبرنا الله بها ولم يخبرنا بكيفيتها،
فيجب علينا
الوقوف على ما حد لنا، فأهل الزيغ يتبعون هذه الأمور المشتبهات تعرضا
لما لا
يعني، وتكلفا لما لا سبيل لهم إلى علمه، لأنه لا يعلمها إلا الله، وأما

الراسخون في العلم فيؤمنون بها ويكلون المعنى إلى الله فيسلمون
ويسلمون، وإن
أريد بالتأويل التفسير والكشف والإيضاح، كان الصواب عطف {

الراسخون

}
على {

الله

}
فيكون الله قد أخبر أن تفسير المتشابه ورده إلى المحكم وإزالة ما فيه
من الشبهة
لا يعلمها إلا هو تعالى والراسخون في العلم يعلمون أيضا، فيؤمنون بها
ويردونها
للمحكم ويقولون {

كل

}
من المحكم والمتشابه {

من عند ربنا

}
وما كان من عنده فليس فيه تعارض ولا تناقض بل هو متفق يصدق بعضه بعضا
ويشهد
بعضه لبعض وفيه تنبيه على الأصل الكبير، وهو أنهم إذا علموا أن جميعه
من عند
الله، وأشكل عليهم مجمل المتشابه، علموا يقينا أنه مردود إلى المحكم،
وإن لم
يفهموا وجه ذلك. ولما رغب تعالى في التسليم والإيمان بأحكامه وزجر عن
اتباع
المتشابه قال {

وما يذكر

}
أي: يتعظ بمواعظ الله ويقبل نصحه وتعليمه إلا {

أولوا الألباب

}
أي: أهل العقول الرزينة لب العالم وخلاصة بني آدم يصل التذكير إلى
عقولهم،
فيتذكرون ما ينفعهم فيفعلونه، وما يضرهم فيتركونه، وأما من عداهم فهم
القشور
الذي لا حاصل له ولا نتيجة تحته، لا ينفعهم الزجر والتذكير لخلوهم من
العقول
النافعة.




ثم أخبر تعالى عن الراسخين في العلم أنهم يدعون ويقولون {

ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا

}
أي: لا تملها عن الحق جهلا وعنادا منا، بل اجعلنا مستقيمين هادين
مهتدين،
فثبتنا على هدايتك وعافنا مما ابتليت به الزائغين {

وهب لنا من لدنك رحمة

}
أي: عظيمة توفقنا بها للخيرات وتعصمنا بها من المنكرات {

إنك أنت الوهاب

}
أي: واسع العطايا والهبات، كثير الإحسان الذي عم جودك جميع البريات.



{
ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إنك لا تخلف الميعاد

}
فمجازيهم بأعمالهم حسنها وسيئها، وقد أثنى الله تعالى على الراسخين في
العلم
بسبع صفات هي عنوان سعادة العبد: إحداها: العلم الذي هو الطريق الموصل
إلى
الله، المبين لأحكامه وشرائعه، الثانية: الرسوخ في العلم وهذا قدر زائد
على
مجرد العلم، فإن الراسخ في العلم يقتضي أن يكون عالما محققا، وعارفا
مدققا، قد
علمه الله ظاهر العلم وباطنه، فرسخ قدمه في أسرار الشريعة علما وحالا
وعملا،
الثالثة: أنه وصفهم بالإيمان بجميع كتابه ورد لمتشابهه إلى محكمه،
بقوله {

يقولون آمنا به كل من عند ربنا

}
الرابعة: أنهم سألوا الله العفو والعافية مما ابتلي به الزائغون
المنحرفون،
الخامسة: اعترافهم بمنة الله عليهم بالهداية وذلك قوله {

ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا

}
السادسة: أنهم مع هذا سألوه رحمته المتضمنة حصول كل خير واندفاع كل شر،
وتوسلوا
إليه باسمه الوهاب، السابعة: أنه أخبر عن إيمانهم وإيقانهم بيوم
القيامة وخوفهم
منه، وهذا هو الموجب للعمل الرادع عن الزلل، ثم قال تعالى:




{ 10 - 13 } { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ
أَمْوَالُهُمْ
وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ
النَّارِ *
كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا
بِآيَاتِنَا
فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ *
قُلْ
لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ
وَبِئْسَ
الْمِهَادُ * قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا
فِئَةٌ
تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ
مِثْلَيْهِمْ
رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ
فِي
ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ }




يخبر تعالى أن الكفار به وبرسله، الجاحدين بدينه وكتابه، قد استحقوا
العقاب
وشدة العذاب بكفرهم وذنوبهم وأنه لا يغني عنهم مالهم ولا أولادهم شيئا،
وإن
كانوا في الدنيا يستدفعون بذلك النكبات التي ترد عليهم، ويقولون


{ نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين }


فيوم القيامة يبدو لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون


{ وبدا لهم سيئات ما كسبوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن }


وليس للأولاد والأموال قدر عند الله، إنما ينفع العبد إيمانه بالله
وأعماله
الصالحة، كما قال تعالى


{ وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل
صالحا
فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون }


وأخبر هنا أن الكفار هم وقود النار، أي: حطبها، الملازمون لها دائما
أبدا، وهذه
الحال التي ذكر الله تعالى أنها لا تغني الأموال والأولاد عن الكفار
شيئا، سنته
الجارية في الأمم السابقة.‏




كما جرى لفرعون ومن قبله ومن بعدهم من الفراعنة العتاة الطغاة أرباب
الأموال
والجنود لما كذبوا بآيات الله وجحدوا ما جاءت به الرسل وعاندوا، أخذهم
الله
بذنوبهم عدلا منه لا ظلما والله شديد العقاب على من أتى بأسباب العقاب
وهو
الكفر والذنوب على اختلاف أنواعها وتعدد مراتبها




ثم قال تعالى


{ قل }

يا محمد


{ للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد }


وفي هذا إشارة للمؤمنين بالنصر والغلبة وتحذير للكفار، وقد وقع كما
أخبر تعالى،
فنصر الله المؤمنين على أعدائهم من كفار المشركين واليهود والنصارى،
وسيفعل هذا
تعالى بعباده وجنده المؤمنين إلى يوم القيامة، ففي هذا عبرة وآية من
آيات
القرآن المشاهدة بالحس والعيان، وأخبر تعالى أن الكفار مع أنهم مغلوبون
في
الدار أنهم محشورون ومجموعون يوم القيامة لدار البوار، وهذا هو الذي
مهدوه
لأنفسهم فبئس المهاد مهادهم، وبئس الجزاء جزاؤهم.




{ قد كان لكم آية }

أي: عبرة عظيمة


{ في فئتين التقتا }

وهذا يوم بدر


{ فئة تقاتل في سبيل الله }

وهم الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه


{ وأخرى كافرة }

أي: كفار قريش الذين خرجوا من ديارهم بطرا وفخرا ورئاء الناس، ويصدون
عن سبيل
الله، فجمع الله بين الطائفتين في بدر، وكان المشركون أضعاف المؤمنين،
فلهذا
قال


{ يرونهم مثليهم رأي العين }

أي: يرى المؤمنون الكافرين يزيدون عليها زيادة كثيرة، تبلغ المضاعفة
وتزيد
عليها، وأكد هذا بقوله


{ رأي العين }

فنصر الله المؤمنين وأيدهم بنصره فهزموهم، وقتلوا صناديدهم، وأسروا
كثيرا منهم،
وما ذاك إلا لأن الله ناصر من نصره، وخاذل من كفر به، ففي هذا عبرة
لأولي
الأبصار، أي: أصحاب البصائر النافذة والعقول الكاملة، على أن الطائفة
المنصورة
معها الحق، والأخرى مبطلة، وإلا فلو نظر الناظر إلى مجرد الأسباب
الظاهرة
والعدد والعدد لجزم بأن غلبة هذه الفئة القليلة لتلك الفئة الكثيرة من
أنواع
المحالات، ولكن وراء هذا السبب المشاهد بالأبصار سبب أعظم منه لا يدركه
إلا أهل
البصائر والإيمان بالله والتوكل على الله والثقة بكفايته، وهو نصره
وإعزازه
لعباده المؤمنين على أعدائه الكافرين.




{ 14 - 17 } { زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ
وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ
وَالْفِضَّةِ
وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ

الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ * قُلْ
أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ
رَبِّهِمْ
جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا
وَأَزْوَاجٌ
مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ *

الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا
ذُنُوبَنَا
وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ
وَالْقَانِتِينَ
وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ }





يخبر تعالى أنه زين للناس حب الشهوات الدنيوية، وخص هذه الأمور
المذكورة لأنها
أعظم شهوات الدنيا وغيرها تبع لها، قال تعالى


{ إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها }

فلما زينت لهم هذه المذكورات بما فيها من الدواعي المثيرات، تعلقت بها
نفوسهم
ومالت إليها قلوبهم، وانقسموا بحسب الواقع إلى قسمين: قسم: جعلوها هي
المقصود،
فصارت أفكارهم وخواطرهم وأعمالهم الظاهرة والباطنة لها، فشغلتهم عما
خلقوا
لأجله، وصحبوها صحبة البهائم السائمة، يتمتعون بلذاتها ويتناولون
شهواتها، ولا
يبالون على أي: وجه حصلوها، ولا فيما أنفقوها وصرفوها، فهؤلاء كانت
زادا لهم
إلى دار الشقاء والعناء والعذاب، والقسم الثاني: عرفوا المقصود منها
وأن الله
جعلها ابتلاء وامتحانا لعباده، ليعلم من يقدم طاعته ومرضاته على لذاته
وشهواته،
فجعلوها وسيلة لهم وطريقا يتزودن منها لآخرتهم ويتمتعون بما يتمتعون به
على وجه
الاستعانة به على مرضاته، قد صحبوها بأبدانهم وفارقوها بقلوبهم، وعلموا
أنها
كما قال الله فيها


{ ذلك متاع الحياة الدنيا }

فجعلوها معبرا إلى الدار الآخرة ومتجرا يرجون بها الفوائد الفاخرة،
فهؤلاء صارت
لهم زادا إلى ربهم. وفي هذه الآية تسلية للفقراء الذين لا قدرة لهم على
هذه
الشهوات التي يقدر عليها الأغنياء، وتحذير للمغترين بها وتزهيد لأهل
العقول
النيرة بها، وتمام ذلك أن الله تعالى أخبر بعدها عن دار القرار ومصير
المتقين
الأبرار، وأخبر أنها خير من ذلكم المذكور، ألا وهي الجنات العاليات ذات
المنازل
الأنيقة والغرف العالية، والأشجار المتنوعة المثمرة بأنواع الثمار،
والأنهار
الجارية على حسب مرادهم والأزواج المطهرة من كل قذر ودنس وعيب ظاهر
وباطن، مع
الخلود الدائم الذي به تمام النعيم، مع الرضوان من الله الذي هو أكبر
نعيم، فقس
هذه الدار الجليلة بتلك الدار الحقيرة، ثم اختر لنفسك أحسنهما واعرض
على قلبك
المفاضلة بينهما


{ والله بصير بالعباد }

أي: عالم بما فيهم من الأوصاف الحسنة والأوصاف القبيحة، وما هو اللائق
بأحوالهم، يوفق من شاء منهم ويخذل من شاء. فالجنة التي ذكر الله وصفها
ونعتها
بأكمل نعت وصف أيضا المستحقين لها وهم الذين اتقوه بفعل ما أمر به وترك
ما نهى
عنه، وكان من دعائهم أن قالوا:




(16 - 17)


{ ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار }


توسلوا بمنة الله عليهم بتوفيقهم للإيمان أن يغفر لهم ذنوبهم ويقيهم شر
آثارها
وهو عذاب النار، ثم فصل أوصاف التقوى.




فقال


{ الصابرين }

أنفسهم على ما يحبه الله من طاعته، وعن معصيته، وعلى أقداره المؤلمة،


{ والصادقين }

في إيمانهم وأقوالهم وأحوالهم


{ والمنفقين }

مما رزقهم الله بأنواع النفقات على المحاويج من الأقارب وغيرهم


{ والمستغفرين بالأسحار }

لما بين صفاتهم الحميدة ذكر احتقارهم لأنفسهم وأنهم لا يرون لأنفسهم،
حالا ولا
مقاما، بل يرون أنفسهم مذنبين مقصرين فيستغفرون ربهم، ويتوقعون أوقات
الإجابة
وهي السحر، قال الحسن: مدوا الصلاة إلى السحر، ثم جلسوا يستغفرون ربهم.
فتضمنت
هذه الآيات حالة الناس في الدنيا وأنها متاع ينقضي، ثم وصف الجنة وما
فيها من
النعيم وفاضل بينهما، وفضل الآخرة على الدنيا تنبيها على أنه يجب
إيثارها
والعمل لها، ووصف أهل الجنة وهم المتقون، ثم فصل خصال التقوى، فبهذه
الخصال يزن
العبد نفسه، هل هو من أهل الجنة أم لا؟







{ 18 - 20 } { شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ
وَالْمَلَائِكَةُ
وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ
الْعَزِيزُ
الْحَكِيمُ * إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا
اخْتَلَفَ
الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ
الْعِلْمُ
بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ
سَرِيعُ
الْحِسَابِ * فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ
وَمَنِ
اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ
أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا

فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ }




هذا تقرير من الله تعالى للتوحيد بأعظم الطرق الموجبة له، وهي شهادته
تعالى
وشهادة خواص الخلق وهم الملائكة وأهل العلم، أما شهادته تعالى فيما
أقامه من
الحجج والبراهين القاطعة على توحيده، وأنه لا إله إلا هو، فنوع الأدلة
في
الآفاق والأنفس على هذا الأصل العظيم، ولو لم يكن في ذلك إلا أنه ما
قام أحد
بتوحيده إلا ونصره على المشرك الجاحد المنكر للتوحيد، وكذلك إنعامه
العظيم الذي
ما بالعباد من نعمة إلا منه، ولا يدفع النقم إلا هو، والخلق كلهم
عاجزون عن
المنافع والمضار لأنفسهم ولغيرهم، ففي هذا برهان قاطع على وجوب التوحيد
وبطلان
الشرك، وأما شهادة الملائكة بذلك فنستفيدها بإخبار الله لنا بذلك
وإخبار رسله،
وأما شهادة أهل العلم فلأنهم هم المرجع في جميع الأمور الدينية خصوصا
في أعظم
الأمور وأجلها وأشرفها وهو التوحيد، فكلهم من أولهم إلى آخرهم قد
اتفقوا على
ذلك ودعوا إليه وبينوا للناس الطرق الموصلة إليه، فوجب على الخلق
التزام هذا
الأمر المشهود عليه والعمل به، وفي هذا دليل على أن أشرف الأمور علم
التوحيد
لأن الله شهد به بنفسه وأشهد عليه خواص خلقه، والشهادة لا تكون إلا عن
علم
ويقين، بمنزلة المشاهدة للبصر، ففيه دليل على أن من لم يصل في علم
التوحيد إلى
هذه الحالة فليس من أولي العلم. وفي هذه الآية دليل على شرف العلم من
وجوه
كثيرة، منها: أن الله خصهم بالشهادة على أعظم مشهود عليه دون الناس،
ومنها: أن
الله قرن شهادتهم بشهادته وشهادة ملائكته، وكفى بذلك فضلا، ومنها: أنه
جعلهم
أولي العلم، فأضافهم إلى العلم، إذ هم القائمون به المتصفون بصفته،
ومنها: أنه
تعالى جعلهم شهداء وحجة على الناس، وألزم الناس العمل بالأمر المشهود
به،
فيكونون هم السبب في ذلك، فيكون كل من عمل بذلك نالهم من أجره، وذلك
فضل الله
يؤتيه من يشاء، ومنها: أن إشهاده تعالى أهل العلم يتضمن ذلك تزكيتهم
وتعديلهم
وأنهم أمناء على ما استرعاهم عليه، ولما قرر توحيده قرر عدله، فقال:


{ قائمًا بالقسط }

أي: لم يزل متصفا بالقسط في أفعاله وتدبيره بين عباده، فهو على صراط
مستقيم في
ما أمر به ونهى عنه، وفيما خلقه وقدره، ثم أعاد تقرير توحيده فقال


{ لا إله إلا هو العزيز الحكيم }

واعلم أن هذا الأصل الذي هو توحيد الله وإفراده بالعبودية قد دلت عليه
الأدلة
النقلية والأدلة العقلية، حتى صار لذوي البصائر أجلى من الشمس، فأما
الأدلة
النقلية فكل ما في كتاب الله وسنة رسوله، من الأمر به وتقريره، ومحبة
أهله وبغض
من لم يقم به وعقوباتهم، وذم الشرك وأهله، فهو من الأدلة النقلية على
ذلك، حتى
كاد القرآن أن يكون كله أدلة عليه، وأما الأدلة العقلية التي تدرك
بمجرد فكر
العقل وتصوره للأمور فقد أرشد القرآن إليها ونبه على كثير منها، فمن
أعظمها:
الاعتراف بربوبية الله، فإن من عرف أنه هو الخالق الرازق المدبر لجميع
الأمور
أنتج له ذلك أنه هو المعبود الذي لا تنبغي العبادة إلا له، ولما كان
هذا من
أوضح الأشياء وأعظمها أكثر الله تعالى من الاستدلال به في كتابه. ومن
الأدلة
العقلية على أن الله هو الذي يؤله دون غيره انفراده بالنعم ودفع النقم،
فإن من
عرف أن النعم الظاهرة والباطنة القليلة والكثيرة كلها من الله، وأنه ما
من نقمة
ولا شدة ولا كربة إلا وهو الذي ينفرد بدفعها وإن أحدا من الخلق لا يملك
لنفسه -
فضلا عن غيره- جلب نعمة ولا دفع نقمة، تيقن أن عبودية ما سوى الله من
أبطل
الباطل وأن العبودية لا تنبغي إلا لمن انفرد بجلب المصالح ودفع المضار،
فلهذا
أكثر الله في كتابه من التنبيه على هذا الدليل جدا، ومن الأدلة العقلية
أيضا
على ذلك: ما أخبر به تعالى عن المعبودات التي عبدت من دونه، بأنها لا
تملك نفعا
ولا ضرا، ولا تنصر غيرها ولا تنصر نفسها، وسلبها الأسماع والأبصار،
وأنها على
فرض سماعها لا تغني شيئا، وغير ذلك من الصفات الدالة على نقصها غاية
النقص، وما
أخبر به عن نفسه العظيمة من الصفات الجليلة والأفعال الجميلة، والقدرة
والقهر،
وغير ذلك من الصفات التي تعرف بالأدلة السمعية والعقلية، فمن عرف ذلك
حق
المعرفة عرف أن العبادة لا تليق ولا تحسن إلا بالرب العظيم الذي له
الكمال كله،
والمجد كله، والحمد كله، والقدرة كلها، والكبرياء كلها، لا بالمخلوقات
المدبرات
الناقصات الصم البكم الذين لا يعقلون، ومن الأدلة العقلية على ذلك ما
شاهده
العباد بأبصارهم من قديم الزمان وحديثه، من الإكرام لأهل التوحيد،
والإهانة
والعقوبة لأهل الشرك، وما ذاك إلا لأن التوحيد جعله الله موصلا إلى كل
خير
دافعا لكل شر ديني ودنيوي، وجعل الشرك به والكفر سببا للعقوبات الدينية

والدنيوية، ولهذا إذا ذكر تعالى قصص الرسل مع أمم المطيعين والعاصين،
وأخبر عن
عقوبات العاصين ونجاة الرسل ومن تبعهم، قال عقب كل قصة:


{ إن في ذلك لآية }

أي: لعبرة يعتبر بها المعتبرون فيعلمون أن توحيده هو الموجب للنجاة،
وتركه هو
الموجب للهلاك، فهذه من الأدلة الكبار العقلية النقلية الدالة على هذا
الأصل
العظيم، وقد أكثر الله منها في كتابه وصرفها ونوعها ليحيى من حي عن
بينة، ويهلك
من هلك عن بينة فله الحمد والشكر والثناء.




ولما قرر أنه الإله الحق المعبود، بين العبادة والدين الذي يتعين أن
يعبد به
ويدان له، وهو الإسلام الذي هو الاستسلام لله بتوحيده وطاعته التي دعت
إليها
رسله، وحثت عليها كتبه، وهو الذي لا يقبل من أحد دين سواه، وهو متضمن
للإخلاص
له في الحب والخوف والرجاء والإنابة والدعاء ومتابعة رسوله في ذلك،
وهذا هو دين
الرسل كلهم، وكل من تابعهم فهو على طريقهم، وإنما اختلف أهل الكتاب بعد
ما
جاءتهم كتبهم تحثهم على الاجتماع على دين الله، بغيا بينهم، وظلما
وعدوانا من
أنفسهم، وإلا فقد جاءهم السبب الأكبر الموجب أن يتبعوا الحق ويتركوا
الاختلاف،
وهذا من كفرهم، فلهذا قال تعالى


{ وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيًا بينهم
ومن
يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب }

فيجازي كل عامل بعمله، وخصوصا من ترك الحق بعد معرفته، فهذا مستحق
للوعيد
الشديد والعقاب الأليم، ثم أمر تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم عند
محاجة
النصارى وغيرهم ممن يفضل غير دين الإسلام




عليه أن يقول لهم: قد


{ أسلمت وجهي لله ومن اتبعن }

أي: أنا ومن اتبعني قد أقررنا وشهدنا وأسلمنا وجوهنا لربنا، وتركنا ما
سوى دين
الإسلام، وجزمنا ببطلانه، ففي هذا تأييس لمن طمع فيكم، وتجديد لدينكم
عند ورود
الشبهات، وحجة على من اشتبه عليه الأمر، لأنه قد تقدم أن الله استشهد
على
توحيده بأهل العلم من عباده ليكونوا حجة على غيرهم، وسيد أهل العلم
وأفضلهم
وأعلمهم هو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ثم من بعده أتباعه على
اختلاف
مراتبهم وتفاوت درجاتهم، فلهم من العلم الصحيح والعقل الرجيح ما ليس
لأحد من
الخلق ما يساويهم أو يقاربهم، فإذا ثبت وتقرر توحيد الله ودينه بأدلته
الظاهرة،
وقام به أكمل الخلق وأعلمهم، حصل بذلك اليقين وانتفى كل شك وريب وقادح،
وعرف أن
ما سواه من الأديان باطلة، فلهذا قال


{ وقل للذين أوتوا الكتاب }

من النصارى واليهود


{ والأميين }

مشركي العرب وغيرهم


{ أأسلمتم فإن أسلموا }

أي: بمثل ما أمنتم به


{ فقد اهتدوا }

كما اهتديتم وصاروا إخوانكم، لهم ما لكم، وعليهم ما عليكم


{ وإن تولوا }

عن الإسلام ورضوا بالأديان التي تخالفه


{ فإنما عليك البلاغ }

فقد وجب أجرك على ربك، وقامت عليهم الحجة، ولم يبق بعد هذا إلا
مجازاتهم
بالعقاب على جرمهم، فلهذا قال


{ والله بصير بالعباد }








{ 21 - 22 } { إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ
وَيَقْتُلُونَ
النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ
بِالْقِسْطِ
مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * أُولَئِكَ الَّذِينَ
حَبِطَتْ
أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ
نَاصِرِينَ }




هؤلاء الذين أخبر الله عنهم في هذه الآية، أشد الناس جرما وأي: جرم
أعظم من
الكفر بآيات الله التي تدل دلالة قاطعة على الحق الذي من كفر بها فهو
في غاية
الكفر والعناد ويقتلون أنبياء الله الذين حقهم أوجب الحقوق على العباد
بعد حق
الله، الذين أوجب الله طاعتهم والإيمان بهم، وتعزيرهم، وتوقيرهم،
ونصرهم وهؤلاء
قابلوهم بضد ذلك، ويقتلون أيضا الذين يأمرون الناس بالقسط الذي هو
العدل، وهو
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي حقيقته إحسان إلى المأمور ونصح
له،
فقابلوهم شر مقابلة، فاستحقوا بهذه الجنايات المنكرات أشد العقوبات،
وهو العذاب
المؤلم البالغ في الشدة إلى غاية لا يمكن وصفها، ولا يقدر قدرها المؤلم
للأبدان
والقلوب والأرواح.




وبطلت أعمالهم بما كسبت أيديهم، وما لهم أحد ينصرهم من عذاب الله ولا
يدفع عنهم
من نقمته مثقال ذرة، بل قد أيسوا من كل خير، وحصل لهم كل شر وضير، وهذه
الحالة
صفة اليهود ونحوهم، قبحهم الله ما أجرأهم على الله وعلى أنبيائه وعباده

الصالحين.




{ 23 - 25 } { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ
الْكِتَابِ
يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ
يَتَوَلَّى
فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا
لَنْ
تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي
دِينِهِمْ
مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ * فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا
رَيْبَ
فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ }





يخبر تعالى عن حال أهل الكتاب الذين أنعم الله عليهم بكتابه، فكان يجب
أن
يكونوا أقوم الناس به وأسرعهم انقيادا لأحكامه، فأخبر الله عنهم أنهم
إذا دعوا
إلى حكم الكتاب تولى فريق منهم وهم يعرضون، تولوا بأبدانهم، وأعرضوا
بقلوبهم،
وهذا غاية الذم، وفي ضمنها التحذير لنا أن نفعل كفعلهم، فيصيبنا من
الذم
والعقاب ما أصابهم، بل الواجب على كل أحد إذا دعي إلى كتاب الله أن
يسمع ويطيع
وينقاد، كما قال تعالى


{ إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن
يقولوا سمعنا
وأطعنا }

والسبب الذي غر أهل الكتاب بتجرئهم على معاصي الله هو قولهم


{ لن تمسنا النار إلا أياما معدودات وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون }





افتروا هذا القول فظنوه حقيقة فعملوا على ذلك ولم ينزجروا عن المحارم،
لأن
أنفسهم منتهم وغرتهم أن مآلهم إلى الجنة، وكذبوا في ذلك، فإن هذا مجرد
كذب
وافتراء، وإنما مآلهم شر مآل، وعاقبتهم عاقبة وخيمة، فلهذا قال تعالى


{ فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه }





أي: كيف يكون حالهم ووخيم ما يقدمون عليه، حالة لا يمكن وصفها ولا
يتصور قبحها
لأن ذلك اليوم يوم توفية النفوس ما كسبت ومجازاتها بالعدل لا بالظلم،
وقد علم
أن ذلك على قدر الأعمال، وقد تقدم من أعمالهم ما يبين أنهم من أشد
الناس عذابا.
avatar
Admin
مدير الموقع
مدير الموقع

عدد المساهمات : 145
نقاط : 319
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 14/02/2013
العمر : 29
الموقع : http://www.shbaboffline.net/vb/

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://wsam.jordanforum.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: لنعرف الآية الكريمة وسبب نزولها

مُساهمة من طرف Admin في الخميس فبراير 21, 2013 5:51 am

-

تفسير سورة آل عمران


عدد آياتها 200

(
آية
26-58

)

وهي مدنية



{

26 - 27


}

{ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ
وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ
وَتُذِلُّ مَنْ
تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ *
تُولِجُ
اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ
وَتُخْرِجُ
الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ
وَتَرْزُقُ مَنْ
تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ }




يقول الله لنبيه صلى الله عليه وسلم


{ قل اللهم مالك الملك }

أي: أنت الملك المالك لجميع الممالك، فصفة الملك المطلق لك، والمملكة
كلها
علويها وسفليها لك والتصريف والتدبير كله لك، ثم فصل بعض التصاريف التي
انفرد
الباري تعالى بها، فقال:


{ تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء }


وفيه الإشارة إلى أن الله تعالى سينزع الملك من الأكاسرة والقياصرة ومن
تبعهم
ويؤتيه أمة محمد، وقد فعل ولله الحمد، فحصول الملك ونزعه تبع لمشيئة
الله
تعالى، ولا ينافي ذلك ما أجرى الله به سنته من الأسباب الكونية
والدينية التي
هي سبب بقاء الملك وحصوله وسبب زواله، فإنها كلها بمشيئة الله لا يوجد
سبب
يستقل بشيء، بل الأسباب كلها تابعة للقضاء والقدر، ومن الأسباب التي
جعلها الله
سببا لحصول الملك الإيمان والعمل الصالح، التي منها اجتماع المسلمين
واتفاقهم،
وإعدادهم الآلات التي يقدروا عليها والصبر وعدم التنازع، قال الله
تعالى:


{ وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما
استخلف
الذين من قبلهم }

الآية فأخبر أن الإيمان والعمل الصالح سبب للاستخلاف المذكور، وقال
تعالى:


{ هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين وألف بين قلوبهم }


الآية وقال تعالى:


{ يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم
تفلحون
وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله
مع
الصابرين }

فأخبر أن ائتلاف قلوب المؤمنين وثباتهم وعدم تنازعهم سبب للنصر على
الأعداء،
وأنت إذا استقرأت الدول الإسلامية وجدت السبب الأعظم في زوال ملكها ترك
الدين
والتفرق الذي أطمع فيهم الأعداء وجعل بأسهم بينهم، ثم قال تعالى:


{ وتعز من تشاء }

بطاعتك


{ وتذل من تشاء }

بمعصيتك


{ إنك على كل شيء قدير }

لا يمتنع عليك أمر من الأمور بل الأشياء كلها طوع مشيئتك وقدرتك




{ تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل }


أي: تدخل هذا على هذا، وهذا على هذا، فينشأ عن ذلك من الفصول والضياء
والنور
والشمس والظل والسكون والانتشار، ما هو من أكبر الأدلة على قدرة الله
وعظمته
وحكمته ورحمته


{ وتخرج الحي من الميت }

كالفرخ من البيضة، وكالشجر من النوى، وكالزرع من بذره، وكالمؤمن من
الكافر


{ وتخرج الميت من الحي }

كالبيضة من الطائر وكالنوى من الشجر، وكالحب من الزرع، وكالكافر من
المؤمن،
وهذا أعظم دليل على قدرة الله، وأن جميع الأشياء مسخرة مدبرة لا تملك
من
التدبير شيئا، فخلقه تعالى الأضداد، والضد من ضده بيان أنها مقهورة


{ وترزق من تشاء بغير حساب }

أي: ترزق من تشاء رزقا واسعا من حيث لا يحتسب ولا يكتسب، ثم قال تعالى:





{ 28 - 30 } { لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ
مِنْ
دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ
فِي شَيْءٍ
إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ
نَفْسَهُ
وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ * قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ
أَوْ
تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا
فِي
الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ
نَفْسٍ
مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ
لَوْ
أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ
نَفْسَهُ
وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ }





وهذا نهي من الله تعالى للمؤمنين عن موالاة الكافرين بالمحبة والنصرة
والاستعانة بهم على أمر من أمور المسلمين، وتوعد على ذلك فقال:


{ ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء }

أي: فقد انقطع عن الله، وليس له في دين الله نصيب، لأن موالاة الكافرين
لا
تجتمع مع الإيمان، لأن الإيمان يأمر بموالاة الله وموالاة أوليائه
المؤمنين
المتعاونين على إقامة دين الله وجهاد أعدائه، قال تعالى:


{ والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض }


فمن والى - الكافرين من دون المؤمنين الذين يريدون أن يطفؤا نور الله
ويفتنوا
أولياءه خرج من حزب المؤمنين، وصار من حزب الكافرين، قال تعالى:


{ ومن يتولهم منكم فإنه منهم }

وفي هذه الآية دليل على الابتعاد عن الكفار وعن معاشرتهم وصداقتهم،
والميل
إليهم والركون إليهم، وأنه لا يجوز أن يولى كافر ولاية من ولايات
المسلمين، ولا
يستعان به على الأمور التي هي مصالح لعموم المسلمين. قال الله تعالى:


{ إلا أن تتقوا منهم تقاة }





أي: تخافوهم على أنفسكم فيحل لكم أن تفعلوا ما تعصمون به دماءكم من
التقية
باللسان وإظهار ما به تحصل التقية. ثم قال تعالى:


{ ويحذركم الله نفسه }

أي: فلا تتعرضوا لسخطه بارتكاب معاصيه فيعاقبكم على ذلك


{ وإلى الله المصير }

أي: مرجع العباد ليوم التناد، فيحصي أعمالهم ويحاسبهم عليها ويجازيهم،
فإياكم
أن تفعلوا من الأعمال القباح ما تستحقون به العقوبة، واعملوا ما به
يحصل الأجر
والمثوبة، ثم أخبر عن سعة علمه لما في النفوس خصوصا، ولما في السماء
والأرض
عموما، وعن كمال قدرته، ففيه إرشاد إلى تطهير القلوب واستحضار علم الله
كل وقت
فيستحي العبد من ربه أن يرى قلبه محلا لكل فكر رديء، بل يشغل أفكاره
فيما يقرب
إلى الله من تدبر آية من كتاب، أو سنة من أحاديث رسول الله، أو تصور
وبحث في
علم ينفعه، أو تفكر في مخلوقات الله ونعمه، أو نصح لعباد الله، وفي ضمن
أخبار
الله عن علمه وقدرته الإخبار بما هو لازم ذلك من المجازاة على الأعمال،
ومحل
ذلك يوم القيامة، فهو الذي توفى به النفوس بأعمالها فلهذا قال


{ يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرًا }





أي: كاملا موفرا لم ينقص مثقال ذرة، كما قال تعالى:


{ فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره }

والخير: اسم جامع لكل ما يقرب إلى الله من الأعمال الصالحة صغيرها
وكبيرها، كما
أن السوء اسم جامع لكل ما يسخط الله من الأعمال السيئة صغيرها وكبيرها


{ وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدًا بعيدًا }


أي: مسافة بعيدة، لعظم أسفها وشدة حزنها، فليحذر العبد من أعمال السوء
التي لا
بد أن يحزن عليها أشد الحزن، وليتركها وقت الإمكان قبل أن يقول


{ يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله }



{ يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض }



{ ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا يا
ويلتا
ليتني لم أتخذ فلانًا خليلا }



{ حتى إذا جاءنا قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين }


فوالله لترك كل شهوة ولذة وان عسر تركها على النفس في هذه الدار أيسر
من معاناة
تلك الشدائد واحتمال تلك الفضائح، ولكن العبد من ظلمه وجهله لا ينظر
إلا الأمر
الحاضر، فليس له عقل كامل يلحظ به عواقب الأمور فيقدم على ما ينفعه
عاجلا
وآجلا، ويحجم عن ما يضره عاجلا وآجلا، ثم أعاد تعالى تحذيرنا نفسه رأفة
بنا
ورحمة لئلا يطول علينا الأمد فتقسو قلوبنا، وليجمع لنا بين الترغيب
الموجب
للرجاء والعمل الصالح، والترهيب الموجب للخوف وترك الذنوب، فقال


{ ويحذركم الله نفسه والله رءوفٌ بالعباد }


فنسأله أن يمن علينا بالحذر منه على الدوام، حتى لا نفعل ما يسخطه
ويغضبه.




{ 31 } { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي
يُحْبِبْكُمُ
اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ }





وهذه الآية فيها وجوب محبة الله، وعلاماتها، ونتيجتها، وثمراتها، فقال


{ قل إن كنتم تحبون الله }

أي: ادعيتم هذه المرتبة العالية، والرتبة التي ليس فوقها رتبة فلا يكفي
فيها
مجرد الدعوى، بل لابد من الصدق فيها، وعلامة الصدق اتباع رسوله صلى
الله عليه
وسلم في جميع أحواله، في أقواله وأفعاله، في أصول الدين وفروعه، في
الظاهر
والباطن، فمن اتبع الرسول دل على صدق دعواه محبة الله تعالى، وأحبه
الله وغفر
له ذنبه، ورحمه وسدده في جميع حركاته وسكناته، ومن لم يتبع الرسول فليس
محبا
لله تعالى، لأن محبته لله توجب له اتباع رسوله، فما لم يوجد ذلك دل على
عدمها
وأنه كاذب إن ادعاها، مع أنها على تقدير وجودها غير نافعة بدون شرطها،
وبهذه
الآية يوزن جميع الخلق، فعلى حسب حظهم من اتباع الرسول يكون إيمانهم
وحبهم لله،
وما نقص من ذلك نقص.







{ 32 } { قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا
فَإِنَّ
اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ }




وهذا أمر من الله تعالى لعباده بأعم الأوامر، وهو طاعته وطاعة رسوله
التي يدخل
بها الإيمان والتوحيد، وما هو من فروع ذلك من الأعمال والأقوال الظاهرة

والباطنة، بل يدخل في طاعته وطاعة رسوله اجتناب ما نهى عنه، لأن
اجتنابه
امتثالا لأمر الله هو من طاعته، فمن أطاع الله ورسوله، فأولئك هم
المفلحون


{ فإن تولوا }

أي: أعرضوا عن طاعة الله ورسوله فليس ثم أمر يرجعون إليه إلا الكفر
وطاعة كل
شيطان مريد


{ كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير }


فلهذا قال:


{ فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين }

بل يبغضهم ويمقتهم ويعاقبهم أشد العقوبة، وكأن في هذه الآية الكريمة
بيانا
وتفسيرا لاتباع رسوله، وأن ذلك بطاعة الله وطاعة رسوله، هذا هو الاتباع

الحقيقي، ثم قال تعالى:




{ 33 - 37 } { إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ
إِبْرَاهِيمَ وَآلَ
عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ
وَاللَّهُ
سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي
نَذَرْتُ
لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ
السَّمِيعُ
الْعَلِيمُ * فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا
أُنْثَى
وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى
وَإِنِّي
سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ
الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ
وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا
دَخَلَ
عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا

مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ
اللَّهَ
يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ }




يخبر تعالى باختيار من اختاره من أوليائه وأصفيائه وأحبابه، فأخبر أنه
اصطفى
آدم، أي: اختاره على سائر المخلوقات، فخلقه بيده ونفخ فيه من روحه،
وأمر
الملائكة بالسجود له، وأسكنه جنته، وأعطاه من العلم والحلم والفضل ما
فاق به
سائر المخلوقات، ولهذا فضل بنيه، فقال تعالى:


{ ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات
وفضلناهم
على كثير ممن خلقنا تفضيلا }





واصطفى نوحا فجعله أول رسول إلى أهل الأرض حين عبدت الأوثان، ووفقه من
الصبر
والاحتمال والشكر والدعوة إلى الله في جميع الأوقات ما أوجب اصطفاءه
واجتباءه،
وأغرق الله أهل الأرض بدعوته، ونجاه ومن معه في الفلك المشحون، وجعل
ذريته هم
الباقين، وترك عليه ثناء يذكر في جميع الأحيان والأزمان.




واصطفى آل إبراهيم وهو إبراهيم خليل الرحمن الذي اختصه الله بخلته،
وبذل نفسه
للنيران وولده للقربان وماله للضيفان، ودعا إلى ربه ليلا ونهارا وسرا
وجهارا،
وجعله الله أسوة يقتدي به من بعده، وجعل في ذريته النبوة والكتاب،
ويدخل في آل
إبراهيم جميع الأنبياء الذين بعثوا من بعده لأنهم من ذريته، وقد خصهم
بأنواع
الفضائل ما كانوا به صفوة على العالمين، ومنهم سيد ولد آدم نبينا محمد
صلى الله
عليه وسلم فإن الله تعالى جمع فيه من الكمال ما تفرق في غيره، وفاق صلى
الله
عليه وسلم الأولين والآخرين، فكان سيد المرسلين المصطفى من ولد
إبراهيم.




واصطفى الله آل عمران وهو والد مريم بنت عمران، أو والد موسى بن عمران
عليه
السلام، فهذه البيوت التي ذكرها الله هي صفوته من العالمين، وتسلسل
الصلاح
والتوفيق بذرياتهم، فلهذا قال تعالى


{ ذرية بعضها من بعض }





أي: حصل التناسب والتشابه بينهم في الخلق والأخلاق الجميلة، كما قال
تعالى لما
ذكر جملة من الأنبياء الداخلين في ضمن هذه البيوت الكبار


{ ومن آبائهم وإخوانهم وذرياتهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم }



{ والله سميع عليم }

يعلم من يستحق الاصطفاء فيصطفيه ومن لا يستحق ذلك فيخذله ويرديه، ودل
هذا على
أن هؤلاء اختارهم لما علم من أحوالهم الموجبة لذلك فضلا منه وكرما، ومن
الفائدة
والحكمة في قصه علينا أخبار هؤلاء الأصفياء أن نحبهم ونقتدي بهم، ونسأل
الله أن
يوفقنا لما وفقهم، وأن لا نزال نزري أنفسنا بتأخرنا عنهم وعدم اتصافنا

بأوصافهم ومزاياهم الجميلة، وهذا أيضا من لطفه بهم، وإظهاره الثناء
عليهم في
الأولين والآخرين، والتنويه بشرفهم، فلله ما أعظم جوده وكرمه وأكثر
فوائد
معاملته، لو لم يكن لهم من الشرف إلا أن أذكارهم مخلدة ومناقبهم مؤبدة
لكفى
بذلك فضلا




ولما ذكر فضائل هذه البيوت الكريمة ذكر ما جرى لمريم والدة عيسى وكيف
لطف الله
بها في تربيتها ونشأتها، فقال:


{ إذ قالت امرأة عمران }

أي: والدة مريم لما حملت


{ رب إني نذرت لك ما في بطني محررًا }

أي: جعلت ما في بطني خالصا لوجهك، محررا لخدمتك وخدمة بيتك


{ فتقبل مني }

هذا العمل المبارك


{ إنك أنت السميع العليم }

تسمع دعائي وتعلم نيتي وقصدي، هذا وهي في البطن قبل وضعها




{ فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى }


كأنها تشوفت أن يكون ذكرا ليكون أقدر على الخدمة وأعظم موقعا، ففي
كلامها
[نوع] عذر من ربها، فقال الله:


{ والله أعلم بما وضعت }

أي: لا يحتاج إلى إعلامها، بل علمه متعلق بها قبل أن تعلم أمها ما هي


{ وليس الذكر كالأنثى وإني سميتها مريم }


فيه دلالة على تفضيل الذكر على الأنثى، وعلى التسمية وقت الولادة، وعلى
أن للأم
تسمية الولد إذا لم يكره الأب


{ وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم }


دعت لها ولذريتها أن يعيذهم الله من الشيطان الرجيم.




{ فتقبلها ربها بقبول حسن }

أي: جعلها نذيرة مقبولة، وأجارها وذريتها من الشيطان


{ وأنبتها نباتًا حسنًا }

أي: نبتت نباتا حسنا في بدنها وخلقها وأخلاقها، لأن الله تعالى قيض لها
زكريا
عليه السلام


{ وكفلها }

إياه، وهذا من رفقه بها ليربيها على أكمل الأحوال، فنشأت في عبادة ربها
وفاقت
النساء، وانقطعت لعبادة ربها، ولزمت محرابها أي: مصلاها فكان


{ كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقًا }


أي: من غير كسب ولا تعب، بل رزق ساقه الله إليها، وكرامة أكرمها الله
بها،
فيقول لها زكريا


{ أنى لك هذا قالت هو من عند الله }

فضلا وإحسانا


{ إن الله يرزق من يشاء بغير حساب }

أي: من غير حسبان من العبد ولا كسب، قال تعالى:


{ ومن يتق الله يجعل له مخرجًا ويرزقه من حيث لا يحتسب }


وفي هذه الآية دليل على إثبات كرامات الأولياء الخارقة للعادة كما قد
تواترت
الأخبار بذلك، خلافا لمن نفى ذلك، فلما رأى زكريا عليه السلام ما من
الله به
على مريم، وما أكرمها به من رزقه الهنيء الذي أتاها بغير سعي منها ولا
كسب،
طمعت نفسه بالولد، فلهذا قال تعالى:




{ 38 - 41 } { هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ
لِي مِنْ
لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ *
فَنَادَتْهُ
الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ
اللَّهَ
يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا
وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ * قَالَ رَبِّ أَنَّى
يَكُونُ لِي
غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ
كَذَلِكَ
اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ * قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ
آيَتُكَ
أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا
وَاذْكُرْ
رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ }




أي: دعا زكريا عليه السلام ربه أن يرزقه ذرية طيبة، أي: طاهرة الأخلاق،
طيبة
الآداب، لتكمل النعمة الدينية والدنيوية بهم. فاستجاب له دعاءه.




وبينما هو قائم في محرابه يتعبد لربه ويتضرع نادته الملائكة


{ أن الله يبشرك بيحيى مصدقًا بكلمة من الله }


أي: بعيسى عليه السلام، لأنه كان بكلمة الله


{ وسيدًا }

أي: يحصل له من الصفات الجميلة ما يكون به سيدا يرجع إليه في الأمور


{ وحصورًا }

أي: ممنوعا من إتيان النساء، فليس في قلبه لهن شهوة، اشتغالا بخدمة ربه
وطاعته


{ ونبيًا من الصالحين }

فأي: بشارة أعظم من هذا الولد الذي حصلت البشارة بوجوده، وبكمال صفاته،
وبكونه
نبيا من الصالحين، فقال زكريا من شدة فرحه


{ رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر }


وكل واحد من الأمرين مانع من وجود الولد، فكيف وقد اجتمعا، فأخبره الله
تعالى
أن هذا خارق للعادة، فقال:


{ كذلك الله يفعل ما يشاء }

فكما أنه تعالى قدر وجود الأولاد بالأسباب التي منها التناسل، فإذا
أراد أن
يوجدهم من غير ما سبب فعل، لأنه لا يستعصي عليه شيء، فقال زكريا عليه
السلام
استعجالا لهذا الأمر، وليحصل له كمال الطمأنينة.




{ رب اجعل لي آية }

أي: علامة على وجود الولد قال


{ آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزًا }


أي: ينحبس لسانك عن كلامهم من غير آفة ولا سوء، فلا تقدر إلا على
الإشارة
والرمز، وهذا آية عظيمة أن لا تقدر على الكلام، وفيه مناسبة عجيبة، وهي
أنه كما
يمنع نفوذ الأسباب مع وجودها، فإنه يوجدها بدون أسبابها ليدل ذلك أن
الأسباب
كلها مندرجة في قضائه وقدره، فامتنع من الكلام ثلاثة أيام، وأمره الله
أن يشكره
ويكثر من ذكره بالعشي والإبكار، حتى إذا خرج على قومه من المحراب


{ فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيًّا }

أي: أول النهار وآخره.







{ 42 - 44 } { وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ
اللَّهَ
اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ *
يَا
مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ
*
ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ
لَدَيْهِمْ
إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا
كُنْتَ
لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ }




ينوه تعالى بفضيلة مريم وعلو قدرها، وأن الملائكة خاطبتها بذلك فقالت


{ يا مريم إن الله اصطفاك }

أي: اختارك


{ وطهّرك }

من الآفات المنقصة


{ واصطفاك على نساء العالمين }

الاصطفاء الأول يرجع إلى الصفات الحميدة والأفعال السديدة، والاصطفاء
الثاني
يرجع إلى تفضيلها على سائر نساء العالمين، إما على عالمي زمانها، أو
مطلقا، وإن
شاركها أفراد من النساء في ذلك كخديجة وعائشة وفاطمة، لم يناف الاصطفاء

المذكور، فلما أخبرتها الملائكة باصطفاء الله إياها وتطهيرها، كان في
هذا من
النعمة العظيمة والمنحة الجسيمة ما يوجب لها القيام بشكرها، فلهذا قالت
لها
الملائكة:


{ يا مريم اقنتي لربك }





{ اقنتي لربك }

القنوت دوام الطاعة في خضوع وخشوع،


{ واسجدي واركعي مع الراكعين }

خص السجود والركوع لفضلهما ودلالتهما على غاية الخضوع لله، ففعلت مريم،
ما أمرت
به شكرا لله تعالى وطاعة، ولما أخبر الله نبيه بما أخبر به عن مريم،
وكيف تنقلت
بها الأحوال التي قيضها الله لها، وكان هذا من الأمور الغيبية التي لا
تعلم إلا
بالوحي.




قال


{ ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم }


أي: عندهم


{ إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم }

لما ذهبت بها أمها إلى من لهم الأمر على بيت المقدس، فتشاحوا وتخاصموا
أيهم
يكفل مريم، واقترعوا عليها بأن ألقوا أقلامهم في النهر، فأيهم لم يجر
قلمه مع
الماء فله كفالتها، فوقع ذلك لزكريا نبيهم وأفضلهم، فلما أَخْبَرتَهُم
يا محمد
بهذه الأخبار التي لا علم لك ولا لقومك بها دل على أنك صادق وأنك رسول
الله
حقا، فوجب عليهم الانقياد لك وامتثال أوامرك، كما قال تعالى:


{ وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر }


الآيات.




{ 45 - 58 } { إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ

يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ
مَرْيَمَ
وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ *
وَيُكَلِّمُ
النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ * قَالَتْ
رَبِّ أَنَّى
يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ
يَخْلُقُ
مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ
فَيَكُونُ *
وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ
*
وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ
مِنْ
رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ
فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ
الْأَكْمَهَ
وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ
بِمَا
تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ
لَآيَةً
لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ
مِنَ
التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ
وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ *
إِنَّ
اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ *
فَلَمَّا
أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى
اللَّهِ قَالَ
الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ
وَاشْهَدْ
بِأَنَّا مُسْلِمُونَ *رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ
وَاتَّبَعْنَا
الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ * وَمَكَرُوا وَمَكَرَ
اللَّهُ
وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ * إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى
إِنِّي
مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ
كَفَرُوا
وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى
يَوْمِ
الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا

كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ * فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا
فَأُعَذِّبُهُمْ
عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ
نَاصِرِينَ *
وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ
أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * ذَلِكَ نَتْلُوهُ
عَليْكَ
مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ }





يخبر تعالى أن الملائكة بشرت مريم عليها السلام بأعظم بشارة، وهو كلمة
الله
عبده ورسوله عيسى ابن مريم، سمي كلمة الله لأنه كان بالكلمة من الله،
لأن حالته
خارجة عن الأسباب، وجعله الله من آياته وعجائب مخلوقاته، فأرسل الله
جبريل عليه
السلام إلى مريم، فنفخ في جيب درعها فولجت فيها تلك النفخة الذكية من
ذلك الملك
الزكي، فأنشأ الله منها تلك الروح الزكية، فكان روحانيا نشأ من مادة
روحانية،
فلهذا سمى روح الله


{ وجيها في الدنيا والآخرة }

أي: له الوجاهة العظيمة في الدنيا، جعله الله أحد أولي العزم من
المرسلين أصحاب
الشرائع الكبار والأتباع، ونشر الله له من الذكر ما ملأ ما بين المشرق
والمغرب،
وفي الآخرة وجيها عند الله يشفع أسوة إخوانه من النبيين والمرسلين،
ويظهر فضله
على أكثر العالمين، فلهذا كان من المقربين إلى الله، أقرب الخلق إلى
ربهم، بل
هو عليه السلام من سادات المقربين.




{ ويكلم الناس فى المهد وكهلا }

وهذا غير التكليم المعتاد، بل المراد يكلم الناس بما فيه صلاحهم
وفلاحهم، وهو
تكليم المرسلين، ففي هذا إرساله ودعوته الخلق إلى ربهم، وفي تكليمهم في
المهد
آية عظيمة من آيات الله ينتفع بها المؤمنون، وتكون حجة على المعاندين،
أنه رسول
رب العالمين، وأنه عبد الله، وليكون نعمة وبراءة لوالدته مما رميت به


{ ومن الصالحين }

أي: يمن عليه بالصلاح، من من عليهم، ويدخله في جملتهم، وفي هذا عدة
بشارات
لمريم مع ما تضمن من التنويه بذكر المسيح عليه السلام.




{ قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر }


والولد في العادة لا يكون إلا من مس البشر، وهذا استغراب منها، لا شك
في قدرة
الله تعالى:


{ قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون }


فأخبرها أن هذا أمر خارق للعادة، خلقه من يقول لكل أمر أراده: كن
فيكون، فمن
تيقن ذلك زال عنه الاستغراب والتعجب، ومن حكمة الباري تعالى أن تدرج
بأخبار
العباد من الغريب إلى ما هو أغرب منه، فذكر وجود يحيى بن زكريا بين
أبوين
أحدهما كبير والآخر عاقر، ثم ذكر أغرب من ذلك وأعجب، وهو وجود عيسى
عليه السلام
من أم بلا أب ليدل عباده أنه الفعال لما يريد وأنه ما شاء كان وما لم
يشاء لم
يكن.




ثم أخبر تعالى عن منته العظيمة على عبده ورسوله عيسى عليه السلام، فقال


{ ويعلمه الكتاب }

يحتمل أن يكون المراد جنس الكتاب، فيكون ذكر التوراة والإنجيل تخصيصا
لهما،
لشرفهما وفضلهما واحتوائهما على الأحكام والشرائع التي يحكم بها أنبياء
بني
إسرائيل والتعليم، لذلك يدخل فيه تعليم ألفاظه ومعانيه، ويحتمل أن يكون
المراد
بقوله


{ ويعلمه الكتاب }

أي: الكتابة، لأن الكتابة من أعظم نعم الله على عباده ولهذا امتن تعالى
على
عباده بتعليمهم بالقلم في أول سورة أنزلها فقال


{ اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي
علم بالقلم
}





والمراد بالحكمة معرفة أسرار الشرع، ووضع الأشياء مواضعها، فيكون ذلك
امتنانا
على عيسى عليه السلام بتعليمه الكتابة والعلم والحكمة، وهذا هو الكمال
للإنسان
في نفسه.




ثم ذكر له كمالا آخر وفضلا زائدا على ما أعطاه الله من الفضائل، فقال


{ ورسولا إلى بني إسرائيل }

فأرسله الله إلى هذا الشعب الفاضل الذين هم أفضل العالمين في زمانهم
يدعوهم إلى
الله، وأقام له من الآيات ما دلهم أنه رسول الله حقا ونبيه صدقا ولهذا
قال


{ أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين }


طيرا، أي: أصوره على شكل الطير


{ فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله }

أي: طيرا له روح تطير بإذن الله


{ وأبرى الأكمه }

وهو الذي يولد أعمى


{ والأبرص }

بإذن الله


{ وأحيي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن
في ذلك
لآية لكم إن كنتم مؤمنين }

وأي: آية أعظم من جعل الجماد حيوانا، وإبراء ذوي العاهات التي لا قدرة
للأطباء
في معالجتها، وإحياء الموتى، والإخبار بالأمور الغيبية، فكل واحدة من
هذه
الأمور آية عظيمة بمفردها، فكيف بها إذا اجتمعت وصدق بعضها بعضها؟
فإنها موجبة
للإيقان وداعية للإيمان.




{ ومصدقا لما بين يدي من التوراة }

أي: أتيت بجنس ما جاءت به التوراة وما جاء به موسى عليه السلام، وعلامة
الصادق
أن يكون خبره من جنس خبر الصادقين، يخبر بالصدق، ويأمر بالعدل من غير
تخالف ولا
تناقض، بخلاف من ادعى دعوى كاذبة، خصوصا أعظم الدعاوى وهي دعوى النبوة،
فالكاذب
فيها لابد أن يظهر لكل أحد كذب صاحبها وتناقضه ومخالفته لأخبار
الصادقين
وموافقته لأخبار الكاذبين، هذا موجب السنن الماضية والحكمة الإلهية
والرحمة
الربانية بعباده، إذ لا يشتبه الصادق بالكاذب في دعوى النبوة أبدا،
بخلاف بعض
الأمور الجزئية، فإنه قد يشتبه فيها الصادق بالكاذب، وأما النبوة فإنه
يترتب
عليها هداية الخلق أو ضلالهم وسعادتهم وشقاؤهم، ومعلوم أن الصادق فيها
من أكمل
الخلق، والكاذب فيها من أخس الخلق وأكذبهم وأظلمهم، فحكمة الله ورحمته
بعباده
أن يكون بينهما من الفروق ما يتبين لكل من له عقل، ثم أخبر عيسى عليه
السلام أن
شريعة الإنجيل شريعة فيها سهولة ويسرة فقال


{ ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم }

فدل ذلك على أن أكثر أحكام التوراة لم ينسخها الإنجيل بل كان متمما لها
ومقررا


{ وجئتكم بآية من ربكم }

تدل على صدقي ووجوب اتباعي، وهي ما تقدم من الآيات، والمقصود من ذلك
كله قوله


{ فاتقوا الله }

بفعل ما أمر به وترك ما نهى عنه وأطيعوني فإن طاعة الرسول طاعة لله.




{ إن الله ربي وربكم فاعبدوه }

استدل بتوحيد الربوبية الذي يقر به كل أحد على توحيد الإلهية الذي
ينكره
المشركون، فكما أن الله هو الذي خلقنا ورزقنا وأنعم علينا نعما ظاهرة
وباطنة،
فليكن هو معبودنا الذي نألهه بالحب والخوف والرجاء والدعاء والاستعانة
وجميع
أنواع العبادة، وفي هذا رد على النصارى القائلين بأن عيسى إله أو ابن
الله،
وهذا إقراره عليه السلام بأنه عبد مدبر مخلوق، كما قال


{ إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا }


وقال تعالى:


{ وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من
دون
الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد
علمته }

إلى قوله


{ ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم }


وقوله


{ هذا }

أي: عبادة الله وتقواه وطاعة رسوله


{ صراط مستقيم }

موصل إلى الله وإلى جنته، وما عدا ذلك فهي طرق موصلة إلى الجحيم.




{ فلما أحس عيسى منهم الكفر }

أي: رأى منهم عدم الانقياد له، وقالوا هذا سحر مبين، وهموا بقتله وسعوا
في ذلك


{ قال من أنصاري إلى الله }

من يعاونني ويقوم معي بنصرة دين الله


{ قال الحواريون }

وهم الأنصار


{ نحن أنصار الله }

أي: انتدبوا معه وقاموا بذلك.




وقالوا:


{ آمنا بالله }



{ فاكتبنا مع الشاهدين }

أي: الشهادة النافعة، وهي الشهادة بتوحيد الله وتصديق رسوله مع القيام
بذلك،
فلما قاموا مع عيسى بنصر دين الله وإقامة شرعه آمنت طائفة من بني
إسرائيل وكفرت
طائفة، فاقتتلت الطائفتان فأيد الله الذين آمنوا بنصره على عدوهم
فأصبحوا
ظاهرين، فلهذا قال تعالى هنا


{ ومكروا }

أي: الكفار بإرادة قتل نبي الله وإطفاء نوره


{ ومكر الله }

بهم جزاء لهم على مكرهم


{ والله خير الماكرين }

رد الله كيدهم في نحورهم، فانقلبوا خاسرين.




{ إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا }


فرفع الله عبده ورسوله عيسى إليه، وألقي شبهه على غيره، فأخذوا من ألقي
شبهه
عليه فقتلوه وصلبوه، وباءوا بالإثم العظيم بنيتهم أنه رسول الله، قال
الله


{ وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم }

وفي هذه الآية دليل على علو الله تعالى واستوائه على عرشه حقيقة، كما
دلت على
ذلك النصوص القرآنية والأحاديث النبوية التي تلقاها أهل السنة بالقبول
والإيمان
والتسليم، وكان الله عزيزا قويا قاهرا، ومن عزته أن كف بني إسرائيل بعد
عزمهم
الجازم وعدم المانع لهم عن قتل عيسى عليه السلام، كما قال تعالى


{ وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم
إن هذا
إلا سحر مبين }

حكيم يضع الأشياء مواضعها، وله أعظم حكمة في إلقاء الشبه على بني
إسرائيل،
فوقعوا في الشبه كما قال تعالى


{ وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن
وما قتلوه
يقينا }

ثم قال تعالى:


{ وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة }


وتقدم أن الله أيد المؤمنين منهم على الكافرين، ثم إن النصارى
المنتسبين لعيسى
عليه السلام لم يزالوا قاهرين لليهود لكون النصارى أقرب إلى اتباع عيسى
من
اليهود، حتى بعث الله نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم فكان المسلمون هم

المتبعين لعيسى حقيقة، فأيدهم الله ونصرهم على اليهود والنصارى وسائر
الكفار،
وإنما يحصل في بعض الأزمان إدالة الكفار من النصارى وغيرهم على
المسلمين، حكمة
من الله وعقوبة على تركهم لاتباع الرسول صلى الله عليه وسلم


{ ثم إلي مرجعكم }

أي: مصير الخلائق كلها


{ فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون }

كل يدعي أن الحق معه وأنه المصيب وغيره مخطئ، وهذا مجرد دعاوى تحتاج
إلى برهان.




ثم أخبر عن حكمه بينهم بالقسط والعدل، فقال


{ فأما الذين كفروا }

أي: بالله وآياته ورسله


{ فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والآخرة }


أما عذاب الدنيا، فهو ما أصابهم الله به من القوارع والعقوبات المشاهدة
والقتل
والذل، وغير ذلك مما هو نموذج من عذاب الآخرة، وأما عذاب الآخرة فهو
الطامة
الكبرى والمصيبة العظمى، ألا وهو عذاب النار وغضب الجبار وحرمانهم ثواب
الأبرار


{ وما لهم من ناصرين }

ينصرونهم من عذاب الله، لا من زعموا أنهم شفعاء لهم عند الله، ولا ما
اتخذوهم
أولياء من دونه، ولا أصدقائهم وأقربائهم، ولا أنفسهم ينصرون.




{ وأما الذين آمنوا }

بالله وملائ
avatar
Admin
مدير الموقع
مدير الموقع

عدد المساهمات : 145
نقاط : 319
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 14/02/2013
العمر : 29
الموقع : http://www.shbaboffline.net/vb/

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://wsam.jordanforum.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: لنعرف الآية الكريمة وسبب نزولها

مُساهمة من طرف Admin في الخميس فبراير 21, 2013 5:52 am

-

تفسير سورة آل عمران



عدد آياتها 200


(


آية



78-101

)

وهي مدنية



{

78


}

{ وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ
لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ
وَيَقُولُونَ هُوَ
مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ
عَلَى
اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ }




يخبر تعالى أن من أهل الكتاب فريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب، أي: يميلونه

ويحرفونه عن المقصود به، وهذا يشمل اللي والتحريف لألفاظه ومعانيه،
وذلك أن
المقصود من الكتاب حفظ ألفاظه وعدم تغييرها، وفهم المراد منها وإفهامه،
وهؤلاء
عكسوا القضية وأفهموا غير المراد من الكتاب، إما تعريضا وإما تصريحا،
فالتعريض
في قوله


{ لتحسبوه من الكتاب }

أي: يلوون ألسنتهم ويوهمونكم أنه هو المراد من كتاب الله، وليس هو
المراد،
والتصريح في قولهم:


{ ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب
وهم
يعلمون }

وهذا أعظم جرما ممن يقول على الله بلا علم، هؤلاء يقولون على الله
الكذب
فيجمعون بين نفي المعنى الحق، وإثبات المعنى الباطل، وتنزيل اللفظ
الدال على
الحق على المعنى الفاسد، مع علمهم بذلك.







{ 79 - 80 } { مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ
وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا
لِي مِنْ
دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ
تُعَلِّمُونَ
الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ
تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ

بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ }




وهذه الآية نزلت ردا لمن قال من أهل الكتاب للنبي صلى الله عليه وسلم
لما أمرهم
بالإيمان به ودعاهم إلى طاعته: أتريد يا محمد أن نعبدك مع الله، فقوله


{ ما كان لبشر }

أي: يمتنع ويستحيل على بشر من الله عليه بإنزال الكتاب وتعليمه ما لم
يكن يعلم
وإرساله للخلق


{ أن يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله }


فهذا من أمحل المحال صدوره من أحد من الأنبياء عليهم أفضل الصلاة
والسلام، لأن
هذا أقبح الأوامر على الإطلاق، والأنبياء أكمل الخلق على الإطلاق،
فأوامرهم
تكون مناسبة لأحوالهم، فلا يأمرون إلا بمعالي الأمور وهم أعظم الناس
نهيا عن
الأمور القبيحة، فلهذا قال


{ ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون }


أي: ولكن يأمرهم بأن يكونوا ربانيين، أي: علماء حكماء حلماء معلمين
للناس
ومربيهم، بصغار العلم قبل كباره، عاملين بذلك، فهم يأمرون بالعلم
والعمل
والتعليم التي هي مدار السعادة، وبفوات شيء منها يحصل النقص والخلل،
والباء في
قوله


{ بما كنتم تعلمون }

إلخ، باء السببية، أي: بسبب تعليمكم لغيركم المتضمن لعلمكم ودرسكم
لكتاب الله
وسنة نبيه، التي بدرسها يرسخ العلم ويبقى، تكونون ربانيين.




{ ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا }


وهذا تعميم بعد تخصيص، أي: لا يأمركم بعبادة نفسه ولا بعبادة أحد من
الخلق من
الملائكة والنبيين وغيرهم


{ أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون }

هذا ما لا يكون ولا يتصور أن يصدر من أحد من الله عليه بالنبوة، فمن
قدح في أحد
منهم بشيء من ذلك فقد ارتكب إثما عظيما وكفرا وخيما.







{ 81 - 82 } { وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا
آتَيْتُكُمْ
مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا
مَعَكُمْ
لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ
وَأَخَذْتُمْ عَلَى
ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا
مَعَكُمْ مِنَ
الشَّاهِدِينَ * فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ
الْفَاسِقُونَ
}




يخبر تعالى أنه أخذ ميثاق النبيين وعهدهم المؤكد بسبب ما أعطاهم من
كتاب الله
المنزل، والحكمة الفاصلة بين الحق والباطل والهدى والضلال، إنه إن بعث
الله
رسولا مصدقا لما معهم أن يؤمنوا به ويصدقوه ويأخذوا ذلك على أممهم،
فالأنبياء
عليهم الصلاة والسلام قد أوجب الله عليهم أن يؤمن بعضهم ببعض، ويصدق
بعضهم بعضا
لأن جميع ما عندهم هو من عند الله، وكل ما من عند الله يجب التصديق به
والإيمان، فهم كالشيء الواحد، فعلى هذا قد علم أن محمدا صلى الله عليه
وسلم هو
خاتمهم، فكل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لو أدركوه لوجب عليهم
الإيمان به
واتباعه ونصرته، وكان هو إمامهم ومقدمهم ومتبوعهم، فهذه الآية الكريمة
من أعظم
الدلائل على علو مرتبته وجلالة قدره، وأنه أفضل الأنبياء وسيدهم صلى
الله عليه
وسلم لما قررهم تعالى


{ قالوا أقررنا }

أي: قبلنا ما أمرتنا به على الرأس والعين


{ قال }

الله لهم:


{ فاشهدوا }

على أنفسكم وعلى أممكم بذلك، قال


{ وأنا معكم من الشاهدين فمن تولى بعد ذلك }


العهد والميثاق المؤكد بالشهادة من الله ومن رسله


{ فأولئك هم الفاسقون }

فعلى هذا كل من ادعى أنه من أتباع الأنبياء كاليهود والنصارى ومن
تبعهم، فقد
تولوا عن هذا الميثاق الغليظ، واستحقوا الفسق الموجب للخلود في النار
إن لم
يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم.







{ 83 } { أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي

السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ }





أي: أيطلب الطالبون ويرغب الراغبون في غير دين الله؟ لا يحسن هذا ولا
يليق،
لأنه لا أحسن دينا من دين الله


{ وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها }


أي: الخلق كلهم منقادون بتسخيره مستسلمون له طوعا واختيارا، وهم
المؤمنون
المسلمون المنقادون لعبادة ربهم، وكرها وهم سائر الخلق، حتى الكافرون
مستسلمون
لقضائه وقدره لا خروج لهم عنه، ولا امتناع لهم منه، وإليه مرجع الخلائق
كلها،
فيحكم بينهم ويجازيهم بحكمه الدائر بين الفضل والعدل.




{ 84 } { قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا
أُنْزِلَ
عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ
وَالْأَسْبَاطِ
وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا
نُفَرِّقُ
بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ }




تقدم نظير هذه الآية في سورة البقرة، ثم قال تعالى.







{ 85 } { وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ
مِنْهُ
وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ }




أي: من يدين لله بغير دين الإسلام الذي ارتضاه الله لعباده، فعمله
مردود غير
مقبول، لأن دين الإسلام هو المتضمن للاستسلام لله، إخلاصا وانقيادا
لرسله فما
لم يأت به العبد لم يأت بسبب النجاة من عذاب الله والفوز بثوابه، وكل
دين سواه
فباطل، ثم قال تعالى:







{ 86 - 88 } { كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ
إِيمَانِهِمْ
وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ
وَاللَّهُ لَا
يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ
عَلَيْهِمْ
لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ *
خَالِدِينَ فِيهَا
لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ }




هذا من باب الاستبعاد، أي: من الأمر البعيد أن يهدي الله قوما اختاروا
الكفر
والضلال بعدما آمنوا وشهدوا أن الرسول حق بما جاءهم به من الآيات
البينات
والبراهين القاطعات


{ والله لا يهدي القوم الظالمين }

فهؤلاء ظلموا وتركوا الحق بعدما عرفوه، واتبعوا الباطل مع علمهم
ببطلانه ظلما
وبغيا واتباعا لأهوائهم، فهؤلاء لا يوفقون للهداية، لأن الذي يرجى أن
يهتدي هو
الذي لم يعرف الحق وهو حريص على التماسه، فهذا بالحري أن ييسر الله له
أسباب
الهداية ويصونه من أسباب الغواية.




ثم أخبر عن عقوبة هؤلاء المعاندين الظالمين الدنيوية والأخروية، فقال


{ أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين خالدين
فيها لا
يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون }

أي: لا يفتر عنهم العذاب ساعة ولا لحظة، لا بإزالته أو إزالة بعض شدته،


{ ولا هم ينظرون }

أي: يمهلون، لأن زمن الإمهال قد مضى، وقد أعذر الله منهم وعمرهم ما
يتذكر فيه
من تذكر، فلو كان فيهم خير لوجد، ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه.







{ 90 - 91 } { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ
ازْدَادُوا
كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ *
إِنَّ
الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ
أَحَدِهِمْ
مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ
عَذَابٌ
أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ }




يخبر تعالى أن من كفر بعد إيمانه، ثم ازداد كفرا إلى كفره بتماديه في
الغي
والضلال، واستمراره على ترك الرشد والهدى، أنه لا تقبل توبتهم، أي: لا
يوفقون
لتوبة تقبل بل يمدهم الله في طغيانهم يعمهون، قال تعالى


{ ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة }



{ فلما زغوا أزاغ الله قلوبهم }

فالسيئات ينتج بعضها بعضا، وخصوصا لمن أقدم على الكفر العظيم وترك
الصراط
المستقيم، وقد قامت عليه الحجة ووضح الله له الآيات والبراهين، فهذا هو
الذي
سعى في قطع أسباب رحمة ربه عنه، وهو الذي سد على نفسه باب التوبة،
ولهذا حصر
الضلال في هذا الصنف، فقال


{ وأولئك هم الضالون }

وأي: ضلال أعظم من ضلال من ترك الطريق عن بصيرة، وهؤلاء الكفرة إذا
استمروا على
كفرهم إلى الممات تعين هلاكهم وشقاؤهم الأبدي، ولم ينفعهم شيء، فلو
أنفق أحدهم
ملء الأرض ذهبا ليفتدي به من عذاب الله ما نفعه ذلك، بل لا يزالون في
العذاب
الأليم، لا شافع لهم ولا ناصر ولا مغيث ولا مجير ينقذهم من عذاب الله
فأيسوا من
كل خير، وجزموا على الخلود الدائم في العقاب والسخط، فعياذا بالله من
حالهم.




{ 92 } { لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ
وَمَا
تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ }




هذا حث من الله لعباده على الإنفاق في طرق الخيرات، فقال


{ لن تنالوا }

أي: تدركوا وتبلغوا البر الذي هو كل خير من أنواع الطاعات وأنواع
المثوبات
الموصل لصاحبه إلى الجنة،


{ حتى تنفقوا مما تحبون }

أي: من أموالكم النفيسة التي تحبها نفوسكم، فإنكم إذا قدمتم محبة الله
على محبة
الأموال فبذلتموها في مرضاته، دل ذلك على إيمانكم الصادق وبر قلوبكم
ويقين
تقواكم، فيدخل في ذلك إنفاق نفائس الأموال، والإنفاق في حال حاجة
المنفق إلى ما
أنفقه، والإنفاق في حال الصحة، ودلت الآية أن العبد بحسب إنفاقه
للمحبوبات يكون
بره، وأنه ينقص من بره بحسب ما نقص من ذلك، ولما كان الإنفاق على أي:
وجه كان
مثابا عليه العبد، سواء كان قليلا أو كثيرا، محبوبا للنفس أم لا، وكان
قوله


{ لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون }


مما يوهم أن إنفاق غير هذا المقيد غير نافع، احترز تعالى عن هذا الوهم
بقوله


{ وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم }

فلا يضيق عليكم، بل يثيبكم عليه على حسب نياتكم ونفعه.



تفسير
الجزء الرابع



{ 93 - 95 } { كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ
إِلَّا مَا
حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ
التَّوْرَاةُ
قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ *
فَمَنِ
افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ

الظَّالِمُونَ * قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ
إِبْرَاهِيمَ
حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ }




وهذا رد على اليهود بزعمهم الباطل أن النسخ غير جائز، فكفروا بعيسى
ومحمد صلى
الله عليهما وسلم، لأنهما قد أتيا بما يخالف بعض أحكام التوراة
بالتحليل
والتحريم فمن تمام الإنصاف في المجادلة إلزامهم بما في كتابهم التوراة
من أن
جميع أنواع الأطعمة محللة لبني إسرائيل


{ إلا ما حرم إسرائيل }

وهو يعقوب عليه السلام


{ على نفسه }

أي: من غير تحريم من الله تعالى، بل حرمه على نفسه لما أصابه عرق النسا
نذر لئن
شفاه الله تعالى ليحرمن أحب الأطعمة عليه، فحرم فيما يذكرون لحوم الإبل

وألبانها وتبعه بنوه على ذلك وكان ذلك قبل نزول التوراة، ثم نزل في
التوراة
أشياء من المحرمات غير ما حرم إسرائيل مما كان حلالا لهم طيبا، كما قال
تعالى


{ فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم }

وأمر الله رسوله إن أنكروا ذلك أن يأمرهم بإحضار التوراة، فاستمروا بعد
هذا على
الظلم والعناد، فلهذا قال تعالى


{ فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون }

وأي: ظلم أعظم من ظلم من يدعى إلى تحكيم كتابه فيمتنع من ذلك عنادا
وتكبرا
وتجبرا، وهذا من أعظم الأدلة على صحة نبوة نبينا محمد صلى الله عليه
وسلم وقيام
الآيات البينات المتنوعات على صدقه وصدق من نبأه وأخبره بما أخبره به
من الأمور
التي لا يعلمها إلا بإخبار ربه له بها، فلهذا قال تعالى


{ قل صدق الله }

أي: فيما أخبر به وحكم، وهذا أمر من الله لرسوله ولمن يتبعه أن يقولوا
بألسنتهم: صدق الله، معتقدين بذلك في قلوبهم عن أدلة يقينية، مقيمين
هذه
الشهادة على من أنكرها، ومن هنا تعلم أن أعظم الناس تصديقا لله أعظمهم
علما
ويقينا بالأدلة التفصيلية السمعية والعقلية، ثم أمرهم باتباع ملة أبيهم
إبراهيم
عليه السلام بالتوحيد وترك الشرك الذي هو مدار السعادة، وبتركه حصول
الشقاوة،
وفي هذا دليل على أن اليهود وغيرهم ممن ليس على ملة إبراهيم مشركون غير
موحدين،
ولما أمرهم باتباع ملة إبراهيم في التوحيد وترك الشرك أمرهم باتباعه
بتعظيم
بيته الحرام بالحج وغيره، فقال:




{ 96 - 97 } { إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي
بِبَكَّةَ
مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ
إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ
حِجُّ
الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ
اللَّهَ
غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ }




يخبر تعالى عن شرف هذا البيت الحرام، وأنه أول بيت وضعه الله للناس،
يتعبدون
فيه لربهم فتغفر أوزارهم، وتقال عثارهم، ويحصل لهم به من الطاعات
والقربات ما
ينالون به رضى ربهم والفوز بثوابه والنجاة من عقابه، ولهذا قال:


{ مباركا }

أي: فيه البركة الكثيرة في المنافع الدينية والدنيوية كما قال تعالى


{ ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام }



{ وهدى للعالمين }

والهدى نوعان: هدى في المعرفة، وهدى في العمل، فالهدى في العمل ظاهر،
وهو ما
جعل الله فيه من أنواع التعبدات المختصة به، وأما هدى العلم فبما يحصل
لهم
بسببه من العلم بالحق بسبب الآيات البينات التي ذكر الله تعالى في قوله


{ فيه آيات بينات }

أي: أدلة واضحات، وبراهين قاطعات على أنواع من العلوم الإلهية والمطالب

العالية، كالأدلة على توحيده ورحمته وحكمته وعظمته وجلاله وكمال علمه
وسعة
جوده، وما مَنَّ به على أوليائه وأنبيائه، فمن الآيات


{ مقام إبراهيم }

يحتمل أن المراد به المقام المعروف وهو الحجر الذي كان يقوم عليه
الخليل لبنيان
الكعبة لما ارتفع البنيان، وكان ملصقا في جدار الكعبة، فلما كان عمر
رضي الله
عنه وضعه في مكانه الموجود فيه الآن، والآية فيه قيل أثر قدمي إبراهيم،
قد أثرت
في الصخرة وبقي ذلك الأثر إلى أوائل هذه الأمة، وهذا من خوارق العادات،
وقيل إن
الآية فيه ما أودعه الله في القلوب من تعظيمه وتكريمه وتشريفه
واحترامه، ويحتمل
أن المراد بمقام إبراهيم أنه مفرد مضاف يراد به مقاماته في مواضع
المناسك كلها،
فيكون على هذا جميع أجزاء الحج ومفرداته آيات بينات، كالطواف والسعي
ومواضعها،
والوقوف بعرفة ومزدلفة، والرمي، وسائر الشعائر، والآية في ذلك ما جعله
الله في
القلوب من تعظيمها واحترامها وبذل نفائس النفوس والأموال في الوصول
إليها وتحمل
كل مشقة لأجلها، وما في ضمنها من الأسرار البديعة والمعاني الرفيعة،
وما في
أفعالها من الحكم والمصالح التي يعجز الخلق عن إحصاء بعضها، ومن الآيات
البينات
فيها أن من دخله كان آمنا شرعا وقدرا، فالشرع قد أمر الله رسوله
إبراهيم ثم
رسوله محمد باحترامه وتأمين من دخله، وأن لا يهاج، حتى إن التحريم في
ذلك شمل
صيودها وأشجارها ونباتها، وقد استدل بهذه الآية من ذهب من العلماء أن
من جنى
جناية خارج الحرم ثم لجأ إليه أنه يأمن ولا يقام عليه الحد حتى يخرج
منه، وأما
تأمينها قدرا فلأن الله تعالى بقضائه وقدره وضع في النفوس حتى نفوس
المشركين به
الكافرين بربهم احترامه، حتى إن الواحد منهم مع شدة حميتهم ونعرتهم
وعدم
احتمالهم للضيم يجد أحدهم قاتل أبيه في الحرم فلا يهيجه، ومن جعله حرما
أن كل
من أراده بسوء فلا بد أن يعاقبه عقوبة عاجلة، كما فعل بأصحاب الفيل
وغيرهم، وقد
رأيت لابن القيم هاهنا كلاما حسنا أحببت إيراده لشدة الحاجة إليه قال
فائدة:


{ ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا }

"حج البيت" مبتدأ وخبره في أحد المجرورين قبله، والذي يقتضيه المعنى أن
يكون في
قوله: "على الناس" لأنه وجوب، والوجوب يقتضي "على" ويجوز أن يكون في
قوله:
"ولله" لأنه متضمن الوجوب والاستحقاق، ويرجح هذا التقدير أن الخبر محط
الفائدة
وموضعها، وتقديمه في هذا الباب في نية التأخير، فكان الأحسن أن يكون
"ولله على
الناس" . ويرجح الوجه الأول بأن يقال قوله: "حج البيت على الناس" أكثر
استعمالا
في باب الوجوب من أن يقال: "حج البيت لله" أي: حق واجب لله، فتأمله.
وعلى هذا
ففي تقديم المجرور الأول وليس بخبر فائدتان: إحداهما: أنه اسم للموجب
للحج،
فكان أحق بالتقديم من ذكر الوجوب، فتضمنت الآية ثلاثة أمور مرتبة بحسب
الوقائع:
أحدها: الموجب لهذا الفرض فبدأ بذكره، والثاني: مؤدي الواجب وهو
المفترض عليه
وهم الناس، والثالث: النسبة، والحق المتعلق به إيجابا وبهم وجوبا
وأداء، وهو
الحج.




والفائدة الثانية: أن الاسم المجرور من حيث كان اسما لله سبحانه، وجب
الاهتمام
بتقديمه تعظيما لحرمة هذا الواجب الذي أوجبه، وتخويفا من تضييعه، إذ
ليس ما
أوجبه الله سبحانه بمثابة ما يوجبه غيره.




وأما قوله: "مَنْ" فهي بدل، وقد استهوى طائفة من الناس القول بأنها
فاعل
بالمصدر، كأنه قال: أن يحج البيت من استطاع إليه سبيلا، وهذا القول
يضعف من
وجوه، منها: أن الحج فرض عين، ولو كان معنى الآية ما ذكره لأفهم فرض
الكفاية،
لأنه إذا حج المستطيعون برئت ذمم غيرهم، لأن المعنى يؤل إلى: ولله على
الناس حج
البيت مستطيعهم، فإذا أدى المستطيعون الواجب لم يبق واجبا على غير
المستطيعين،
وليس الأمر كذلك، بل الحج فرض عين على كل أحد، حج المستطيعون أو قعدوا،
ولكن
الله سبحانه عذر غير المستطيع بعجزه عن أداء الواجب، فلا يؤاخذه به ولا
يطالبه
بأدائه، فإذا حج سقط الفرض عن نفسه، وليس حج المستطيعين بمسقط الفرض عن

العاجزين، وإذا أردت زيادة إيضاح، فإذا قلت: واجب على أهل هذه الناحية
أن يجاهد
منهم الطائفة المستطيعون للجهاد، فإذا جاهدت تلك الطائفة انقطع تعلق
الوجوب في
غيرهم، وإذا قلت واجب على الناس كلهم أن يجاهد منهم المستطيع، كان
الوجوب
متعلقا بالجميع وعذر العاجز بعجزه، ففي نظم الآية على هذا الوجه دون أن
يقال:
ولله حج البيت على المستطيعين، هذه النكتة البديعة فتأملها.




الوجه الثاني: أن إضافة المصدر إلى الفاعل إذا وجد أولى من إضافته إلى
المفعول
ولا يعدل عن هذا الأصل إلا بدليل منقول، فلو كان من هو الفاعل لأضيف
المصدر
إليه فكان يقال: "ولله على الناس حج مَنْ استطاع" وحمله على باب
"يعجبني ضرب
زيد عمرا" وفيما يفصل فيه بين المصدر وفاعله المضاف إليه بالمفعول
والظرف حمل
على المكتوب المرجوح، وهي قراءة ابن عامر ( قتل أولادهم شركائهم )، فلا
يصار
إليه.وإذا ثبت أن "من" بدل بعض من كل وجب أن يكون في الكلام ضمير يعود
إلى
"الناس" كأنه قيل: من استطاع منهم، وحذف هذا الضمير في أكثر الكلام لا
يحسن،
وحسنه هاهنا أمور منها: أن "من" واقعة على من لا يعقل، كالاسم المبدل
منه
فارتبطت به، ومنها: أنها موصولة بما هو أخص من الاسم الأول، ولو كانت
الصلة أعم
لقبح حذف الضمير العائد، ومثال ذلك إذا قلت: رأيت إخوتك من ذهب إلى
السوق منهم،
كان قبيحا، لأن الذاهب إلى السوق أعم من الإخوة، وكذلك لو قلت: البس
الثياب ما
حسن وجمل، يريد منها، ولم يذكر الضمير كان أبعد في الجواز، لأن لفظ ما
حسن أعم
من الثياب.




وباب البعض من الكل أن يكون أخص من المبدل منه، فإذا كان أعم وأضفته
إلى ضمير
أو قيدته بضمير يعود إلى الأول ارتفع العموم وبقي الخصوص، ومما حسن حذف
المضاف
في هذه أيضا مع ما تقدم طول الكلام بالصلة والموصول.




وأما المجرور من قوله "لله" فيحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون في موضع من
سبيل،
كأنه نعت نكرة قدم عليها، لأنه لو تأخر لكان في موضع النعت لسبيل،
والثاني: أن
يكون متعلقا بسبيل، فإن قلت: كيف يتعلق به وليس فيه معنى الفعل؟ قيل:
السبيل
لما كان عبارة هاهنا عن الموصل إلى البيت من قوت وزاد ونحوهما، كان فيه
رائحة
الفعل، ولم يقصد به السبيل الذي هو الطريق، فصلح تعلق المجرور به،
واقتضى حسن
النظم وإعجاز اللفظ تقديم المجرور وإن كان موضعه التأخير، لأنه ضمير
يعود على
البيت، والبيت هو المقصود به الاعتناء، وهم يقدمون في كلامهم ما هم به
أهم
وببيانه أعني هذا تقرير السهيلي، وهذا بعيد جدا بل الصواب في متعلق
الجار
والمجرور وجه آخر أحسن من هذين، ولا يليق بالآية سواه، وهو الوجوب
المفهوم من
قوله "على الناس" أي: يجب لله على الناس الحج، فهو حق واجب لله، وأما
تعليقه
بالسبيل وجعله حالا منها، ففي غاية البعد فتأمله، ولا يكاد يخطر بالبال
من
الآية، وهذا كما تقول: لله عليك الصلاة والزكاة والصيام.




ومن فوائد الآية وأسرارها أنه سبحانه إذا ذكر ما يوجبه ويحرمه يذكره
بلفظ الأمر
والنهي، وهو الأكثر، وبلفظ الإيجاب والكتابة والتحريم نحو


{ كتب عليكم الصيام }



{ حرمت عليكم الميتة }



{ قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم }


وفي الحج أتى بهذا اللفظ الدال على تأكد الوجوب من عشرة أوجه، أحدها
أنه قدم
اسمه تعالى وأدخل عليه لام الاستحقاق والاختصاص ثم ذكر من أوجبه عليهم
بصيغة
العموم الداخلة عليها حرف على أبدل منه أهل الاستطاعة، ثم نكر السبيل
في سياق
الشرط إيذانا بأنه يجب الحج على أي: سبيل تيسرت، من قوت أو مال، فعلق
الوجوب
بحصول ما يسمى سبيلا، ثم أتبع ذلك بأعظم التهديد بالكفر فقال


{ ومن كفر }

أي: لعدم التزامه هذا الواجب وتركه ثم عظم الشأن وأكد الوعيد بإخباره
ما يستغنى
به عنه، والله تعالى هو الغني الحميد، ولا حاجة به إلى حج أحد، وإنما
في ذكر
استغنائه عنه هنا من الإعلام بمقته له وسخطه عليه وإعراضه بوجهه عنه ما
هو أعظم
التهديد وأبلغه، ثم أكد ذلك بذكر اسم "العالمين" عموما، ولم يقل: فإن
الله غني
عنه، لأنه إذا كان غنيا عن العالمين كلهم فله الغنى الكامل التام من كل
وجه بكل
اعتبار، فكان أدل لعظم مقته لتارك حقه الذي أوجبه عليه، ثم أكد هذا
المعنى
بأداة "إن" الدالة على التأكيد، فهذه عشرة أوجه تقتضي تأكد هذا الفرض
العظيم.




وتأمل سر البدل في الآية المقتضي لذكر الإسناد مرتين، مرة بإسناده إلى
عموم
الناس، ومرة بإسناده إلى خصوص المستطيعين، وهذا من فوائد البدل تقوية
المعنى
وتأكيده بتكرر الإسناد ولهذا كان في نية تكرار العامل وإعادته.




ثم تأمل ما في الآية من الإيضاح بعد الإبهام والتفصيل بعد الإجمال،
وكيف تضمن
ذلك إيراد الكلام في صورتين وخلتين، اعتناء به وتأكيد لشأنه، ثم تأمل
كيف افتتح
هذا الإيجاب بذكر محاسن البيت وعظم شأنه بما تدعوا النفوس إلى قصده
وحجه وان لم
يطلب ذلك منها، فقال:


{ إن أول بيت }

إلخ، فوصفه بخمس صفات: أحدها كونه أسبق بيوت العالم وضع في الأرض،
الثاني: أنه
مبارك، والبركة كثرة الخير ودوامه، وليس في بيوت العالم أبرك منه ولا
أكثر خيرا
ولا أدوم ولا أنفع للخلائق، الثالث: أنه هدى، ووصفه بالمصدر نفسه
مبالغة، حتى
كأنه نفس الهدى، الرابع ما تضمن من الآيات البينات التي تزيد على
أربعين آية،
الخامس: الأمن الحاصل لداخله، وفي وصفه بهذه الصفات دون إيجاب قصده ما
يبعث
النفوس على حجه وإن شطت بالزائرين الديار وتناءت بهم الأقطار، ثم أتبع
ذلك
بصريح الوجوب المؤكد بتلك التأكيدات، وهذا يدل على الاعتناء منه سبحانه
لهذا
البيت العظيم، والتنويه بذكره، والتعظيم لشأنه، والرفعة من قدره، ولو
لم يكن له
شرف إلا إضافته إياه إلى نفسه بقوله


{ وطهر بيتي }

لكفى بهذه الإضافة فضلا وشرفا، وهذه الإضافة هي التي أقبلت بقلوب
العالمين
إليه، وسلبت نفوسهم حباله وشوقا إلى رؤيته، فهذه المثابة للمحبين
يثوبون إليه
ولا يقضون منه وطرا أبدا، كلما ازدادوا له زيارة ازدادوا له حبا وإليه
اشتياقا،
فلا الوصال يشفيهم ولا البعاد يسليهم، كما قيل:







أطوف به والنفس بعد مشوقة





إليه وهل بعـد الطـواف تداني




وألثم منه الركـن أطلـب برد ما





بقلبي من شـوق ومن هيمان




فـوالله مـا ازداد إلا صبــابة





ولا القــلب إلا كثرة الخفقان




فيـا جنة المأوى ويا غاية المنى





ويا منيتي من دون كل أمـان




أبت غلبـات الشـوق إلا تقـربا





إليـك فمـا لي بالبـعاد يدان




ومـا كان صدى عنك صد ملالة





ولي شـاهد من مقلتي ولسان




دعوت اصطباري عنك بعدك والبكا





فلبى البكا والصبر عنك عصاني




وقـد زعموا أن المـحب إذا نأى





سيبلى هـواه بعد طـول زمان




ولـو كان هذا الزعم حقا لكان ذا





دواء الهوى في الناس كل زمان




بلى إنـه يبلـى والهـوى عـلى





حاله لم يبله الملـوان




وهذا محـب قاده الشوق والهوى





بغـير زمـام قائد وعنــان




أتاك عـلى بعد المـزار ولو ونت





مطيته جــاءت به القـدمان



انتهى كلامه رحمه الله تعالى.







{ 98 - 101 } { قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ
اللَّهِ
وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ * قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ
لِمَ
تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا
وَأَنْتُمْ
شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ * يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا
الْكِتَابَ
يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ * وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ
وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ
وَمَنْ
يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ }





يوبخ تعالى أهل الكتاب من اليهود والنصارى على كفرهم بآيات الله التي
أنزلها
الله على رسله، التي جعلها رحمة لعباده يهتدون بها إليه، ويستدلون بها
على جميع
المطالب المهمة والعلوم النافعة، فهؤلاء الكفرة جمعوا بين الكفر بها
وصد من آمن
بالله عنها وتحريفها وتعويجها عما جعلت له، وهم شاهدون بذلك عالمون بأن
ما
فعلوه أعظم الكفر الموجب لأعظم العقوبة


{ الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا
يفسدون }

فلهذا توعدهم هنا بقوله:


{ وما الله بغافل عما تعملون }

بل محيط بأعمالكم ونياتكم ومكركم السيء، فمجازيكم عليه أشر الجزاء لما
توعدهم
ووبخهم عطف برحمته وجوده وإحسانه وحذر عباده المؤمنين منهم لئلا يمكروا
بهم من
حيث لا يشعرون، فقال:


{ يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم
بعد
إيمانكم كافرين }

وذلك لحسدهم وبغيهم عليكم، وشدة حرصهم على ردكم عن دينكم، كما قال
تعالى:


{ ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند
أنفسهم
من بعد ما تبين لهم الحق }

ثم ذكر تعالى السبب الأعظم والموجب الأكبر لثبات المؤمنين على إيمانهم،
وعدم
تزلزلهم عن إيقانهم، وأن ذلك من أبعد الأشياء، فقال:


{ وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله }

أي: الرسول بين أظهركم يتلو عليكم آيات ربكم كل وقت، وهي الآيات
البينات التي
توجب القطع بموجبها والجزم بمقتضاها وعدم الشك فيما دلت عليه بوجه من
الوجوه،
خصوصا والمبين لها أفضل الخلق وأعلمهم وأفصحهم وأنصحهم وأرأفهم
بالمؤمنين،
الحريص على هداية الخلق وإرشادهم بكل طريق يقدر عليه، فصلوات الله
وسلامه عليه،
فلقد نصح وبلغ البلاغ المبين، فلم يبق في نفوس القائلين مقالا ولم يترك
لجائل
في طلب الخير مجالا، ثم أخبر أن من اعتصم به فتوكل عليه وامتنع بقوته
ورحمته عن
كل شر، واستعان به على كل خير


{ فقد هدي إلى صراط مستقيم }

موصل له إلى غاية المرغوب، لأنه جمع بين اتباع الرسول في أقواله
وأفعاله
وأحواله وبين الاعتصام بالله.
avatar
Admin
مدير الموقع
مدير الموقع

عدد المساهمات : 145
نقاط : 319
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 14/02/2013
العمر : 29
الموقع : http://www.shbaboffline.net/vb/

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://wsam.jordanforum.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: لنعرف الآية الكريمة وسبب نزولها

مُساهمة من طرف Admin في الخميس فبراير 21, 2013 5:54 am

-

تفسير سورة آل عمران


عدد آياتها 200
(


آية 102-126

)

وهي مدنية





{

102 - 103


}

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ
وَلَا
تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ
اللَّهِ
جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ
إِذْ
كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ
بِنِعْمَتِهِ
إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ
فَأَنْقَذَكُمْ
مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ
تَهْتَدُونَ }




هذا أمر من الله لعباده المؤمنين أن يتقوه حق تقواه، وأن يستمروا على
ذلك
ويثبتوا عليه ويستقيموا إلى الممات، فإن من عاش على شيء مات عليه، فمن
كان في
حال صحته ونشاطه وإمكانه مداوما لتقوى ربه وطاعته، منيبا إليه على
الدوام، ثبته
الله عند موته ورزقه حسن الخاتمة، وتقوى الله حق تقواه كما قال ابن
مسعود: وهو
أن يُطاع فلا يُعصى، ويُذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر، وهذه الآية بيان
لما
يستحقه تعالى من التقوى، وأما ما يجب على العبد منها، فكما قال تعالى:

{ فاتقوا الله ما استطعتم }

وتفاصيل التقوى المتعلقة بالقلب والجوارح كثيرة جدا، يجمعها فعل ما أمر
الله به
وترك كل ما نهى الله عنه، ثم أمرهم تعالى بما يعينهم على التقوى وهو
الاجتماع
والاعتصام بدين الله، وكون دعوى المؤمنين واحدة مؤتلفين غير مختلفين،
فإن في
اجتماع المسلمين على دينهم، وائتلاف قلوبهم يصلح دينهم وتصلح دنياهم
وبالاجتماع
يتمكنون من كل أمر من الأمور، ويحصل لهم من المصالح التي تتوقف على
الائتلاف ما
لا يمكن عدها، من التعاون على البر والتقوى، كما أن بالافتراق والتعادي
يختل
نظامهم وتنقطع روابطهم ويصير كل واحد يعمل ويسعى في شهوة نفسه، ولو أدى
إلى
الضرر العام، ثم ذكرهم تعالى نعمته وأمرهم بذكرها فقال:

{ واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء }

يقتل بعضكم بعضا، ويأخذ بعضكم مال بعض، حتى إن القبيلة يعادي بعضهم
بعضا، وأهل
البلد الواحد يقع بينهم التعادي والاقتتال، وكانوا في شر عظيم، وهذه
حالة العرب
قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم فلما بعثه الله وآمنوا به واجتمعوا
على
الإسلام وتآلفت قلوبهم على الإيمان كانوا كالشخص الواحد، من تآلف
قلوبهم
وموالاة بعضهم لبعض، ولهذا قال:

{ فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار }

أي: قد استحقيتم النار ولم يبق بينكم وبينها إلا أن تموتوا فتدخلوها

{ فأنقذكم منها }

بما مَنَّ عليكم من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم

{ كذلك يبين الله لكم آياته }

أي: يوضحها ويفسرها، ويبين لكم الحق من الباطل، والهدى من الضلال

{ لعلكم تهتدون }

بمعرفة الحق والعمل به، وفي هذه الآية ما يدل أن الله يحب من عباده أن
يذكروا
نعمته بقلوبهم وألسنتهم ليزدادوا شكرا له ومحبة، وليزيدهم من فضله
وإحسانه، وإن
من أعظم ما يذكر من نعمه نعمة الهداية إلى الإسلام، واتباع الرسول صلى
الله
عليه وسلم واجتماع كلمة المسلمين وعدم تفرقها.












{ 104 - 105 } { وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى
الْخَيْرِ
وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ
وَأُولَئِكَ هُمُ
الْمُفْلِحُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا
وَاخْتَلَفُوا مِنْ
بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ
عَظِيمٌ }





أي: وليكن منكم أيها المؤمنون الذين مَنَّ الله عليهم بالإيمان
والاعتصام بحبله

{ أمة }

أي: جماعة

{ يدعون إلى الخير }

وهو اسم جامع لكل ما يقرب إلى الله ويبعد من سخطه

{ ويأمرون بالمعروف }

وهو ما عرف بالعقل والشرع حسنه

{ وينهون عن المنكر }

وهو ما عرف بالشرع والعقل قبحه، وهذا إرشاد من الله للمؤمنين أن يكون
منهم
جماعة متصدية للدعوة إلى سبيله وإرشاد الخلق إلى دينه، ويدخل في ذلك
العلماء
المعلمون للدين، والوعاظ الذين يدعون أهل الأديان إلى الدخول في دين
الإسلام،
ويدعون المنحرفين إلى الاستقامة، والمجاهدون في سبيل الله، والمتصدون
لتفقد
أحوال الناس وإلزامهم بالشرع كالصلوات الخمس والزكاة والصوم والحج وغير
ذلك من
شرائع الإسلام، وكتفقد المكاييل والموازين وتفقد أهل الأسواق ومنعهم من
الغش
والمعاملات الباطلة، وكل هذه الأمور من فروض الكفايات كما تدل عليه
الآية
الكريمة في قوله

{ ولتكن منكم أمة }

إلخ أي: لتكن منكم جماعة يحصل المقصود بهم في هذه الأشياء المذكورة،
ومن
المعلوم المتقرر أن الأمر بالشيء أمر به وبما لا يتم إلا به فكل ما
تتوقف هذه
الأشياء عليه فهو مأمور به، كالاستعداد للجهاد بأنواع العدد التي يحصل
بها
نكاية الأعداء وعز الإسلام، وتعلم العلم الذي يحصل به الدعوة إلى الخير
وسائلها
ومقاصدها، وبناء المدارس للإرشاد والعلم، ومساعدة النواب ومعاونتهم على
تنفيذ
الشرع في الناس بالقول والفعل والمال، وغير ذلك مما تتوقف هذه الأمور
عليه،
وهذه الطائفة المستعدة للدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر هم
خواص المؤمنين، ولهذا قال تعالى عنهم:

{ وأولئك هم المفلحون }

الفائزون بالمطلوب، الناجون من المرهوب، ثم نهاهم عن التشبه بأهل
الكتاب في
تفرقهم واختلافهم، فقال:

{ ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا }


ومن العجائب أن اختلافهم

{ من بعد ما جاءهم البينات }

الموجبة لعدم التفرق والاختلاف، فهم أولى من غيرهم بالاعتصام بالدين،
فعكسوا
القضية مع علمهم بمخالفتهم أمر الله، فاستحقوا العقاب البليغ، ولهذا
قال تعالى:

{ وأولئك لهم عذاب عظيم }
















{ 106 - 108 } { يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ
فَأَمَّا
الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ
فَذُوقُوا
الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ
ابْيَضَّتْ
وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * تِلْكَ
آيَاتُ
اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا

لِلْعَالَمِينَ }





يخبر تعالى عن حال يوم القيامة وما فيه من آثار الجزاء بالعدل والفضل،
ويتضمن
ذلك الترغيب والترهيب الموجب للخوف والرجاء فقال:

{ يوم تبيض وجوه }

وهي وجوه أهل السعادة والخير، أهل الائتلاف والاعتصام بحبل الله

{ وتسود وجوه }

وهي وجوه أهل الشقاوة والشر، أهل الفرقة والاختلاف، هؤلاء اسودت وجوههم
بما في
قلوبهم من الخزي والهوان والذلة والفضيحة، وأولئك أبيضت وجوههم، لما في
قلوبهم
من البهجة والسرور والنعيم والحبور الذي ظهرت آثاره على وجوههم كما قال
تعالى:

{ ولقاهم نضرة وسرورا }

نضرة في وجوههم وسرورا في قلوبهم، وقال تعالى:

{ والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة كأنما أغشيت
وجوههم قطعا
من الليل مظلما أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون }


{ فأما الذين اسودت وجوههم }

فيقال لهم على وجه التوبيخ والتقريع:

{ أكفرتم بعد إيمانكم }

أي: كيف آثرتم الكفر والضلال على الإيمان والهدى؟ وكيف تركتم سبيل
الرشاد
وسلكتم طريق الغي؟

{ فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون }


فليس يليق بكم إلا النار، ولا تستحقون إلا الخزي والفضيحة والعار.











{ وأما الذين ابيضت وجوههم }

فيهنئون أكمل تهنئة ويبشرون أعظم بشارة، وذلك أنهم يبشرون بدخول الجنات
ورضى
ربهم ورحمته

{ ففي رحمة الله هم فيها خالدون }


وإذا كانوا خالدين في الرحمة، فالجنة أثر من آثار رحمته تعالى، فهم
خالدون فيها
بما فيها من النعيم المقيم والعيش السليم، في جوار أرحم الراحمين، لما
بين الله
لرسوله صلى الله عليه وسلم الأحكام الأمرية والأحكام الجزائية قال:

{ تلك آيات الله نتلوها }

أي: نقصها

{ عليك بالحق }

لأن أوامره ونواهيه مشتملة على الحكمة والرحمة وثوابها وعقابها، كذلك
مشتمل على
الحكمة والرحمة والعدل الخالي من الظلم، ولهذا قال:

{ وما الله يريد ظلما للعالمين }


نفى إرادته ظلمهم فضلا عن كونه يفعل ذلك فلا ينقص أحدا شيئا من حسناته،
ولا
يزيد في ظلم الظالمين، بل يجازيهم بأعمالهم فقط، ثم قال تعالى: .








{ 109 } { وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ
وَإِلَى
اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ }


أي: هو المالك لما في السماوات وما في الأرض، الذي خلقهم ورزقهم ويتصرف
فيهم
بقدره وقضائه، وفي شرعه وأمره، وإليه يرجعون يوم القيامة فيجازيهم
بأعمالهم
حسنها وسيئها.







{ 110 - 112 } { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ
تَأْمُرُونَ
بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
وَلَوْ
آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ
الْمُؤْمِنُونَ
وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ * لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ

يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ *
ضُرِبَتْ
عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ
اللَّهِ
وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ
عَلَيْهِمُ
الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ
اللَّهِ
وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا
وَكَانُوا
يَعْتَدُونَ }





يمدح تعالى هذه الأمة ويخبر أنها خير الأمم التي أخرجها الله للناس،
وذلك
بتكميلهم لأنفسهم بالإيمان المستلزم للقيام بكل ما أمر الله به،
وبتكميلهم
لغيرهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المتضمن دعوة الخلق إلى الله
وجهادهم
على ذلك وبذل المستطاع في ردهم عن ضلالهم وغيهم وعصيانهم، فبهذا كانوا
خير أمة
أخرجت للناس، لما كانت الآية السابقة وهي قوله:

{ ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر }

أمرا منه تعالى لهذه الأمة، والأمر قد يمتثله المأمور ويقوم به، وقد لا
يقوم
به، أخبر في هذه الآية أن الأمة قد قامت بما أمرها الله بالقيام به،
وامتثلت
أمر ربها واستحقت الفضل على سائر الأمم

{ ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم }


وفي هذا من دعوته بلطف الخطاب ما يدعوهم إلى الإيمان، ولكن لم يؤمن
منهم إلا
قليل، وأكثرهم الفاسقون الخارجون عن طاعة الله المعادون لأولياء الله
بأنواع
العداوة، ولكن من لطف الله بعباده المؤمنين أنه رد كيدهم في نحورهم،
فليس على
المؤمنين منهم ضرر في أديانهم ولا أبدانهم، وإنما غاية ما يصلون إليه
من الأذى
أذية الكلام التي لا سبيل إلى السلامة منها من كل معادي، فلو قاتلوا
المؤمنين
لولوا الأدبار فرارا ثم تستمر هزيمتهم ويدوم ذلهم ولا هم ينصرون في وقت
من
الأوقات، ولهذا أخبر تعالى أنه عاقبهم بالذلة في بواطنهم والمسكنة على
ظواهرهم،
فلا يستقرون ولا يطمئنون

{ إلا بحبل }

أي: عهد

{ من الله وحبل من الناس }

فلا يكون اليهود إلا تحت أحكام المسلمين وعهدهم، تؤخذ منهم الجزية
ويستذلون، أو
تحت أحكام النصارى وقد

{ باءوا }

مع ذلك

{ بغضب من الله }

وهذا أعظم العقوبات، والسبب الذي أوصلهم إلى هذه الحال ذكره الله
بقوله:

{ ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله }


التي أنزلها الله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم الموجبة لليقين
والإيمان،
فكفروا بها بغيا وعنادا

{ ويقتلون الأنبياء بغير حق }

أي: يقابلون أنبياء الله الذين يحسنون إليهم أعظم إحسان بأشر مقابلة،
وهو
القتل، فهل بعد هذه الجراءة والجناية شيء أعظم منها، وذلك كله بسبب
عصيانهم
واعتدائهم، فهو الذي جرأهم على الكفر بالله وقتل أنبياء الله، ثم قال
تعالى:














{ 113 - 115 } { لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ
قَائِمَةٌ
يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ *
يُؤْمِنُونَ
بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ
وَيَنْهَوْنَ
عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ
الصَّالِحِينَ * وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ
وَاللَّهُ
عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ }





لما بين تعالي الفرقة الفاسقة من أهل الكتاب وبين أفعالهم وعقوباتهم،





بين هاهنا الأمة المستقيمة، وبين أفعالها وثوابها، فأخبر أنهم لا
يستوون عنده،
بل بينهم من الفرق ما لا يمكن وصفه، فأما تلك الطائفة الفاسقة فقد مضى
وصفهم،
وأما هؤلاء المؤمنون، فقال تعالى منهم

{ أمة قائمة }

أي: مستقيمة على دين الله، قائمة بما ألزمها الله به من المأمورات، ومن
ذلك
قيامها بالصلاة

{ يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون }

وهذا بيان لصلاتهم في أوقات الليل وطول تهجدهم وتلاوتهم لكتاب ربهم
وإيثارهم
الخضوع والركوع والسجود له.






{ يؤمنون بالله واليوم الآخر }

أي: كإيمان المؤمنين إيمانا يوجب لهم الإيمان بكل نبي أرسله، وكل كتاب
أنزله
الله، وخص الإيمان باليوم الآخر لأن الإيمان الحقيقي باليوم الآخر يحث
المؤمن
به على ما يقر به إلى الله، ويثاب عليه في ذلك اليوم، وترك كل ما يعاقب
عليه في
ذلك اليوم

{ ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر }


فحصل منهم تكميل أنفسهم بالإيمان ولوازمه، وتكميل غيرهم بأمرهم بكل
خير، ونهيهم
عن كل شر، ومن ذلك حثهم أهل دينهم وغيرهم على الإيمان بمحمد صلى الله
عليه
وسلم، ثم وصفهم بالهمم العالية

{ و }

أنهم

{ يسارعون في الخيرات }

أي: يبادرون إليها فينتهزون الفرصة فيها، ويفعلونها في أول وقت
إمكانها، وذلك
من شدة رغبتهم في الخير ومعرفتهم بفوائده وحسن عوائده، فهؤلاء الذين
وصفهم الله
بهذه الصفات الجميلة والأفعال الجليلة

{ من الصالحين }

الذين يدخلهم الله في رحمته ويتغمدهم بغفرانه وينيلهم من فضله وإحسانه،
وأنهم
مهما فعلوا

{ من خير }

قليلا كان أو كثيرا

{ فلن يكفروه }

أي: لن يحرموه ويفوتوا أجره، بل يثيبهم الله على ذلك أكمل ثواب، ولكن
الأعمال
ثوابها تبع لما يقوم بقلب صاحبها من الإيمان والتقوى، فلهذا قال

{ والله عليم بالمتقين }

كما قال تعالى:

{ إنما يتقبل الله من المتقين }













{ 116 - 117 } { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ
أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ
أَصْحَابُ
النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ
الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ
قَوْمٍ
ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ
وَلَكِنْ
أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ }




يخبر تعالى أن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله
شيئا، أي:
لا تدفع عنهم شيئا من عذاب الله، ولا تجدي عليهم شيئا من ثواب الله،
كما قال
تعالى:

{ وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل
صالحا }

بل تكون أموالهم وأولادهم زادا لهم إلى النار، وحجة عليهم في زيادة نعم
الله
عليهم، تقتضي منهم شكرها، ويعاقبون على عدم القيام بها وعلى كفرها،
ولهذا قال:

{ أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون }







ثم ضرب مثلا لما ينفقه الكفار من أموالهم التي يصدون بها عن سبيل الله
ويستعينون بها على إطفاء نور الله، بأنها تبطل وتضمحل، كمن زرع زرعا
يرجو
نتيجته ويؤمل إدراك ريعه، فبينما هو كذلك إذ أصابته ريح فيها صر، أي:
برد شديد
محرق، فأهلكت زرعه، ولم يحصل له إلا التعب والعناء وزيادة الأسف، فكذلك
هؤلاء
الكفار الذين قال الله فيهم:

{ إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم
تكون عليهم
حسرة ثم يغلبون }


{ وما ظلمهم الله }

بإبطال أعمالهم

{ ولكن }

كانوا

{ أنفسهم يظلمون }

حيث كفروا بآيات الله وكذبوا رسوله وحرصوا على إطفاء نور الله، هذه
الأمور هي
التي أحبطت أعمالهم وذهبت بأموالهم، ثم قال تعالى:










{ 118 - 120 } { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا
بِطَانَةً
مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ
بَدَتِ
الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ
قَدْ
بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ * هَا أَنْتُمْ
أُولَاءِ
تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ
كُلِّهِ
وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ

الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ
عَلِيمٌ
بِذَاتِ الصُّدُورِ * إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ
تُصِبْكُمْ
سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا
يَضُرُّكُمْ
كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ }





ينهى تعالى عباده المؤمنين أن يتخذوا بطانة من المنافقين من أهل الكتاب
وغيرهم
يظهرونهم على سرائرهم أو يولونهم بعض الأعمال الإسلامية وذلك أنهم هم
الأعداء
الذين امتلأت قلوبهم من العداوة والبغضاء فظهرت على أفواههم

{ وما تخفي صدورهم أكبر }

مما يسمع منهم فلهذا

{ لا يألونكم خبالا }

أي: لا يقصرون في حصول الضرر عليكم والمشقة وعمل الأسباب التي فيها
ضرركم
ومساعدة الأعداء عليكم قال الله للمؤمنين

{ قد بينا لكم الآيات }

أي: التي فيها مصالحكم الدينية والدنيوية

{ لعلكم تعقلون }

فتعرفونها وتفرقون بين الصديق والعدو، فليس كل أحد يجعل بطانة، وإنما
العاقل من
إذا ابتلي بمخالطة العدو أن تكون مخالطة في ظاهره ولا يطلعه من باطنه
على شيء
ولو تملق له وأقسم أنه من أوليائه.








قال الله مهيجا للمؤمنين على الحذر من هؤلاء المنافقين من أهل الكتاب،
ومبينا
شدة عداوتهم

{ هاأنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله }

أي: جنس الكتب التي أنزلها الله على أنبيائه وهم لا يؤمنون بكتابكم، بل
إذا
لقوكم أظهروا لكم الإيمان

{ وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل }

وهي أطراف الأصابع من شدة غيظهم عليكم

{ قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور }

وهذا فيه بشارة للمؤمنين أن هؤلاء الذين قصدوا ضرركم لا يضرون إلا
أنفسهم، وإن
غيظهم لا يقدرون على تنفيذه، بل لا يزالون معذبين به حتى يموتوا
فيتنقلوا من
عذاب الدنيا إلى عذاب الآخرة.







{ إن تمسسكم حسنة }

كالنصر على الأعداء وحصول الفتح والغنائم

{ تسؤهم }

أي: تغمهم وتحزنهم

{ وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن
الله
بما يعملون محيط }

فإذا أتيتم بالأسباب التي وعد الله عليها النصر - وهي الصبر والتقوى-
لم يضركم
مكرهم، بل يجعل الله مكرهم في نحورهم لأنه محيط بهم علمه وقدرته فلا
منفذ لهم
عن ذلك ولا يخفى عليهم منهم شيء.






{ 121 - 122 } { وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ
الْمُؤْمِنِينَ
مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ *إِذْ هَمَّتْ
طَائِفَتَانِ
مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ
فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ }





هذه الآيات نزلت في وقعة "أُحد" وقصتها مشهورة في السير والتواريخ،
ولعل الحكمة
في ذكرها في هذا الموضع، وأدخل في أثنائها وقعة "بدر" لما أن الله
تعالى قد وعد
المؤمنين أنهم إذا صبروا واتقوا نصرهم، ورد كيد الأعداء عنهم، وكان هذا
حكما
عاما ووعدا صادقا لا يتخلف مع الإتيان بشرطه، فذكر نموذجا من هذا في
هاتين
القصتين، وأن الله نصر المؤمنين في "بدر" لما صبروا واتقوا، وأدال
عليهم العدو
لما صدر من بعضهم من الإخلال بالتقوى ما صدر، ومن حكمة الجمع بين
القصتين أن
الله يحب من عباده إذا أصابهم ما يكرهون أن يتذكروا ما يحبون، فيخف
عنهم البلاء
ويشكروا الله على نعمه العظيمة التي إذا قوبلت بما ينالهم من المكروه
الذي هو
في الحقيقة خير لهم، كان المكروه بالنسبة إلى المحبوب نزرا يسيرا، وقد
أشار
تعالى إلى هذه الحكمة في قوله

{ أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها }

وحاصل قضية "أحد" وإجمالها أن المشركين لما رجع فلهم من "بدر" إلى مكة،
وذلك في
سنة اثنتين من الهجرة، استعدوا بكل ما يقدرون عليه من العدد بالأموال
والرجال
والعدد، حتى اجتمع عندهم من ذلك ما جزموا بحصول غرضهم وشفاء غيظهم، ثم
وجهوا من
مكة للمدينة في ثلاثة آلاف مقاتل، حتى نزلوا قرب المدينة، فخرج النبي
صلى الله
عليه وسلم إليهم هو وأصحابه بعد المراجعة والمشاورة حتى استقر رأيهم
على
الخروج، وخرج في ألف، فلما ساروا قليلا رجع عبد الله بن أبي المنافق
بثلث الجيش
ممن هو على مثل طريقته، وهمت طائفتان من المؤمنين أن يرجعوا وهم بنو
سلمة وبنو
حارثة فثبتهم الله، فلما وصلوا إلى أحد رتبهم النبي صلى الله عليه وسلم
في
مواضعهم وأسندوا ظهورهم إلى أحد، ورتب النبي صلى الله عليه وسلم خمسين
رجلا من
أصحابه في خلة في جبل "أحد" وأمرهم أن يلزموا مكانهم ولا يبرحوا منه
ليأمنوا أن
يأتيهم أحد من ظهورهم، فلما التقى المسلمون والمشركون انهزم المشركون
هزيمة
قبيحة وخلفوا معسكرهم خلف ظهورهم، واتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون،
فلما رآهم
الرماة الذين جعلهم النبي صلى الله عليه وسلم في الجبل، قال بعضهم
لبعض:
الغنيمة الغنيمة، ما يقعدنا هاهنا والمشركون قد انهزموا، ووعظهم أميرهم
عبد
الله بن جبير عن المعصية فلم يلتفتوا إليه، فلما أخلوا موضعهم فلم يبق
فيه إلا
نفر يسير، منهم أميرهم عبد الله بن جبير، جاءت خيل المشركين من ذلك
الموضع
واستدبرت المسلمين وقاتلت ساقتهم، فجال المسلمون جولة ابتلاهم الله بها
وكفر
بها عنهم، وأذاقهم فيها عقوبة المخالفة، فحصل ما حصل من قتل من قتل
منهم، ثم
إنهم انحازوا إلى رأس جبل "أحد" وكف الله عنهم أيدي المشركين وانكفأوا
إلى
بلادهم، ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه المدينة قال الله
تعالى

{ وإذ غدوت من أهلك }

والغدو هاهنا مطلق الخروج، ليس المراد به الخروج في أول النهار، لأن
النبي صلى
الله عليه وسلم وأصحابه لم يخرجوا إلا بعدما صلوا الجمعة

{ تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال }

أي: تنزلهم وترتبهم كل في مقعده اللائق به، وفيها أعظم مدح للنبي صلى
الله عليه
وسلم حيث هو الذي يباشر تدبيرهم وإقامتهم في مقاعد القتال، وما ذاك إلا
لكمال
علمه ورأيه، وسداد نظره وعلو همته، حيث يباشر هذه الأمور بنفسه وشجاعته
الكاملة
صلوات الله وسلامه عليه

{ والله سميع }

لجميع المسموعات، ومنه أنه يسمع ما يقول المؤمنون والمنافقون كل يتكلم
بحسب ما
في قلبه

{ عليم }

بنيات العبيد، فيجازيهم عليها أتم الجزاء، وأيضا فالله سميع عليم بكم،
يكلؤكم،
ويتولى تدبير أموركم، ويؤيدكم بنصره كما قال تعالى لموسى وهارون

{ إنني معكما أسمع وأرى }

ومن لطفه بهم وإحسانه إليهم أنه، لما

{ همت طائفتان }

من المؤمنين بالفشل وهم بنو سلمة وبنو حارثة كما تقدم ثبتهما الله
تعالى نعمة
عليهما وعلى سائر المؤمنين، فلهذا قال

{ والله وليهما }

أي: بولايته الخاصة، التي هي لطفه بأوليائه، وتوفيقهم لما فيه صلاحهم
وعصمتهم
عما فيه مضرتهم، فمن توليه لهما أنهما لما هما بهذه المعصية العظيمة
وهي الفشل
والفرار عن رسول الله عصمهما، لما معهما من الإيمان كما قال تعالى:

{ الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور }

ثم قال

{ وعلى الله فليتوكل المؤمنون }

ففيها الأمر بالتوكل الذي هو اعتماد القلب على الله في جلب المنافع
ودفع
المضار، مع الثقة بالله، وأنه بحسب إيمان العبد يكون توكله، وأن
المؤمنين أولى
بالتوكل على الله من غيرهم، وخصوصا في مواطن الشدة والقتال، فإنهم
مضطرون إلى
التوكل والاستعانة بربهم والاستنصار له، والتبري من حولهم وقوتهم،
والاعتماد
على حول الله وقوته، فبذلك ينصرهم ويدفع عنهم البلايا والمحن، ثم قال
تعالى:
















{ 123 - 126 } { وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ
أَذِلَّةٌ
فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * إِذْ تَقُولُ
لِلْمُؤْمِنِينَ
أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ
مِنَ
الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ * بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا
وَيَأْتُوكُمْ
مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ
الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى
لَكُمْ
وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ
اللَّهِ
الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ }





وهذا امتنان منه على عباده المؤمنين، وتذكير لهم بما نصرهم به يوم بدر
وهم أذلة
في قلة عَددهم وعُددهم مع كثرة عدد عدوهم وعُددهم، وكانت وقعة بدر في
السنة
الثانية من الهجرة، خرج النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة بثلاث مئة
وبضعة
عشر من أصحابه، ولم يكن معهم إلا سبعون بعيرا وفرسان لطلب عير لقريش
قدمت من
الشام، فسمع به المشركون فتجهزوا من مكة لفكاك عيرهم، وخرجوا في زهاء
ألف مقاتل
مع العدة الكاملة والسلاح العام والخيل الكثيرة، فالتقوا همم والمسلمون
في ماء
يقال له "بدر" بين مكة والمدينة فاقتتلوا، ونصر الله المسلمين نصرا
عظيما،
فقتلوا من المشركين سبعين قتيلا من صناديد المشركين وشجعانهم، وأسروا
سبعين،
واحتووا على معسكرهم ستأتي - إن شاء الله - القصة في سورة الأنفال، فإن
ذلك
موضعها، ولكن الله تعالى هنا أتى بها ليتذكر بها المؤمنون ليتقوا ربهم
ويشكروه،
فلهذا قال

{ فاتقوا الله لعلكم تشكرون }

لأن من اتقى ربه فقد شكره، ومن ترك التقوى فلم يشكره، إذ تقول يا محمد
للمؤمنين
يوم بدر مبشرا لهم بالنصر.





{ ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين بلى إن
تصبروا
وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا }

أي: من مقصدهم هذا، وهو وقعة بدر

{ يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين }

أي: معلمين بعلامة الشجعان، فشرط الله لإمدادهم ثلاثة شروط: الصبر،
والتقوى،
وإتيان المشركين من فورهم هذا، فهذا الوعد بإنزال الملائكة المذكورين
وإمدادهم
بهم، وأما وعد النصر وقمع كيد الأعداء فشرط الله له الشرطين الأولين
كما تقدم
في قوله:

{ وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا }







{ وما جعله الله }

أي: إمداده لكم بالملائكة

{ إلا بشرى }

تستبشرون بها وتفرحون

{ ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله }

فلا تعتمدوا على ما معكم من الأسباب، بل الأسباب فيها طمأنينة لقلوبكم،
وأما
النصر الحقيقي الذي لا معارض له، فهو مشيئة الله لنصر من يشاء من
عباده، فإنه
إن شاء نصر من معه الأسباب كما هي سنته في خلقه، وإن شاء نصر
المستضعفين
الأذلين ليبين لعباده أن الأمر كله بيديه، ومرجع الأمور إليه، ولهذا
قال

{ عند الله العزيز }

فلا يمتنع عليه مخلوق، بل الخلق كلهم أذلاء مدبرون تحت تدبيره وقهره

{ الحكيم }

الذي يضع الأشياء مواضعها، وله الحكمة في إدالة الكفار في بعض الأوقات
على
المسلمين إدالة غير مستقرة، قال تعالى:

{ ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض }
.
avatar
Admin
مدير الموقع
مدير الموقع

عدد المساهمات : 145
نقاط : 319
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 14/02/2013
العمر : 29
الموقع : http://www.shbaboffline.net/vb/

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://wsam.jordanforum.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: لنعرف الآية الكريمة وسبب نزولها

مُساهمة من طرف Admin في الخميس فبراير 21, 2013 5:57 am

- تفسير سورة آل عمران عدد آياتها 200 ( آية 127-151 )
وهي مدنية

{ 127 } { لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ }

يخبر تعالى أن نصره عباده المؤمنين لأحد أمرين: إما أن يقطع طرفا من الذين كفروا، أي: جانبا منهم وركنا من أركانهم، إما بقتل، أو أسر، أو استيلاء على بلد، أو غنيمة مال، فيقوى بذلك المؤمنون ويذل الكافرون، وذلك لأن مقاومتهم ومحاربتهم للإسلام تتألف من أشخاصهم وسلاحهم وأموالهم وأرضهم فبهذه الأمور تحصل منهم المقاومة والمقاتلة فقطع شيء من ذلك ذهاب لبعض قوتهم، الأمر الثاني أن يريد الكفار بقوتهم وكثرتهم، طمعا في المسلمين، ويمنوا أنفسهم ذلك، ويحرصوا عليه غاية الحرص، ويبذلوا قواهم وأموالهم في ذلك، فينصر الله المؤمنين عليهم ويردهم خائبين لم ينالوا مقصودهم، بل يرجعون بخسارة وغم وحسرة، وإذا تأملت الواقع رأيت نصر الله لعباده المؤمنين دائرا بين هذين الأمرين، غير خارج عنهما إما نصر عليهم أو خذل لهم.


{ 128 - 129 } { لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ * وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ }

لما جرى يوم "أحد" ما جرى، وجرى على النبي صلى الله عليه وسلم مصائب، رفع الله بها درجته، فشج رأسه وكسرت رباعيته، قال "كيف يفلح قوم شجوا نبيهم" وجعل يدعو على رؤساء من المشركين مثل أبي سفيان بن حرب، وصفوان بن أمية وسهيل بن عمرو، والحارث بن هشام، أنزل الله تعالى على رسوله نهيا له عن الدعاء عليهم باللعنة والطرد عن رحمة الله { ليس لك من الأمر شيء } إنما عليك البلاغ وإرشاد الخلق والحرص على مصالحهم، وإنما الأمر لله تعالى هو الذي يدبر الأمور، ويهدي من يشاء ويضل من يشاء، فلا تدع عليهم بل أمرهم راجع إلى ربهم، إن اقتضت حكمته ورحمته أن يتوب عليهم ويمن عليهم بالإسلام فعل، وإن اقتضت حكمته إبقاءهم على كفرهم وعدم هدايتهم، فإنهم هم الذين ظلموا أنفسهم وضروها وتسببوا بذلك، فعل، وقد تاب الله على هؤلاء المعينين وغيرهم، فهداهم للإسلام رضي الله عنهم، وفي هذه الآية مما يدل على أن اختيار الله غالب على اختيار العباد، وأن العبد وإن ارتفعت درجته وعلا قدره قد يختار شيئا وتكون الخيرة والمصلحة في غيره، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم ليس له من الأمر شيء فغيره من باب أولى ففيها أعظم رد على من تعلق بالأنبياء أو غيرهم من الصالحين وغيرهم، وأن هذا شرك في العبادة، نقص في العقل، يتركون من الأمر كله له ويدعون من لا يملك من الأمر مثقال ذرة، إن هذا لهو الضلال البعيد، وتأمل كيف لما ذكر تعالى توبته عليهم أسند الفعل إليه، ولم يذكر منهم سببا موجبا لذلك، ليدل ذلك على أن النعمة محض فضله على عبده، من غير سبق سبب من العبد ولا وسيلة، ولما ذكر العذاب ذكر معه ظلمهم، ورتبه على العذاب بالفاء المفيدة للسببية، فقال { أو يعذبهم فإنهم ظالمون } ليدل ذلك على كمال عدل الله وحكمته، حيث وضع العقوبة موضعها، ولم يظلم عبده بل العبد هو الذي ظلم نفسه، ولما نفى عن رسوله أنه ليس له من الأمر شيء قرر من الأمر له فقال { ولله ما في السماوات وما في الأرض } من الملائكة والإنس والجن والحيوانات والأفلاك والجمادات كلها، وجميع ما في السماوات والأرض، الكل ملك لله مخلوقون مدبرون متصرف فيهم تصرف المماليك، فليس لهم مثقال ذرة من الملك، وإذا كانوا كذلك فهم دائرون بين مغفرته وتعذيبه فيغفر لمن يشاء بأن يهديه للإسلام فيغفر شركه ويمن عليه بترك العصيان فيغفر له ذنبه، { ويعذب من يشاء } بأن يكله إلى نفسه الجاهلة الظالمة المقتضية لعمل الشر فيعمل الشر ويعذبه على ذلك، ثم ختم الآية باسمين كريمين دالين على سعة رحمته وعموم مغفرته وسعة إحسانه وعميم إحسانه، فقال { والله غفور رحيم } ففيها أعظم بشارة بأن رحمته غلبت غضبه، ومغفرته غلبت مؤاخذته، فالآية فيها الإخبار عن حالة الخلق وأن منهم من يغفر الله له ومنهم من يعذبه، فلم يختمها باسمين أحدهما دال على الرحمة، والثاني دال على النقمة، بل ختمها باسمين كليهما يدل على الرحمة، فله تعالى رحمة وإحسان سيرحم بها عباده لا تخطر ببال بشر، ولا يدرك لها وصف، فنسأله تعالى أن يتغمدنا ويدخلنا برحمته في عباده الصالحين.

تم السفر الأول من هذا التفسير المبارك بيسر من الله وإعانة، فله الحمد والشكر والثناء، وأسأله المزيد من فضله وكرمه وإحسانه، ويليه المجلد الثاني، أوله قول الباري جل جلاله { يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة } الآية وذلك في تسع وعشرين من شهر ربيع الأول من سنة 1343 ثلاث وأربعين وثلاث مئة وألف من الهجرة النبوية وصلى الله على محمد وسلم تسليما كثيرا بقلم جامعه عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله السعدي غفر الله له ولوالديه وإخوانه المسلمين، والحمد لله رب العالمين.

تم المجلد الأول بحمد الله

المجلد الثاني من تيسير الكريم المنان في تفسير كلام الرحمن لجامعه الفقير إلى الله: عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله بن سعدي غفر الله له ولوالديه وللمسلمين آمين.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا قال تعالى:


{ 130 - 136 } { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ }

تقدم في مقدمة هذا التفسير أن العبد ينبغي له مراعاة الأوامر والنواهي في نفسه وفي غيره، وأن الله تعالى إذا أمره بأمر وجب عليه -أولا- أن يعرف حده، وما هو الذي أمر به ليتمكن بذلك من امتثاله، فإذا عرف ذلك اجتهد، واستعان بالله على امتثاله في نفسه وفي غيره، بحسب قدرته وإمكانه، وكذلك إذا نهي عن أمر عرف حده، وما يدخل فيه وما لا يدخل، ثم اجتهد واستعان بربه في تركه، وأن هذا ينبغي مراعاته في جميع الأوامر الإلهية والنواهي، وهذه الآيات الكريمات قد اشتملت عن أوامر وخصال من خصال الخير، أمر الله [بها] وحث على فعلها، وأخبر عن جزاء أهلها، وعلى نواهي حث على تركها.

ولعل الحكمة -والله أعلم- في إدخال هذه الآيات أثناء قصة "أحد" أنه قد تقدم أن الله تعالى وعد عباده المؤمنين، أنهم إذا صبروا واتقوا نصرهم على أعدائهم، وخذل الأعداء عنهم، كما في قوله تعالى: { وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا }

ثم قال: { بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم } الآيات.

فكأن النفوس اشتاقت إلى معرفة خصال التقوى، التي يحصل بها النصر والفلاح والسعادة، فذكر الله في هذه الآيات أهم خصال التقوى التي إذا قام العبد بها فقيامه بغيرها من باب أولى وأحرى، ويدل على ما قلنا أن الله ذكر لفظ "التقوى" في هذه الآيات ثلاث مرات: مرة مطلقة وهي قوله: { أعدت للمتقين } ومرتين مقيدتين، فقال: { واتقوا الله } { واتقوا النار } فقوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا } كل ما في القرآن من قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا } افعلوا كذا، أو اتركوا كذا، يدل على أن الإيمان هو السبب الداعي والموجب لامتثال ذلك الأمر، واجتناب ذلك النهي؛ لأن الإيمان هو التصديق الكامل بما يجب التصديق به، المستلزم لأعمال الجوارح، فنهاهم عن أكل الربا أضعافا مضاعفة، وذلك هو ما اعتاده أهل الجاهلية، ومن لا يبالي بالأوامر الشرعية من أنه إذا حل الدين، على المعسر ولم يحصل منه شيء، قالوا له: إما أن تقضي ما عليك من الدين، وإما أن نزيد في المدة، ويزيد ما في ذمتك، فيضطر الفقير ويستدفع غريمه ويلتزم ذلك، اغتناما لراحته الحاضرة، ، فيزداد -بذلك- ما في ذمته أضعافا مضاعفة، من غير نفع وانتفاع.

ففي قوله: { أضعافًا مضاعفة } تنبيه على شدة شناعته بكثرته، وتنبيه لحكمة تحريمه، وأن تحريم الربا حكمته أن الله منع منه لما فيه من الظلم.

وذلك أن الله أوجب إنظار المعسر، وبقاء ما في ذمته من غير زيادة، فإلزامه بما فوق ذلك ظلم متضاعف، فيتعين على المؤمن المتقي تركه وعدم قربانه، لأن تركه من موجبات التقوى.

والفلاح متوقف على التقوى، فلهذا قال: { واتقوا الله لعلكم تفلحون واتقوا النار التي أعدت للكافرين } بترك ما يوجب دخولها، من الكفر والمعاصي، على اختلاف درجاتها، فإن المعاصي كلها- وخصوصا المعاصي الكبار- تجر إلى الكفر، بل هي من خصال الكفر الذي أعد الله النار لأهله، فترك المعاصي ينجي من النار، ويقي من سخط الجبار، وأفعال الخير والطاعة توجب رضا الرحمن، ودخول الجنان، وحصول الرحمة، ولهذا قال: { وأطيعوا الله والرسول } بفعل الأوامر امتثالا، واجتناب النواهي { لعلكم ترحمون }

فطاعة الله وطاعة رسوله، من أسباب حصول الرحمة كما قال تعالى: { ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة } الآيات.

ثم أمرهم تعالى بالمسارعة إلى مغفرته وإدراك جنته التي عرضها السماوات والأرض، فكيف بطولها، التي أعدها الله للمتقين، فهم أهلها وأعمال التقوى هي الموصلة إليها، ثم وصف المتقين وأعمالهم، فقال: { الذين ينفقون في السراء والضراء } أي: في حال عسرهم ويسرهم، إن أيسروا أكثروا من النفقة، وإن أعسروا لم يحتقروا من المعروف شيئا ولو قل.

{ والكاظمين الغيظ } أي: إذا حصل لهم من غيرهم أذية توجب غيظهم -وهو امتلاء قلوبهم من الحنق، الموجب للانتقام بالقول والفعل-، هؤلاء لا يعملون بمقتضى الطباع البشرية، بل يكظمون ما في القلوب من الغيظ، ويصبرون عن مقابلة المسيء إليهم.

{ والعافين عن الناس } يدخل في العفو عن الناس، العفو عن كل من أساء إليك بقول أو فعل، والعفو أبلغ من الكظم، لأن العفو ترك المؤاخذة مع السماحة عن المسيء، وهذا إنما يكون ممن تحلى بالأخلاق الجميلة، وتخلى عن الأخلاق الرذيلة، وممن تاجر مع الله، وعفا عن عباد الله رحمة بهم، وإحسانا إليهم، وكراهة لحصول الشر عليهم، وليعفو الله عنه، ويكون أجره على ربه الكريم، لا على العبد الفقير، كما قال تعالى: { فمن عفا وأصلح فأجره على الله }

ثم ذكر حالة أعم من غيرها، وأحسن وأعلى وأجل، وهي الإحسان، فقال [تعالى]: { والله يحب المحسنين } والإحسان نوعان: الإحسان في عبادة الخالق. [والإحسان إلى المخلوق، فالإحسان في عبادة الخالق].

فسرها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك"

وأما الإحسان إلى المخلوق، فهو إيصال النفع الديني والدنيوي إليهم، ودفع الشر الديني والدنيوي عنهم، فيدخل في ذلك أمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر، وتعليم جاهلهم، ووعظ غافلهم، والنصيحة لعامتهم وخاصتهم، والسعي في جمع كلمتهم، وإيصال الصدقات والنفقات الواجبة والمستحبة إليهم، على اختلاف أحوالهم وتباين أوصافهم، فيدخل في ذلك بذل الندى وكف الأذى، واحتمال الأذى، كما وصف الله به المتقين في هذه الآيات، فمن قام بهذه الأمور، فقد قام بحق الله وحق عبيده.

ثم ذكر اعتذارهم لربهم من جناياتهم وذنوبهم، فقال: { والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم } أي: صدر منهم أعمال [سيئة] كبيرة، أو ما دون ذلك، بادروا إلى التوبة والاستغفار، وذكروا ربهم، وما توعد به العاصين ووعد به المتقين، فسألوه المغفرة لذنوبهم، والستر لعيوبهم، مع إقلاعهم عنها وندمهم عليها، فلهذا قال: { ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون }

{ أولئك } الموصوفون بتلك الصفات { جزاؤهم مغفرة من ربهم } تزيل عنهم كل محذور { وجنات تجري من تحتها الأنهار } فيها من النعيم المقيم، والبهجة والسرور والبهاء، والخير والسرور، والقصور والمنازل الأنيقة العاليات، والأشجار المثمرة البهية، والأنهار الجاريات في تلك المساكن الطيبات، { خالدين فيها } لا يحولون عنها، ولا يبغون بها بدلا، ولا يغير ما هم فيه من النعيم، { ونعم أجر العاملين } عملوا لله قليلا فأجروا كثيرا فـ "عند الصباح يحمد القوم السرى" وعند الجزاء يجد العامل أجره كاملا موفرا.

وهذه الآيات الكريمات من أدلة أهل السنة والجماعة، على أن الأعمال تدخل في الإيمان، خلافا للمرجئة، ووجه الدلالة إنما يتم بذكر الآية، التي في سورة الحديد، نظير هذه الآيات، وهي قوله تعالى: { سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسله } فلم يذكر فيها إلا لفظ الإيمان به وبرسله، وهنا قال: { أعدت للمتقين } ثم وصف المتقين بهذه الأعمال المالية والبدنية، فدل على أن هؤلاء المتقين الموصوفين بهذه الصفات هم أولئك المؤمنون.ثم قال تعالى:

{ 137 - 138 } { قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ * هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ }

وهذه الآيات الكريمات، وما بعدها في قصة "أحد" يعزي تعالى عباده المؤمنين ويسليهم، ويخبرهم أنه مضى قبلهم أجيال وأمم كثيرة، امتحنوا، وابتلي المؤمنون منهم بقتال الكافرين، فلم يزالوا في مداولة ومجاولة، حتى جعل الله العاقبة للمتقين، والنصر لعباده المؤمنين، وآخر الأمر حصلت الدولة على المكذبين، وخذلهم الله بنصر رسله وأتباعهم.

{ فسيروا في الأرض } بأبدانكم وقلوبكم { فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين } فإنكم لا تجدونهم إلا معذبين بأنواع العقوبات الدنيوية، قد خوت ديارهم، وتبين لكل أحد خسارهم، وذهب عزهم وملكهم، وزال بذخهم وفخرهم، أفليس في هذا أعظم دليل، وأكبر شاهد على صدق ما جاءت به الرسل؟"

وحكمة الله التي يمتحن بها عباده، ليبلوهم ويتبين صادقهم من كاذبهم، ولهذا قال تعالى: { هذا بيان للناس } أي: دلالة ظاهرة، تبين للناس الحق من الباطل، وأهل السعادة من أهل الشقاوة، وهو الإشارة إلى ما أوقع الله بالمكذبين.

{ وهدى وموعظة للمتقين } لأنهم هم المنتفعون بالآيات فتهديهم إلى سبيل الرشاد، وتعظهم وتزجرهم عن طريق الغي، وأما باقي الناس فهي بيان لهم، تقوم [به] عليهم الحجة من الله، ليهلك من هلك عن بينة.

ويحتمل أن الإشارة في قوله: { هذا بيان للناس } للقرآن العظيم، والذكر الحكيم، وأنه بيان للناس عموما، وهدى وموعظة للمتقين خصوصا، وكلا المعنيين حق.


{ 139 - 143 } { وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ *وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ * أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ * وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ }

يقول تعالى مشجعا لعباده المؤمنين، ومقويا لعزائمهم ومنهضا لهممهم: { ولا تهنوا ولا تحزنوا } أي: ولا تهنوا وتضعفوا في أبدانكم، ولا تحزنوا في قلوبكم، عندما أصابتكم المصيبة، وابتليتم بهذه البلوى، فإن الحزن في القلوب، والوهن على الأبدان، زيادة مصيبة عليكم، وعون لعدوكم عليكم، بل شجعوا قلوبكم وصبروها، وادفعوا عنها الحزن وتصلبوا على قتال عدوكم، وذكر تعالى أنه لا ينبغي ولا يليق بهم الوهن والحزن، وهم الأعلون في الإيمان، ورجاء نصر الله وثوابه، فالمؤمن المتيقن ما وعده الله من الثواب الدنيوي والأخروي لا ينبغي منه ذلك، ولهذا قال [تعالى]: { وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين }

ثم سلَّاهم بما حصل لهم من الهزيمة، وبيَّن الحكم العظيمة المترتبة على ذلك، فقال: { إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله } فأنتم وإياهم قد تساويتم في القرح، ولكنكم ترجون من الله ما لا يرجون كما قال تعالى: { إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون }

ومن الحكم في ذلك أن هذه الدار يعطي الله منها المؤمن والكافر، والبر والفاجر، فيداول الله الأيام بين الناس، يوم لهذه الطائفة، ويوم للطائفة الأخرى؛ لأن هذه الدار الدنيا منقضية فانية، وهذا بخلاف الدار الآخرة، فإنها خالصة للذين آمنوا.

{ وليعلم الله الذين آمنوا } هذا أيضا من الحكم أنه يبتلي الله عباده بالهزيمة والابتلاء، ليتبين المؤمن من المنافق؛ لأنه لو استمر النصر للمؤمنين في جميع الوقائع لدخل في الإسلام من لا يريده، فإذا حصل في بعض الوقائع بعض أنواع الابتلاء، تبين المؤمن حقيقة الذي يرغب في الإسلام، في الضراء والسراء، واليسر والعسر، ممن ليس كذلك.

{ ويتخذ منكم شهداء } وهذا أيضا من بعض الحكم، لأن الشهادة عند الله من أرفع المنازل، ولا سبيل لنيلها إلا بما يحصل من وجود أسبابها، فهذا من رحمته بعباده المؤمنين، أن قيَّض لهم من الأسباب ما تكرهه النفوس، لينيلهم ما يحبون من المنازل العالية والنعيم المقيم، { والله لا يحب الظالمين } الذين ظلموا أنفسهم، وتقاعدوا عن القتال في سبيله، وكأن في هذا تعريضا بذم المنافقين، وأنهم مبغضون لله، ولهذا ثبطهم عن القتال في سبيله.

{ ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين }

{ وليمحص الله الذين آمنوا } وهذا أيضا من الحكم أن الله يمحص بذلك المؤمنين من ذنوبهم وعيوبهم، يدل ذلك على أن الشهادة والقتال في سبيل الله يكفر الذنوب، ويزيل العيوب، وليمحص الله أيضا المؤمنين من غيرهم من المنافقين، فيتخلصون منهم، ويعرفون المؤمن من المنافق، ومن الحكم أيضا أنه يقدر ذلك، ليمحق الكافرين، أي: ليكون سببا لمحقهم واستئصالهم بالعقوبة، فإنهم إذا انتصروا، بغوا، وازدادوا طغيانا إلى طغيانهم، يستحقون به المعاجلة بالعقوبة، رحمة بعباده المؤمنين.

ثم قال تعالى: { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين } هذا استفهام إنكاري، أي: لا تظنوا، ولا يخطر ببالكم أن تدخلوا الجنة من دون مشقة واحتمال المكاره في سبيل الله وابتغاء مرضاته، فإن الجنة أعلى المطالب، وأفضل ما به يتنافس المتنافسون، وكلما عظم المطلوب عظمت وسيلته، والعمل الموصل إليه، فلا يوصل إلى الراحة إلا بترك الراحة، ولا يدرك النعيم إلا بترك النعيم، ولكن مكاره الدنيا التي تصيب العبد في سبيل الله عند توطين النفس لها، وتمرينها عليها ومعرفة ما تئول إليه، تنقلب عند أرباب البصائر منحا يسرون بها، ولا يبالون بها، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

ثم وبخهم تعالى على عدم صبرهم بأمر كانوا يتمنونه ويودون حصوله، فقال: { ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه } وذلك أن كثيرا من الصحابة رضي الله عنهم ممن فاته بدر يتمنون أن يحضرهم الله مشهدا يبذلون فيه جهدهم، قال الله [تعالى] لهم: { فقد رأيتموه } أي: رأيتم ما تمنيتم بأعينكم { وأنتم تنظرون } فما بالكم وترك الصبر؟ هذه حالة لا تليق ولا تحسن، خصوصا لمن تمنى ذلك، وحصل له ما تمنى، فإن الواجب عليه بذل الجهد، واستفراغ الوسع في ذلك.

وفي هذه الآية دليل على أنه لا يكره تمني الشهادة، ووجه الدلالة أن الله تعالى أقرهم على أمنيتهم، ولم ينكر عليهم، وإنما أنكر عليهم عدم العمل بمقتضاها، والله أعلم.

ثم قال تعالى: { 144 - 145 } { وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ * وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ }

يقول تعالى: { وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل } أي: ليس ببدع من الرسل، بل هو من جنس الرسل الذين قبله، وظيفتهم تبليغ رسالات ربهم وتنفيذ أوامره، ليسوا بمخلدين، وليس بقاؤهم شرطا في امتثال أوامر الله، بل الواجب على الأمم عبادة ربهم في كل وقت وبكل حال، ولهذا قال: { أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم } بترك ما جاءكم من إيمان أو جهاد، أو غير ذلك.

قال [الله] تعالى: { ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا } إنما يضر نفسه، وإلا فالله تعالى غني عنه، وسيقيم دينه، ويعز عباده المؤمنين، فلما وبخ تعالى من انقلب على عقبيه، مدح من ثبت مع رسوله، وامتثل أمر ربه، فقال: { وسيجزي الله الشاكرين } والشكر لا يكون إلا بالقيام بعبودية الله تعالى في كل حال.

وفي هذه الآية الكريمة إرشاد من الله تعالى لعباده أن يكونوا بحالة لا يزعزعهم عن إيمانهم أو عن بعض لوازمه، فقدُ رئيس ولو عظم، وما ذاك إلا بالاستعداد في كل أمر من أمور الدين بعدة أناس من أهل الكفاءة فيه، إذا فقد أحدهم قام به غيره، وأن يكون عموم المؤمنين قصدهم إقامة دين الله، والجهاد عنه، بحسب الإمكان، لا يكون لهم قصد في رئيس دون رئيس، فبهذه الحال يستتب لهم أمرهم، وتستقيم أمورهم.

وفي هذه الآية أيضا أعظم دليل على فضيلة الصديق الأكبر أبي بكر، وأصحابه الذين قاتلوا المرتدين بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنهم هم سادات الشاكرين.

ثم أخبر تعالى أن النفوس جميعها متعلقة بآجالها بإذن الله وقدره وقضائه، فمن حتَّم عليه بالقدر أن يموت، مات ولو بغير سبب، ومن أراد بقاءه، فلو أتى من الأسباب كل سبب، لم يضره ذلك قبل بلوغ أجله، وذلك أن الله قضاه وقدره وكتبه إلى أجل مسمى: { إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون }

ثم أخبر تعالى أنه يعطي الناس من ثواب الدنيا والآخرة ما تعلقت به إراداتهم، فقال: { ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها }

قال الله تعالى: { كلاًّ نمدُّ هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا }

{ وسنجزي الشاكرين } ولم يذكر جزاءهم ليدل ذلك على كثرته وعظمته، وليعلم أن الجزاء على قدر الشكر، قلة وكثرة وحسنا.


{ 146 - 148 } { وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ }

هذا تسلية للمؤمنين، وحث على الاقتداء بهم، والفعل كفعلهم، وأن هذا أمر قد كان متقدما، لم تزل سنة الله جارية بذلك، فقال: { وكأين من نبي } أي: وكم من نبي { قاتل معه ربيون كثير } أي: جماعات كثيرون من أتباعهم، الذين قد ربتهم الأنبياء بالإيمان والأعمال الصالحة، فأصابهم قتل وجراح وغير ذلك.

{ فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا } أي: ما ضعفت قلوبهم، ولا وهنت أبدانهم، ولا استكانوا، أي: ذلوا لعدوهم، بل صبروا وثبتوا، وشجعوا أنفسهم، ولهذا قال: { والله يحب الصابرين }

ثم ذكر قولهم واستنصارهم لربهم، فقال: { وما كان قولهم } أي: في تلك المواطن الصعبة { إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا } والإسراف: هو مجاوزة الحد إلى ما حرم، علموا أن الذنوب والإسراف من أعظم أسباب الخذلان، وأن التخلي منها من أسباب النصر، فسألوا ربهم مغفرتها.

ثم إنهم لم يتكلوا على ما بذلوا جهدهم به من الصبر، بل اعتمدوا على الله، وسألوه أن يثبت أقدامهم عند ملاقاة الأعداء الكافرين، وأن ينصرهم عليهم، فجمعوا بين الصبر وترك ضده، والتوبة والاستغفار، والاستنصار بربهم، لا جرم أن الله نصرهم، وجعل لهم العاقبة في الدنيا والآخرة، ولهذا قال: { فآتاهم الله ثواب الدنيا } من النصر والظفر والغنيمة، { وحُسن ثواب الآخرة } وهو الفوز برضا ربهم، والنعيم المقيم الذي قد سلم من جميع المنكدات، وما ذاك إلا أنهم أحسنوا له الأعمال، فجازاهم بأحسن الجزاء، فلهذا قال: { والله يحب المحسنين } في عبادة الخالق ومعاملة الخلق، ومن الإحسان أن يفعل عند جهاد الأعداء، كفعل هؤلاء الموصوفين

ثم قال تعالى:
{ 149 - 151 } { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ * سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ }

وهذا نهي من الله للمؤمنين أن يطيعوا الكافرين من المنافقين والمشركين، فإنهم إن أطاعوهم لم يريدوا لهم إلا الشر، وهم [قصدهم] ردهم إلى الكفر الذي عاقبته الخيبة والخسران.

ثم أخبر أنه مولاهم وناصرهم، ففيه إخبار لهم بذلك، وبشارة بأنه سيتولى أمورهم بلطفه، ويعصمهم من أنواع الشرور.

وفي ضمن ذلك الحث لهم على اتخاذه وحده وليا وناصرا من دون كل أحد، فمن ولايته ونصره لهم أنه وعدهم أنه سيلقي في قلوب أعدائهم من الكافرين الرعب، وهو الخوف العظيم الذي يمنعهم من كثير من مقاصدهم، وقد فعل تعالى.

وذلك أن المشركين -بعدما انصرفوا من وقعة "أحد" - تشاوروا بينهم، وقالوا: كيف ننصرف، بعد أن قتلنا منهم من قتلنا، وهزمناهم ولما نستأصلهم؟ فهموا بذلك، فألقى الله الرعب في قلوبهم، فانصرفوا خائبين، ولا شك أن هذا من أعظم النصر، لأنه قد تقدم أن نصر الله لعباده المؤمنين لا يخرج عن أحد أمرين: إما أن يقطع طرفا من الذين كفروا، أو يكبتهم فينقلبوا خائبين، وهذا من الثاني.

ثم ذكر السبب الموجب لإلقاء الرعب في قلوب الكافرين، فقال: { بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا } أي: ذلك بسبب ما اتخذوا من دونه من الأنداد والأصنام، التي اتخذوها على حسب أهوائهم وإرادتهم الفاسدة، من غير حجة ولا برهان، وانقطعوا من ولاية الواحد الرحمن، فمن ثم كان المشرك مرعوبا من المؤمنين، لا يعتمد على ركن وثيق، وليس له ملجأ عند كل شدة وضيق، هذا حاله في الدنيا، وأما في الآخرة فأشد وأعظم، ولهذا قال: { ومأواهم النار } أي: مستقرهم الذي يأوون إليه وليس لهم عنها خروج، { وبئس مثوى الظالمين } بسبب ظلمهم وعدوانهم صارت النار مث
واهم.
avatar
Admin
مدير الموقع
مدير الموقع

عدد المساهمات : 145
نقاط : 319
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 14/02/2013
العمر : 29
الموقع : http://www.shbaboffline.net/vb/

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://wsam.jordanforum.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: لنعرف الآية الكريمة وسبب نزولها

مُساهمة من طرف Admin في الخميس فبراير 21, 2013 5:59 am

- تفسير سورة آل عمران

عدد آياتها 200

(



آية 152-175

)

وهي مدنية





{

152


}

{ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ
بِإِذْنِهِ حَتَّى
إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ
بَعْدِ مَا
أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ
مَنْ
يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ
وَلَقَدْ عَفَا
عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ }




أي:

{ ولقد صدقكم الله وعده }

بالنصر، فنصركم عليهم، حتى ولوكم أكتافهم، وطفقتم فيهم قتلا، حتى صرتم
سببا
لأنفسكم، وعونا لأعدائكم عليكم، فلما حصل منكم الفشل وهو الضعف والخور

{ وتنازعتم في الأمر }

الذي فيه ترك أمر الله بالائتلاف وعدم الاختلاف، فاختلفتم، فمن قائل
نقيم في
مركزنا الذي جعلنا فيه النبي صلى الله عليه وسلم، ومن قائل: ما مقامنا
فيه وقد
انهزم العدو، ولم يبق محذور، فعصيتم الرسول، وتركتم أمره من بعد ما
أراكم الله
ما تحبون وهو انخذال أعدائكم؛ لأن الواجب على من أنعم الله عليه بما
أحب، أعظم
من غيره.






فالواجب في هذه الحال خصوصًا، وفي غيرها عموما، امتثال أمر الله
ورسوله.




{ منكم من يريد الدنيا }

وهم الذين أوجب لهم ذلك ما أوجب،

{ ومنكم من يريد الآخرة }

وهم الذين لزموا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وثبتوا حيث أمروا.





{ ثم صرفكم عنهم }

أي: بعدما وجدت هذه الأمور منكم، صرف الله وجوهكم عنهم، فصار الوجه
لعدوكم،
ابتلاء من الله لكم وامتحانا، ليتبين المؤمن من الكافر، والطائع من
العاصي،
وليكفر الله عنكم بهذه المصيبة ما صدر منكم، فلهذا قال:

{ ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين }


أي: ذو فضل عظيم عليهم، حيث منَّ عليهم بالإسلام، وهداهم لشرائعه، وعفا
عنهم
سيئاتهم، وأثابهم على مصيباتهم.





ومن فضله على المؤمنين أنه لا يقدر عليهم خيرا ولا مصيبة، إلا كان خيرا
لهم. إن
أصابتهم سراء فشكروا جازاهم جزاء الشاكرين، وإن أصابتهم ضراء فصبروا،
جازاهم
جزاء الصابرين.




{ 153 - 154 } { إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ
وَالرَّسُولُ
يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا
تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ
خَبِيرٌ بِمَا
تَعْمَلُونَ * ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ
أَمَنَةً
نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ
أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ
الْجَاهِلِيَّةِ
يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ
الْأَمْرَ
كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ
يَقُولُونَ
لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَا هُنَا قُلْ
لَوْ
كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ
الْقَتْلُ
إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ
وَلِيُمَحِّصَ
مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ }




يذكرهم تعالى حالهم في وقت انهزامهم عن القتال، ويعاتبهم على ذلك،
فقال: { إذ
تصعدون } أي: تجدون في الهرب { ولا تلوون على أحد } أي: لا يلوي أحد
منكم على
أحد، ولا ينظر إليه، بل ليس لكم هم إلا الفرار والنجاء عن القتال.




والحال أنه ليس عليكم خطر كبير، إذ لستم آخر الناس مما يلي الأعداء،
ويباشر
الهيجاء، بل { الرسول يدعوكم في أخراكم } أي: مما يلي القوم يقول:
"إليَّ عباد
الله" فلم تلتفتوا إليه، ولا عرجتم عليه، فالفرار نفسه موجب للوم،
ودعوة الرسول
الموجبة لتقديمه على النفس، أعظم لوما بتخلفكم عنها، { فأثابكم } أي:
جازاكم
على فعلكم { غما بغم } أي: غما يتبع غما، غم بفوات النصر وفوات
الغنيمة، وغم
بانهزامكم، وغم أنساكم كل غم، وهو سماعكم أن محمدا صلى الله عليه وسلم
قد قتل.




ولكن الله -بلطفه وحسن نظره لعباده- جعل اجتماع هذه الأمور لعباده
المؤمنين
خيرا لهم، فقال: { لكيلا تحزنوا على ما فاتكم } من النصر والظفر، { ولا
ما
أصابكم } من الهزيمة والقتل والجراح، إذا تحققتم أن الرسول صلى الله
عليه وسلم
لم يقتل هانت عليكم تلك المصيبات، واغتبطتم بوجوده المسلي عن كل مصيبة
ومحنة،
فلله ما في ضمن البلايا والمحن من الأسرار والحكم، وكل هذا صادر عن
علمه وكمال
خبرته بأعمالكم، وظواهركم وبواطنكم، ولهذا قال: { والله خبير بما
تعملون }




ويحتمل أن معنى قوله: { لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم }
يعني: أنه
قدَّر ذلك الغم والمصيبة عليكم، لكي تتوطن نفوسكم، وتمرنوا على الصبر
على
المصيبات، ويخف عليكم تحمل المشقات: { ثم أنزل عليكم من بعد الغم }
الذي أصابكم
{ أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم }




ولا شك أن هذا رحمة بهم، وإحسان وتثبيت لقلوبهم، وزيادة طمأنينة؛ لأن
الخائف لا
يأتيه النعاس لما في قلبه من الخوف، فإذا زال الخوف عن القلب أمكن أن
يأتيه
النعاس.




وهذه الطائفة التي أنعم الله عليها بالنعاس هم المؤمنون الذين ليس لهم
هم إلا
إقامة دين الله، ورضا الله ورسوله، ومصلحة إخوانهم المسلمين.




وأما الطائفة الأخرى الذين { قد أهمتهم أنفسهم } فليس لهم هم في غيرها،
لنفاقهم
أو ضعف إيمانهم، فلهذا لم يصبهم من النعاس ما أصاب غيرهم، { يقولون هل
لنا من
الأمر من شيء } وهذا استفهام إنكاري، أي: ما لنا من الأمر -أي: النصر
والظهور-
شيء، فأساءوا الظن بربهم وبدينه ونبيه، وظنوا أن الله لا يتم أمر
رسوله، وأن
هذه الهزيمة هي الفيصلة والقاضية على دين الله، قال الله في جوابهم: {
قل إن
الأمر كله لله } الأمر يشمل الأمر القدري، والأمر الشرعي، فجميع
الأشياء بقضاء
الله وقدره، وعاقبة النصر والظفر لأوليائه وأهل طاعته، وإن جرى عليهم
ما جرى.




{ يخفون } يعني المنافقين { في أنفسهم ما لا يبدون لك } ثم بين الأمر
الذي
يخفونه، فقال: { يقولون لو كان لنا من الأمر شيء } أي: لو كان لنا في
هذه
الواقعة رأي ومشورة { ما قتلنا هاهنا } وهذا إنكار منهم وتكذيب بقدر
الله،
وتسفيه منهم لرأي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورأي أصحابه، وتزكية
منهم
لأنفسهم، فرد الله عليهم بقوله: { قل لو كنتم في بيوتكم } التي هي أبعد
شيء عن
مظان القتل { لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم } فالأسباب -وإن
عظمت-
إنما تنفع إذا لم يعارضها القدر والقضاء، فإذا عارضها القدر لم تنفع
شيئا، بل
لا بد أن يمضي الله ما كتب في اللوح المحفوظ من الموت والحياة، {
وليبتلي الله
ما في صدوركم } أي: يختبر ما فيها من نفاق وإيمان وضعف إيمان، { وليمحص
ما في
قلوبكم } من وساوس الشيطان، وما تأثر عنها من الصفات غير الحميدة.




{ والله عليم بذات الصدور } أي: بما فيها وما أكنته، فاقتضى علمه
وحكمته أن قدر
من الأسباب، ما به تظهر مخبآت الصدور وسرائر الأمور.




ثم قال تعالى:

{ 155 } { إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى
الْجَمْعَانِ
إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ
عَفَا
اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ }





يخبر تعالى عن حال الذين انهزموا يوم "أحد" وما الذي أوجب لهم الفرار،
وأنه من
تسويل الشيطان، وأنه تسلط عليهم ببعض ذنوبهم. فهم الذين أدخلوه على
أنفسهم،
ومكنوه بما فعلوا من المعاصي، لأنها مركبه ومدخله، فلو اعتصموا بطاعة
ربهم لما
كان له عليهم من سلطان.




قال تعالى: { إن عبادي ليس لك عليهم سلطان } ثم أخبر أنه عفا عنهم
بعدما فعلوا
ما يوجب المؤاخذة، وإلا فلو واخذهم لاستأصلهم.




{ إن الله غفور } للمذنبين الخطائين بما يوفقهم له من التوبة
والاستغفار،
والمصائب المكفرة، { حليم } لا يعاجل من عصاه، بل يستأني به، ويدعوه
إلى
الإنابة إليه، والإقبال عليه.




ثم إن تاب وأناب قبل منه، وصيره كأنه لم يجر منه ذنب، ولم يصدر منه
عيب، فلله
الحمد على إحسانه.






{ 156 - 158 } { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا
كَالَّذِينَ
كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ
كَانُوا
غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ
اللَّهُ
ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ
وَاللَّهُ بِمَا
تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ
مُتُّمْ
لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ *





وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ
}





ينهى تعالى عباده المؤمنين أن يشابهوا الكافرين، الذين لا يؤمنون
بربهم، ولا
بقضائه وقدره، من المنافقين وغيرهم.




ينهاهم عن مشابهتهم في كل شيء، وفي هذا الأمر الخاص وهو أنهم يقولون
لإخوانهم
في الدين أو في النسب: {

إذا ضربوا في الأرض
}
أي: سافروا للتجارة {

أو كانوا غزى
}
أي: غزاة، ثم جرى عليهم قتل أو موت، يعارضون القدر ويقولون: {

لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا
}
وهذا كذب منهم، فقد قال تعالى: {

قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم
}
ولكن هذا التكذيب لم يفدهم، إلا أن الله يجعل هذا القول، وهذه العقيدة
حسرة في
قلوبهم، فتزداد مصيبتهم، وأما المؤمنون بالله فإنهم يعلمون أن ذلك بقدر
الله،
فيؤمنون ويسلمون، فيهدي الله قلوبهم ويثبتها، ويخفف بذلك عنهم المصيبة.








قال الله ردا عليهم: {

والله يحيي ويميت
}
أي: هو المنفرد بذلك، فلا يغني حذر عن قدر.




{
والله بما تعملون بصير
}
فيجازيكم بأعمالكم وتكذيبكم.





ثم أخبر تعالى أن القتل في سبيله أو الموت فيه، ليس فيه نقص ولا محذور،
وإنما
هو مما ينبغي أن يتنافس فيه المتنافسون، لأنه سبب مفض وموصل إلى مغفرة
الله
ورحمته، وذلك خير مما يجمع أهل الدنيا من دنياهم، وأن الخلق أيضا إذا
ماتوا أو
قتلوا بأي حالة كانت، فإنما مرجعهم إلى الله، ومآلهم إليه، فيجازي كلا
بعمله،
فأين الفرار إلا إلى الله، وما للخلق عاصم إلا الاعتصام بحبل الله؟"



{
159
}
{

فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا
غَلِيظَ
الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ
لَهُمْ
وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى
اللَّهِ إِنَّ
اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ
}






أي: برحمة الله لك ولأصحابك، منَّ الله عليك أن ألنت لهم جانبك، وخفضت
لهم
جناحك، وترققت عليهم، وحسنت لهم خلقك، فاجتمعوا عليك وأحبوك، وامتثلوا
أمرك.



{
ولو كنت فظا
}
أي: سيئ الخلق {

غليظ القلب
}
أي: قاسيه، {

لانفضوا من حولك
}
لأن هذا ينفرهم ويبغضهم لمن قام به هذا الخلق السيئ.







فالأخلاق الحسنة من الرئيس في الدين، تجذب الناس إلى دين الله، وترغبهم
فيه، مع
ما لصاحبه من المدح والثواب الخاص، والأخلاق السيئة من الرئيس في الدين
تنفر
الناس عن الدين، وتبغضهم إليه، مع ما لصاحبها من الذم والعقاب الخاص،
فهذا
الرسول المعصوم يقول الله له ما يقول، فكيف بغيره؟!




أليس من أوجب الواجبات، وأهم المهمات، الاقتداء بأخلاقه الكريمة،
ومعاملة الناس
بما يعاملهم به صلى الله عليه وسلم، من اللين وحسن الخلق والتأليف،
امتثالا
لأمر الله، وجذبا لعباد الله لدين الله.




ثم أمره الله تعالى بأن يعفو عنهم ما صدر منهم من التقصير في حقه صلى
الله عليه
وسلم، ويستغفر لهم في التقصير في حق الله، فيجمع بين العفو والإحسان.



{
وشاورهم في الأمر
}
أي: الأمور التي تحتاج إلى استشارة ونظر وفكر، فإن في الاستشارة من
الفوائد
والمصالح الدينية والدنيوية ما لا يمكن حصره:





منها: أن المشاورة من العبادات المتقرب بها إلى الله.




ومنها: أن فيها تسميحا لخواطرهم، وإزالة لما يصير في القلوب عند
الحوادث، فإن
من له الأمر على الناس -إذا جمع أهل الرأي: والفضل وشاورهم في حادثة من

الحوادث- اطمأنت نفوسهم وأحبوه، وعلموا أنه ليس بمستبد عليهم، وإنما
ينظر إلى
المصلحة الكلية العامة للجميع، فبذلوا جهدهم ومقدورهم في طاعته، لعلمهم
بسعيه
في مصالح العموم، بخلاف من ليس كذلك، فإنهم لا يكادون يحبونه محبة
صادقة، ولا
يطيعونه وإن أطاعوه فطاعة غير تامة.




ومنها: أن في الاستشارة تنور الأفكار، بسبب إعمالها فيما وضعت له، فصار
في ذلك
زيادة للعقول.




ومنها: ما تنتجه الاستشارة من الرأي: المصيب، فإن المشاور لا يكاد يخطئ
في
فعله، وإن أخطأ أو لم يتم له مطلوب، فليس بملوم، فإذا كان الله يقول
لرسوله
-صلى الله عليه وسلم- وهو أكمل الناس عقلا، وأغزرهم علما، وأفضلهم
رأيا-: {

وشاورهم في الأمر
}
فكيف بغيره؟!





ثم قال تعالى: {

فإذا عزمت
}
أي: على أمر من الأمور بعد الاستشارة فيه، إن كان يحتاج إلى استشارة {

فتوكل على الله
}
أي: اعتمد على حول الله وقوته، متبرئا من حولك وقوتك، {

إن الله يحب المتوكلين
}
عليه، اللاجئين إليه.






{
160
}
{

إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ
فَمَنْ
ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ
فَلْيَتَوَكَّلِ
الْمُؤْمِنُونَ
}






أي: إن يمددكم الله بنصره ومعونته {

فلا غالب لكم
}
فلو اجتمع عليكم من في أقطارها وما عندهم من العدد والعُدد، لأن الله
لا مغالب
له، وقد قهر العباد وأخذ بنواصيهم، فلا تتحرك دابة إلا بإذنه، ولا تسكن
إلا
بإذنه.




{
وإن يخذلكم
}
ويكلكم إلى أنفسكم {

فمن ذا الذي ينصركم من بعده
}
فلا بد أن تنخذلوا ولو أعانكم جميع الخلق.






وفي ضمن ذلك الأمر بالاستنصار بالله والاعتماد عليه، والبراءة من
الحول
والقوة، ولهذا قال: {

وعلى الله فليتوكل المؤمنون
}
بتقديم المعمول يؤذن بالحصر، أي: على الله توكلوا لا على غيره، لأنه قد
علم أنه
هو الناصر وحده، فالاعتماد عليه توحيد محصل للمقصود، والاعتماد على
غيره شرك
غير نافع لصاحبه، بل ضار.





وفي هذه الآية الأمر بالتوكل على الله وحده، وأنه بحسب إيمان العبد
يكون توكله.



{
161
}
{

وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا
غَلَّ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا
يُظْلَمُونَ
}






الغلول هو: الكتمان من الغنيمة، [والخيانة في كل مال يتولاه الإنسان]
وهو محرم
إجماعا، بل هو من الكبائر، كما تدل عليه هذه الآية الكريمة وغيرها من
النصوص،
فأخبر الله تعالى أنه ما ينبغي ولا يليق بنبي أن يغل، لأن الغلول -كما
علمت- من
أعظم الذنوب وأشر العيوب. وقد صان الله تعالى أنبياءه عن كل ما يدنسهم
ويقدح
فيهم، وجعلهم أفضل العالمين أخلاقا، وأطهرهم نفوسا، وأزكاهم وأطيبهم،
ونزههم عن
كل عيب، وجعلهم محل رسالته، ومعدن حكمته {

الله أعلم حيث يجعل رسالته

}.





فبمجرد علم العبد بالواحد منهم، يجزم بسلامتهم من كل أمر يقدح فيهم،
ولا يحتاج
إلى دليل على ما قيل فيهم من أعدائهم، لأن معرفته بنبوتهم، مستلزم لدفع
ذلك،
ولذلك أتى بصيغة يمتنع معها وجود الفعل منهم، فقال: {

وما كان لنبي أن يغل
}
أي: يمتنع ذلك ويستحيل على من اختارهم الله لنبوته.





ثم ذكر الوعيد على من غل، فقال: {

ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة
}
أي: يأت به حامله على ظهره، حيوانا كان أو متاعا، أو غير ذلك، ليعذب به
يوم
القيامة، {

ثم توفى كل نفس ما كسبت
}
الغال وغيره، كل يوفى أجره ووزره على مقدار كسبه، {

وهم لا يظلمون
}
أي: لا يزاد في سيئاتهم، ولا يهضمون شيئا من حسناتهم، وتأمل حسن هذا
الاحتراز
في هذه الآية الكريمة.







لما ذكر عقوبة الغال، وأنه يأتي يوم القيامة بما غله، ولما أراد أن
يذكر توفيته
وجزاءه، وكان الاقتصار على الغال يوهم -بالمفهوم- أن غيره من أنواع
العاملين قد
لا يوفون -أتى بلفظ عام جامع له ولغيره.



{
162 - 163
}
{

أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ
اللَّهِ
وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ
اللَّهِ
وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ
}






يخبر تعالى أنه لا يستوي من كان قصده رضوان ربه، والعمل على ما يرضيه،
كمن ليس
كذلك، ممن هو مكب على المعاصي، مسخط لربه، هذان لا يستويان في حكم
الله، وحكمة
الله، وفي فطر عباد الله.



{
أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون
}
ولهذا قال هنا: {

هم درجات عند الله
}
أي: كل هؤلاء متفاوتون في درجاتهم ومنازلهم بحسب تفاوتهم في أعمالهم.






فالمتبعون لرضوان الله يسعون في نيل الدرجات العاليات، والمنازل
والغرفات،
فيعطيهم الله من فضله وجوده على قدر أعمالهم، والمتبعون لمساخط الله
يسعون في
النزول في الدركات إلى أسفل سافلين، كل على حسب عمله، والله تعالى بصير

بأعمالهم، لا يخفى عليه منها شيء، بل قد علمها، وأثبتها في اللوح
المحفوظ، ووكل
ملائكته الأمناء الكرام، أن يكتبوها ويحفظوها، ويضبطونها.






{ 164 } { لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ
فِيهِمْ
رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ
وَيُزَكِّيهِمْ
وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ
لَفِي
ضَلَالٍ مُبِينٍ }





هذه المنة التي امتن الله بها على عباده، أكبر النعم، بل أصلها، وهي
الامتنان
عليهم بهذا الرسول الكريم الذي أنقذهم الله به من الضلالة، وعصمهم به
من
الهلكة، فقال: {

لقد منَّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم
}
يعرفون نسبه، وحاله، ولسانه، من قومهم وقبيلتهم، ناصحا لهم، مشفقا
عليهم، يتلو
عليهم آيات الله، يعلمهم ألفاظها ومعانيها.




{
ويزكيهم
}
من الشرك، والمعاصي، والرذائل، وسائر مساوئ الأخلاق.




و
{

يعلمهم الكتاب
}
إما جنس الكتاب الذي هو القرآن، فيكون قوله: {

يتلو عليهم آياته
}
المراد به الآيات الكونية، أو المراد بالكتاب -هنا- الكتابة، فيكون قد
امتن
عليهم، بتعليم الكتاب والكتابة، التي بها تدرك العلوم وتحفظ، {

والحكمة
}
هي: السنة، التي هي شقيقة القرآن، أو وضع الأشياء مواضعها، ومعرفة
أسرار
الشريعة.







فجمع لهم بين تعليم الأحكام، وما به تنفذ الأحكام، وما به تدرك فوائدها

وثمراتها، ففاقوا بهذه الأمور العظيمة جميع المخلوقين، وكانوا من
العلماء
الربانيين، {

وإن كانوا من قبل
}
بعثة هذا الرسول {

لفي ضلال مبين
}
لا يعرفون الطريق الموصل إلى ربهم، ولا ما يزكي النفوس ويطهرها، بل ما
زين لهم
جهلهم فعلوه، ولو ناقض ذلك عقول العالمين.





{
165 - 168
}
{

أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا
قُلْتُمْ
أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى
كُلِّ
شَيْءٍ قَدِيرٌ *وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ
فَبِإِذْنِ
اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ
نَافَقُوا
وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ
ادْفَعُوا
قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ
يَوْمَئِذٍ
أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ
فِي
قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ * الَّذِينَ قَالُوا

لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ
فَادْرَءُوا
عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ
}






هذا تسلية من الله تعالى لعباده المؤمنين، حين أصابهم ما أصابهم يوم
"أحد" وقتل
منهم نحو سبعين، فقال الله: إنكم {

قد أصبتم
}
من المشركين {

مثليها
}
يوم بدر فقتلتم سبعين من كبارهم وأسرتم سبعين، فليهن الأمر ولتخف
المصيبة
عليكم، مع أنكم لا تستوون أنتم وهم، فإن قتلاكم في الجنة وقتلاهم في
النار.





{
قلتم أنى هذا
}
أي: من أين أصابنا ما أصابنا وهزمنا؟ {

قل هو من عند أنفسكم
}
حين تنازعتم وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون، فعودوا على أنفسكم
باللوم،
واحذروا من الأسباب المردية.





{
إن الله على كل شيء قدير
}
فإياكم وسوء الظن بالله، فإنه قادر على نصركم، ولكن له أتم الحكمة في
ابتلائكم
ومصيبتكم. {

ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض
}






ثم أخبر أن ما أصابهم يوم التقى الجمعان، جمع المسلمين وجمع المشركين
في "أحد"
من القتل والهزيمة، أنه بإذنه وقضائه وقدره، لا مرد له ولا بد من
وقوعه. والأمر
القدري -إذا نفذ، لم يبق إلا التسليم له، وأنه قدره لحكم عظيمة وفوائد
جسيمة،
وأنه ليتبين بذلك المؤمن من المنافق، الذين لما أمروا بالقتال، {

وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله
}
أي: ذبا عن دين الله، وحماية له وطلبا لمرضاة الله، {

أو ادفعوا
}
عن محارمكم وبلدكم، إن لم يكن لكم نية صالحة، فأبوا ذلك واعتذروا بأن {

قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم
}
أي: لو نعلم أنكم يصير بينكم وبينهم قتال لاتبعناكم، وهم كذبة في هذا.
قد علموا
وتيقنوا وعلم كل أحد أن هؤلاء المشركين، قد ملئوا من الحنق والغيظ على
المؤمنين
بما أصابوا منهم، وأنهم قد بذلوا أموالهم، وجمعوا ما يقدرون عليه من
الرجال
والعدد، وأقبلوا في جيش عظيم قاصدين المؤمنين في بلدهم، متحرقين على
قتالهم،
فمن كانت هذه حالهم، كيف يتصور أنهم لا يصير بينهم وبين المؤمنين قتال؟
خصوصا
وقد خرج المسلمون من المدينة وبرزوا لهم، هذا من المستحيل، ولكن
المنافقين ظنوا
أن هذا العذر، يروج على المؤمنين، قال تعالى: {

هم للكفر يومئذ
}
أي: في تلك الحال التي تركوا فيها الخروج مع المؤمنين {

أقرب منهم للإيمان يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم
}
وهذه خاصة المنافقين، يظهرون بكلامهم وفعالهم ما يبطنون ضده في قلوبهم
وسرائرهم.









ومنه قولهم: {

لو نعلم قتالا لاتبعناكم
}
فإنهم قد علموا وقوع القتال.





ويستدل بهذه الآية على قاعدة "ارتكاب أخف المفسدتين لدفع أعلاهما، وفعل
أدنى
المصلحتين، للعجز عن أعلاهما" ؛ [لأن المنافقين أمروا أن يقاتلوا
للدين، فإن لم
يفعلوا فللمدافعة عن العيال والأوطان] {

والله أعلم بما يكتمون
}
فيبديه لعباده المؤمنين، ويعاقبهم عليه.





ثم قال تعالى: {

الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا
}
أي: جمعوا بين التخلف عن الجهاد، وبين الاعتراض والتكذيب بقضاء الله
وقدره، قال
الله ردًّا عليهم: {

قل فادرءوا
}
أي: ادفعوا {

عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين
}
إنهم لو أطاعوكم ما قتلوا، لا تقدرون على ذلك ولا تستطيعونه.







وفي هذه الآيات دليل على أن العبد قد يكون فيه خصلة كفر وخصلة إيمان،
وقد يكون
إلى أحدهما أقرب منه إلى الأخرى.



{
169 - 171
}
{

وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا
بَلْ
أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ
اللَّهُ
مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ
مِنْ
خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ *
يَسْتَبْشِرُونَ
بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ
الْمُؤْمِنِينَ
}






هذه الآيات الكريمة فيها فضيلة الشهداء وكرامتهم، وما منَّ الله
عليهم به من
فضله وإحسانه، وفي ضمنها تسلية الأحياء عن قتلاهم وتعزيتهم، وتنشيطهم
للقتال في
سبيل الله والتعرض للشهادة، فقال: {

ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله
}
أي: في جهاد أعداء الدين، قاصدين بذلك إعلاء كلمة الله {

أمواتا
}
أي: لا يخطر ببالك وحسبانك أنهم ماتوا وفقدوا، وذهبت عنهم لذة الحياة
الدنيا
والتمتع بزهرتها، الذي يحذر من فواته، من جبن عن القتال، وزهد في
الشهادة. {

بل
}
قد حصل لهم أعظم مما يتنافس فيه المتنافسون. فهم {

أحياء عند ربهم
}
في دار كرامته.








ولفظ: {

عند ربهم
}
يقتضي علو درجتهم، وقربهم من ربهم، {

يرزقون
}
من أنواع النعيم الذي لا يعلم وصفه، إلا من أنعم به عليهم، ومع هذا {

فرحين بما آتاهم الله من فضله
}
أي: مغتبطين بذلك، قد قرت به عيونهم، وفرحت به نفوسهم، وذلك لحسنه
وكثرته،
وعظمته، وكمال اللذة في الوصول إليه، وعدم المنغص، فجمع الله لهم بين
نعيم
البدن بالرزق، ونعيم القلب والروح بالفرح بما آتاهم من فضله: فتم لهم
النعيم
والسرور، وجعلوا {

يستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم
}
أي: يبشر بعضهم بعضا، بوصول إخوانهم الذين لم يلحقوا بهم، وأنهم
سينالون ما
نالوا، {

ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون
}
أي: يستبشرون بزوال المحذور عنهم وعن إخوانهم المستلزم كمال السرور








{
يستبشرون بنعمة من الله وفضل
}
أي: يهنىء بعضهم بعضا، بأعظم مهنأ به، وهو: نعمة ربهم، وفضله، وإحسانه،
{

وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين
}
بل ينميه ويشكره، ويزيده من فضله، ما لا يصل إليه سعيهم.






وفي هذه الآيات إثبات نعيم البرزخ، وأن الشهداء في أعلى مكان عند ربهم،
وفيه
تلاقي أرواح أهل الخير، وزيارة بعضهم بعضا، وتبشير بعضهم بعضا.



{
172 - 175
}
{

الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا
أَصَابَهُمُ
الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ *

الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ
فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ
وَنِعْمَ
الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ
يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو
فَضْلٍ
عَظِيمٍ * إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ
فَلَا
تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
}






لما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من "أحد" إلى المدينة، وسمع أن أبا
سفيان ومن
معه من المشركين قد هموا بالرجوع إلى المدينة، ندب أصحابه إلى الخروج،
فخرجوا
-على ما بهم من الجراح- استجابة لله ولرسوله، وطاعة لله ولرسوله،
فوصلوا إلى
"حمراء الأسد" وجاءهم من جاءهم وقال لهم: {

إن الناس قد جمعوا لكم
}
وهموا باستئصالكم، تخويفا لهم وترهيبا، فلم يزدهم ذلك إلا إيمانا بالله
واتكالا
عليه.




{
وقالوا حسبنا الله
}
أي: كافينا كل ما أهمنا {

ونعم الوكيل
}
المفوض إليه تدبير عباده، والقائم بمصالحهم.





{
فانقلبوا
}
أي: رجعوا {

بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء
}






وجاء الخبر المشركين أن الرسول وأصحابه قد خرجوا إليكم، وندم من تخلف
منهم،
فألقى الله الرعب في قلوبهم، واستمروا راجعين إلى مكة، ورجع المؤمنون
بنعمة من
الله وفضل، حيث مَنَّ عليهم بالتوفيق للخروج بهذه الحالة والاتكال على
ربهم، ثم
إنه قد كتب لهم أجر غزاة تامة، فبسبب إحسانهم بطاعة ربهم، وتقواهم عن
معصيته،
لهم أجر عظيم، وهذا فضل الله عليهم.




ثم قال تعالى: {

إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه
}
أي: إن ترهيب من رهب من المشركين، وقال: إنهم جمعوا لكم، داع من دعاة
الشيطان،
يخوف أولياءه الذين عدم إيمانهم، أو ضعف. {

فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين
}
أي: فلا تخافوا المشركين أولياء الشيطان، فإن نواصيهم بيد الله، لا
يتصرفون إلا
بقدره، بل خافوا الله الذي ينصر أولياءه الخائفين منه المستجيبين
لدعوته.






وفي هذه الآية وجوب الخوف من الله وحده، وأنه من لوازم الإيمان، فعلى
قدر إيمان
العبد يكون خوفه من الله، والخوف المحمود: ما حجز العبد عن محارم الله.

avatar
Admin
مدير الموقع
مدير الموقع

عدد المساهمات : 145
نقاط : 319
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 14/02/2013
العمر : 29
الموقع : http://www.shbaboffline.net/vb/

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://wsam.jordanforum.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: لنعرف الآية الكريمة وسبب نزولها

مُساهمة من طرف Admin في الخميس فبراير 21, 2013 6:01 am

- تفسير سورة آل عمران


عدد آياتها 200


(



آية 176-200

)

وهي مدنية


{
176 - 177

}
{

وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ

يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ
حَظًّا فِي
الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا
الْكُفْرَ
بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ
أَلِيمٌ

}




كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصا على الخلق، مجتهدا في هدايتهم،
وكان يحزن
إذا لم يهتدوا، قال الله تعالى: {

ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر

}
من شدة رغبتهم فيه، وحرصهم عليه {

إنهم لن يضروا الله شيئا

}
فالله ناصر دينه، ومؤيد رسوله، ومنفذ أمره من دونهم، فلا تبالهم ولا
تحفل بهم،
إنما يضرون ويسعون في ضرر أنفسهم، بفوات الإيمان في الدنيا، وحصول
العذاب
الأليم في الأخرى، من هوانهم على الله وسقوطهم من عينه، وإرادته أن لا
يجعل لهم
نصيبا في الآخرة من ثوابه. خذلهم فلم يوفقهم لما وفق له أولياءه ومن
أراد به
خيرا، عدلا منه وحكمة، لعلمه بأنهم غير زاكين على الهدى، ولا قابلين
للرشاد،
لفساد أخلاقهم وسوء قصدهم.




ثم أخبر أن الذين اختاروا الكفر على الإيمان، ورغبوا فيه رغبة من بذل
ما يحب من
المال، في شراء ما يحب من السلع {

لن يضروا الله شيئا

}
بل ضرر فعلهم يعود على أنفسهم، ولهذا قال: {

ولهم عذاب أليم

}
وكيف يضرون الله شيئا، وهم قد زهدوا أشد الزهد في الإيمان، ورغبوا كل
الرغبة
بالكفر بالرحمن؟! فالله غني عنهم، وقد قيض لدينه من عباده الأبرار
الأزكياء
سواهم، وأعد له -ممن ارتضاه لنصرته- أهل البصائر والعقول، وذوي الألباب
من
الرجال الفحول، قال الله تعالى: {

قل آمنوا به أو لا تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم
يخرون
للأذقان سجدا

}
الآيات.



{
178

}
{

وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ
لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا
وَلَهُمْ
عَذَابٌ مُهِينٌ

}




أي: ولا يظن الذين كفروا بربهم ونابذوا دينه، وحاربوا رسوله أن تركنا
إياهم في
هذه الدنيا، وعدم استئصالنا لهم، وإملاءنا لهم خير لأنفسهم، ومحبة منا
لهم.




كلا، ليس الأمر كما زعموا، وإنما ذلك لشر يريده الله بهم، وزيادة عذاب
وعقوبة
إلى عذابهم، ولهذا قال: {

إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين

}
فالله تعالى يملي للظالم، حتى يزداد طغيانه، ويترادف كفرانه، حتى إذا
أخذه
أخذه أخذ عزيز مقتدر، فليحذر الظالمون من الإمهال، ولا يظنوا أن
يفوتوا الكبير
المتعال.



{
179

}
{

مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ
عَلَيْهِ حَتَّى
يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ
لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى
الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ
فَآمِنُوا
بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ
عَظِيمٌ

}




أي: ما كان في حكمة الله أن يترك المؤمنين على ما أنتم عليه من
الاختلاط وعدم
التميز حتى يميز الخبيث من الطيب، والمؤمن من المنافق، والصادق من
الكاذب.




ولم يكن في حكمته أيضا أن يطلع عباده على الغيب الذي يعلمه من عباده،
فاقتضت
حكمته الباهرة أن يبتلي عباده، ويفتنهم بما به يتميز الخبيث من الطيب،
من أنواع
الابتلاء والامتحان، فأرسل [الله] رسله، وأمر بطاعتهم، والانقياد لهم،
والإيمان
بهم، ووعدهم على الإيمان والتقوى الأجر العظيم.




فانقسم الناس بحسب اتباعهم للرسل قسمين: مطيعين وعاصين، ومؤمنين
ومنافقين،
ومسلمين وكافرين، ليرتب على ذلك الثواب والعقاب، وليظهر عدله وفضله،
وحكمته
لخلقه.



{
180

}
{

وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ
فَضْلِهِ
هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا
بَخِلُوا بِهِ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ
وَاللَّهُ
بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ

}




أي: ولا يظن الذين يبخلون، أي: يمنعون ما عندهم مما آتاهم الله من
فضله، من
المال والجاه والعلم، وغير ذلك مما منحهم الله، وأحسن إليهم به، وأمرهم
ببذل ما
لا يضرهم منه لعباده، فبخلوا بذلك، وأمسكوه، وضنوا به على عباد الله،
وظنوا أنه
خير لهم، بل هو شر لهم، في دينهم ودنياهم، وعاجلهم وآجلهم {

سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة

}
أي: يجعل ما بخلوا به طوقا في أعناقهم، يعذبون به كما ورد في الحديث
الصحيح،
"إن البخيل يمثل له ماله يوم القيامة شجاعا أقرع، له زبيبتان، يأخذ
بلهزمتيه
يقول: أنا مالك، أنا كنزك" وتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم مصداق
ذلك، هذه
الآية.




فهؤلاء حسبوا أن بخلهم نافعهم، ومجد عليهم، فانقلب عليهم الأمر، وصار
من أعظم
مضارهم، وسبب عقابهم.



{
ولله ميراث السماوات والأرض

}
أي: هو تعالى مالك الملك، وترد جميع الأملاك إلى مالكها، وينقلب العباد
من
الدنيا ما معهم درهم ولا دينار، ولا غير ذلك من المال.




قال تعالى: {

إنا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا يرجعون

}
وتأمل كيف ذكر السبب الابتدائي والسبب الغائي، الموجب كل واحد منهما أن
لا يبخل
العبد بما أعطاه الله.




أخبر أولا: أن الذي عنده وفي يده فضل من الله ونعمة، ليس ملكا للعبد،
بل لولا
فضل الله عليه وإحسانه، لم يصل إليه منه شيء، فمنعه لذلك منع لفضل الله

وإحسانه؛ ولأن إحسانه موجب للإحسان إلى عبيده كما قال تعالى: {

وأحسن كما أحسن الله إليك

}




فمن تحقق أن ما بيده، فضل من الله، لم يمنع الفضل الذي لا يضره، بل
ينفعه في
قلبه وماله، وزيادة إيمانه، وحفظه من الآفات.




ثم ذكر ثانيا: أن هذا الذي بيد العباد كلها ترجع إلى الله، ويرثها
تعالى، وهو
خير الوارثين، فلا معنى للبخل بشيء هو زائل عنك منتقل إلى غيرك.




ثم ذكر ثالثا: السبب الجزائي، فقال: {

والله بما تعملون خبير

}
فإذا كان خبيرا بأعمالكم جميعها -ويستلزم ذلك الجزاء الحسن على
الخيرات،
والعقوبات على الشر- لم يتخلف من في قلبه مثقال ذرة من إيمان عن
الإنفاق الذي
يجزى به الثواب، ولا يرضى بالإمساك الذي به العقاب.



{
181 - 182

}
{

لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ

وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ
الْأَنْبِيَاءَ
بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ * ذَلِكَ بِمَا
قَدَّمَتْ
أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ

}




يخبر تعالى، عن قول هؤلاء المتمردين، الذين قالوا أقبح المقالة
وأشنعها،
وأسمجها، فأخبر أنه قد سمع ما قالوه وأنه سيكتبه ويحفظه، مع أفعالهم
الشنيعة،
وهو: قتلهم الأنبياء الناصحين، وأنه سيعاقبهم على ذلك أشد العقوبة،
وأنه يقال
لهم -بدل قولهم إن الله فقير ونحن أغنياء- {

ذوقوا عذاب الحريق

}
المحرق النافذ من البدن إلى الأفئدة، وأن عذابهم ليس ظلما من الله لهم،
فإنه {

ليس بظلام للعبيد

}
فإنه منزه عن ذلك، وإنما ذلك بما قدمت أيديهم من المخازي والقبائح،
التي أوجبت
استحقاقهم العذاب، وحرمانهم الثواب.




وقد ذكر المفسرون أن هذه الآية نزلت في قوم من اليهود، تكلموا بذلك،
وذكروا
منهم "فنحاص بن عازوراء" من رؤساء علماء اليهود في المدينة، وأنه لما
سمع قول
الله تعالى: {

من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا

}
{

وأقرضوا الله قرضا حسنا

}
قال: -على وجه التكبر والتجرهم- هذه المقالة قبحه الله، فذكرها الله
عنهم،
وأخبر أنه ليس ببدع من شنائعهم، بل قد سبق لهم من الشنائع ما هو نظير
ذلك، وهو:
{

قتلهم الأنبياء بغير حق

}
هذا القيد يراد به، أنهم تجرأوا على قتلهم مع علمهم بشناعته، لا جهلا
وضلالا،
بل تمردا وعنادا.



{
183 - 184

}
{

الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ
لِرَسُولٍ
حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ
جَاءَكُمْ
رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ
قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ
كُذِّبَ
رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ
وَالْكِتَابِ
الْمُنِيرِ

}




يخبر تعالى عن حال هؤلاء المفترين القائلين: {

إن الله عهد إلينا

}
أي: تقدم إلينا وأوصى، {

ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار

}
فجمعوا بين الكذب على الله، وحصر آية الرسل بما قالوه، من هذا الإفك
المبين،
وأنهم إن لم يؤمنوا برسول لم يأتهم بقربان تأكله النار، فهم -في ذلك-
مطيعون
لربهم، ملتزمون عهده، وقد علم أن كل رسول يرسله الله، يؤيده من الآيات
والبراهين، ما على مثله آمن البشر، ولم يقصرها على ما قالوه، ومع هذا
فقد قالوا
إفكا لم يلتزموه، وباطلا لم يعملوا به، ولهذا أمر الله رسوله أن يقول
لهم: {

قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات

}
الدالات على صدقهم {

وبالذي قلتم

}
بأن أتاكم بقربان تأكله النار {

فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين

}
أي: في دعواهم الإيمان برسول يأتي بقربان تأكله النار، فقد تبين بهذا
كذبهم،
وعنادهم وتناقضهم.




ثم سلَّى رسوله صلى الله عليه وسلم، فقال: {

فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك

}
أي: هذه عادة الظالمين، ودأبهم الكفر بالله، وتكذيب رسل الله وليس
تكذيبهم لرسل
الله، عن قصور ما أتوا به، أو عدم تبين حجة، بل قد {

جاءوا بالبينات

}
أي: الحجج العقلية، والبراهين النقلية، {

والزبر

}
أي: الكتب المزبورة المنزلة من السماء، التي لا يمكن أن يأتي بها غير
الرسل.



{
والكتاب المنير

}
للأحكام الشرعية، وبيان ما اشتملت عليه من المحاسن العقلية، ومنير أيضا
للأخبار
الصادقة، فإذا كان هذا عادتهم في عدم الإيمان بالرسل، الذين هذا وصفهم،
فلا
يحزنك أمرهم، ولا يهمنك شأنهم.




ثم قال تعالى: {

185

}
{

كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ
يَوْمَ
الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ
فَقَدْ
فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ

}







هذه الآية الكريمة فيها التزهيد في الدنيا بفنائها وعدم بقائها، وأنها
متاع
الغرور، تفتن بزخرفها، وتخدع بغرورها، وتغر بمحاسنها، ثم هي منتقلة،
ومنتقل
عنها إلى دار القرار، التي توفى فيها النفوس ما عملت في هذه الدار، من
خير وشر.



{
فمن زحزح

}
أي: أخرج، {

عن النار وأدخل الجنة فقد فاز

}
أي: حصل له الفوز العظيم من العذاب الأليم، والوصول إلى جنات النعيم،
التي فيها
ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.




ومفهوم الآية، أن من لم يزحزح عن النار ويدخل الجنة، فإنه لم يفز، بل
قد شقي
الشقاء الأبدي، وابتلي بالعذاب السرمدي.




وفي هذه الآية إشارة لطيفة إلى نعيم البرزخ وعذابه، وأن العاملين يجزون
فيه بعض
الجزاء مما عملوه، ويقدم لهم أنموذج مما أسلفوه، يفهم هذا من قوله: {

وإنما توفون أجوركم يوم القيامة

}
أي: توفية الأعمال التامة، إنما يكون يوم القيامة، وأما ما دون ذلك
فيكون في
البرزخ، بل قد يكون قبل ذلك في الدنيا كقوله تعالى: {

ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر

}



{
186

}
{

لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ
الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ
أَشْرَكُوا
أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ
عَزْمِ
الْأُمُورِ

}




يخبر تعالى ويخاطب المؤمنين أنهم سيبتلون في أموالهم من النفقات
الواجبة
والمستحبة، ومن التعريض لإتلافها في سبيل الله، وفي أنفسهم من التكليف
بأعباء
التكاليف الثقيلة على كثير من الناس، كالجهاد في سبيل الله، والتعرض
فيه للتعب
والقتل والأسر والجراح، وكالأمراض التي تصيبه في نفسه، أو فيمن يحب.



{
ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم، ومن الذين أشركوا أذى كثيرا

}
من الطعن فيكم، وفي دينكم وكتابكم ورسولكم.




وفي إخباره لعباده المؤمنين بذلك، عدة فوائد:




منها: أن حكمته تعالى تقتضي ذلك، ليتميز المؤمن الصادق من غيره.




ومنها: أنه تعالى يقدر عليهم هذه الأمور، لما يريده بهم من الخير ليعلي

درجاتهم، ويكفر من سيئاتهم، وليزداد بذلك إيمانهم، ويتم به إيقانهم،
فإنه إذا
أخبرهم بذلك ووقع كما أخبر {

قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله، وصدق الله ورسوله، وما زادهم إلا
إيمانا
وتسليما

}




ومنها: أنه أخبرهم بذلك لتتوطن نفوسهم على وقوع ذلك، والصبر عليه إذا
وقع؛
لأنهم قد استعدوا لوقوعه، فيهون عليهم حمله، وتخف عليهم مؤنته، ويلجأون
إلى
الصبر والتقوى، ولهذا قال: {

وإن تصبروا وتتقوا

}
أي: إن تصبروا على ما نالكم في أموالكم وأنفسكم، من الابتلاء والامتحان
وعلى
أذية الظالمين، وتتقوا الله في ذلك الصبر بأن تنووا به وجه الله
والتقرب إليه،
ولم تتعدوا في صبركم الحد الشرعي من الصبر في موضع لا يحل لكم فيه
الاحتمال، بل
وظيفتكم فيه الانتقام من أعداء الله.



{
فإن ذلك من عزم الأمور

}
أي: من الأمور التي يعزم عليها، وينافس فيها، ولا يوفق لها إلا أهل
العزائم
والهمم العالية كما قال تعالى: {

وما يلقاها إلا الذين صبروا، وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم

}



{
187 - 188

}
{

وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ
لَتُبَيِّنُنَّهُ
لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ
وَاشْتَرَوْا
بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ * لَا تَحْسَبَنَّ
الَّذِينَ
يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ
يَفْعَلُوا
فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ
أَلِيمٌ

}




الميثاق هو العهد الثقيل المؤكد، وهذا الميثاق أخذه الله تعالى على كل
من أعطاه
[الله] الكتب وعلمه العلم، أن يبين للناس ما يحتاجون إليه مما علمه
الله، ولا
يكتمهم ذلك، ويبخل عليهم به، خصوصا إذا سألوه، أو وقع ما يوجب ذلك، فإن
كل من
عنده علم يجب عليه في تلك الحال أن يبينه، ويوضح الحق من الباطل.




فأما الموفقون، فقاموا بهذا أتم القيام، وعلموا الناس مما علمهم الله،
ابتغاء
مرضاة ربهم، وشفقة على الخلق، وخوفا من إثم الكتمان.




وأما الذين أوتوا الكتاب، من اليهود والنصارى ومن شابههم، فنبذوا هذه
العهود
والمواثيق وراء ظهورهم، فلم يعبأوا بها، فكتموا الحق، وأظهروا الباطل،
تجرؤا
على محارم الله، وتهاونا بحقوق الله، وحقوق الخلق، واشتروا بذلك
الكتمان ثمنا
قليلا، وهو ما يحصل لهم إن حصل من بعض الرياسات، والأموال الحقيرة، من
سفلتهم
المتبعين أهواءهم، المقدمين شهواتهم على الحق، {

فبئس ما يشترون

}
لأنه أخس العوض، والذي رغبوا عنه -وهو بيان الحق، الذي فيه السعادة
الأبدية،
والمصالح الدينية والدنيوية- أعظم المطالب وأجلها، فلم يختاروا الدنيء
الخسيس
ويتركوا العالي النفيس، إلا لسوء حظهم وهوانهم، وكونهم لا يصلحون لغير
ما خلقوا
له.




ثم قال تعالى: {

لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا

}
أي: من القبائح والباطل القولي والفعلي.



{
ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا

}
أي: بالخير الذي لم يفعلوه، والحق الذي لم يقولوه، فجمعوا بين فعل الشر
وقوله،
والفرح بذلك ومحبة أن يحمدوا على فعل الخير الذي ما فعلوه.



{
فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب

}
أي: بمحل نجوة منه وسلامة، بل قد استحقوه، وسيصيرون إليه، ولهذا قال: {

ولهم عذاب أليم

}




ويدخل في هذه الآية الكريمة أهل الكتاب الذين فرحوا بما عندهم من
العلم، ولم
ينقادوا للرسول، وزعموا أنهم هم المحقون في حالهم ومقالهم، وكذلك كل من
ابتدع
بدعة قولية أو فعلية، وفرح بها، ودعا إليها، وزعم أنه محق وغيره مبطل،
كما هو
الواقع من أهل البدع.




ودلت الآية بمفهومها على أن من أحب أن يحمد ويثنى عليه بما فعله من
الخير
واتباع الحق، إذا لم يكن قصده بذلك الرياء والسمعة، أنه غير مذموم، بل
هذا من
الأمور المطلوبة، التي أخبر الله أنه يجزي بها المحسنين له الأعمال
والأقوال،
وأنه جازى بها خواص خلقه، وسألوها منه، كما قال إبراهيم عليه السلام: {

واجعل لي لسان صدق في الآخرين

}
وقال: {

سلام على نوح في العالمين، إنا كذلك نجزي المحسنين

}
وقد قال عباد الرحمن: {

واجعلنا للمتقين إماما

}
وهي من نعم الباري على عبده، ومننه التي تحتاج إلى الشكر.



{
189

}
{

وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ
شَيْءٍ
قَدِيرٌ

}




أي: هو المالك للسماوات والأرض وما فيهما، من سائر أصناف الخلق،
المتصرف فيهم
بكمال القدرة، وبديع الصنعة، فلا يمتنع عليه منهم أحد، ولا يعجزه أحد.



{
190 - 194

}
{

إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ
وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ
اللَّهَ
قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا
سُبْحَانَكَ
فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ
فَقَدْ
أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ * رَبَّنَا إِنَّنَا

سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ
فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا
سَيِّئَاتِنَا
وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ * رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا
عَلَى
رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ
الْمِيعَادَ

}




يخبر تعالى: {

إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب

}
وفي ضمن ذلك حث العباد على التفكر فيها، والتبصر بآياتها، وتدبر خلقها،
وأبهم
قوله: {

آيات

}
ولم يقل: "على المطلب الفلاني" إشارة لكثرتها وعمومها، وذلك لأن فيها
من الآيات
العجيبة ما يبهر الناظرين، ويقنع المتفكرين، ويجذب أفئدة الصادقين،
وينبه
العقول النيرة على جميع المطالب الإلهية، فأما تفصيل ما اشتملت عليه،
فلا يمكن
لمخلوق أن يحصره، ويحيط ببعضه، وفي الجملة فما فيها من العظمة والسعة،
وانتظام
السير والحركة، يدل على عظمة خالقها، وعظمة سلطانه وشمول قدرته. وما
فيها من
الإحكام والإتقان، وبديع الصنع، ولطائف الفعل، يدل على حكمة الله ووضعه
الأشياء
مواضعها، وسعة علمه. وما فيها من المنافع للخلق، يدل على سعة رحمة
الله، وعموم
فضله، وشمول بره، ووجوب شكره.




وكل ذلك يدل على تعلق القلب بخالقها ومبدعها، وبذل الجهد في مرضاته،
وأن لا
يشرك به سواه، ممن لا يملك لنفسه ولا لغيره مثقال ذرة في الأرض ولا في
السماء.




وخص الله بالآيات أولي الألباب، وهم أهل العقول؛ لأنهم هم المنتفعون
بها،
الناظرون إليها بعقولهم لا بأبصارهم.




ثم وصف أولي الألباب بأنهم {

يذكرون الله

}
في جميع أحوالهم: {

قياما وقعودا وعلى جنوبهم

}
وهذا يشمل جميع أنواع الذكر بالقول والقلب، ويدخل في ذلك الصلاة قائما،
فإن لم
يستطع فقاعدا، فإن لم يستطع فعلى جنب، وأنهم {

يتفكرون في خلق السماوات والأرض

}
أي: ليستدلوا بها على المقصود منها، ودل هذا على أن التفكر عبادة من
صفات
أولياء الله العارفين، فإذا تفكروا بها، عرفوا أن الله لم يخلقها عبثا،

فيقولون: {

ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك

}
عن كل ما لا يليق بجلالك، بل خلقتها بالحق وللحق، مشتملة على الحق.



{
فقنا عذاب النار

}
بأن تعصمنا من السيئات، وتوفقنا للأعمال الصالحات، لننال بذلك النجاة
من النار.




ويتضمن ذلك سؤال الجنة، لأنهم إذا وقاهم الله عذاب النار حصلت لهم
الجنة، ولكن
لما قام الخوف بقلوبهم، دعوا الله بأهم الأمور عندهم، {

ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته

}
أي: لحصوله على السخط من الله، ومن ملائكته، وأوليائه، ووقوع الفضيحة
التي لا
نجاة منها، ولا منقذ منها، ولهذا قال: {

وما للظالمين من أنصار

}
ينقذونهم من عذابه، وفيه دلالة على أنهم دخلوها بظلمهم.



{
ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان

}
وهو محمد صلى الله عليه وسلم، أي: يدعو الناس إليه، ويرغبهم فيه، في
أصوله
وفروعه.



{
فآمنا

}
أي: أجبناه مبادرة، وسارعنا إليه، وفي هذا إخبار منهم بمنة الله عليهم،
وتبجح
بنعمته، وتوسل إليه بذلك، أن يغفر ذنوبهم ويكفر سيئاتهم، لأن الحسنات
يذهبن
السيئات، والذي من عليهم بالإيمان، سيمن عليهم بالأمان التام.



{
وتوفنا مع الأبرار

}
يتضمن هذا الدعاء التوفيق لفعل الخير، وترك الشر، الذي به يكون العبد
من
الأبرار، والاستمرار عليه، والثبات إلى الممات.




ولما ذكروا توفيق الله إياهم للإيمان، وتوسلهم به إلى تمام النعمة،
سألوه
الثواب على ذلك، وأن ينجز لهم ما وعدهم به على ألسنة رسله من النصر،
والظهور في
الدنيا، ومن الفوز برضوان الله وجنته في الآخرة، فإنه تعالى لا يخلف
الميعاد،
فأجاب الله دعاءهم، وقبل تضرعهم، فلهذا قال:




{ 195 } { فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ
عَامِلٍ
مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ

هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي
وَقَاتَلُوا
وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ
وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ
جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ
اللَّهِ
وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ }




أي: أجاب الله دعاءهم، دعاء العبادة، ودعاء الطلب، وقال: إني لا أضيع
عمل عامل
منكم من ذكر وأنثى، فالجميع سيلقون ثواب أعمالهم كاملا موفرا،


{ بعضكم من بعض }

أي: كلكم على حد سواء في الثواب والعقاب،


{ فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا }


فجمعوا بين الإيمان والهجرة، ومفارقة المحبوبات من الأوطان والأموال،
طلبا
لمرضاة ربهم، وجاهدوا في سبيل الله.




{ لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا من
عند الله
}

الذي يعطي عبده الثواب الجزيل على العمل القليل.




{ والله عنده حسن الثواب }

مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فمن أراد ذلك،
فليطلبه من
الله بطاعته والتقرب إليه، بما يقدر عليه العبد.







{ 196 - 198 } { لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي
الْبِلَادِ
* مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ *
لَكِنِ
الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا

الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا
عِنْدَ
اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ }




وهذه الآية المقصود منها التسلية عما يحصل للذين كفروا من متاع الدنيا،
وتنعمهم
فيها، وتقلبهم في البلاد بأنواع التجارات والمكاسب واللذات، وأنواع
العز،
والغلبة في بعض الأوقات، فإن هذا كله


{ متاع قليل }

ليس له ثبوت ولا بقاء، بل يتمتعون به قليلا، ويعذبون عليه طويلا، هذه
أعلى حالة
تكون للكافر، وقد رأيت ما تؤول إليه.




وأما المتقون لربهم، المؤمنون به- فمع ما يحصل لهم من عز الدنيا
ونعيمها


{ لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها }





فلو قدر أنهم في دار الدنيا، قد حصل لهم كل بؤس وشدة، وعناء ومشقة،
لكان هذا
بالنسبة إلى النعيم المقيم، والعيش السليم، والسرور والحبور، والبهجة
نزرا
يسيرا، ومنحة في صورة محنة، ولهذا قال تعالى:


{ وما عند الله خير للأبرار }

وهم الذين برت قلوبهم، فبرت أقوالهم وأفعالهم، فأثابهم البر الرحيم من
بره أجرا
عظيما، وعطاء جسيما، وفوزا دائما.




{ 199 - 200 } { وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ
بِاللَّهِ
وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ
لِلَّهِ لَا
يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ
أَجْرُهُمْ
عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ * يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ
آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ
لَعَلَّكُمْ
تُفْلِحُونَ }




أي: وإن من أهل الكتاب طائفة موفقة للخير، يؤمنون بالله، ويؤمنون بما
أنزل
إليكم وما أنزل إليهم، وهذا الإيمان النافع لا كمن يؤمن ببعض الرسل
والكتب،
ويكفر ببعض.




ولهذا -لما كان إيمانهم عاما حقيقيا- صار نافعا، فأحدث لهم خشية الله،
وخضوعهم
لجلاله الموجب للانقياد لأوامره ونواهيه، والوقوف عند حدوده.




وهؤلاء أهل الكتاب والعلم على الحقيقة، كما قال تعالى:


{ إنما يخشى الله من عباده العلماء }

ومن تمام خشيتهم لله، أنهم


{ لا يشترون بآيات الله ثمنًا قليلا }

فلا يقدمون الدنيا على الدين كما فعل أهل الانحراف الذين يكتمون ما
أنزل الله
ويشترون به ثمنا قليلا، وأما هؤلاء فعرفوا الأمر على الحقيقة، وعلموا
أن من
أعظم الخسران، الرضا بالدون عن الدين، والوقوف مع بعض حظوظ النفس
السفلية، وترك
الحق الذي هو: أكبر حظ وفوز في الدنيا والآخرة، فآثروا الحق وبينوه،
ودعوا
إليه، وحذروا عن الباطل، فأثابهم الله على ذلك بأن وعدهم الأجر الجزيل،
والثواب
الجميل، وأخبرهم بقربه، وأنه سريع الحساب، فلا يستبطؤون ما وعدهم الله،
لأن ما
هو آت محقق حصوله، فهو قريب.




ثم حض المؤمنين على ما يوصلهم إلى الفلاح - وهو: الفوز والسعادة
والنجاح، وأن
الطريق الموصل إلى ذلك لزوم الصبر، الذي هو حبس النفس على ما تكرهه، من
ترك
المعاصي، ومن الصبر على المصائب، وعلى الأوامر الثقيلة على النفوس،
فأمرهم
بالصبر على جميع ذلك.




والمصابرة أي الملازمة والاستمرار على ذلك، على الدوام، ومقاومة
الأعداء في
جميع الأحوال.




والمرابطة: وهي لزوم المحل الذي يخاف من وصول العدو منه، وأن يراقبوا
أعداءهم،
ويمنعوهم من الوصول إلى مقاصدهم، لعلهم يفلحون: يفوزون بالمحبوب الديني

والدنيوي والأخروي، وينجون من المكروه كذلك.




فعلم من هذا أنه لا سبيل إلى الفلاح بدون الصبر والمصابرة والمرابطة
المذكورات،
فلم يفلح من أفلح إلا بها، ولم يفت أحدا الفلاح إلا بالإخلال بها أو
ببعضها.




والله الموفق ولا حول ولا قوة إلا به.



تم تفسير "سورة آل عمران" والحمد لله على نعمته، ونسأله تمام النعمة.

avatar
Admin
مدير الموقع
مدير الموقع

عدد المساهمات : 145
نقاط : 319
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 14/02/2013
العمر : 29
الموقع : http://www.shbaboffline.net/vb/

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://wsam.jordanforum.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: لنعرف الآية الكريمة وسبب نزولها

مُساهمة من طرف Admin في الخميس فبراير 21, 2013 6:06 am

سورة النساء
- سورة 4 - عدد آياتها 176





بسم
الله الرحمن
الرحيم



  1. يَا
    أَيُّهَا
    النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ
    وَاحِدَةٍ
    وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا
    وَنِسَاء
    وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ
    اللّهَ
    كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا


  2. وَآتُواْ

    الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ
    بِالطَّيِّبِ
    وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ
    كَانَ حُوبًا
    كَبِيرًا


  3. وَإِنْ

    خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا
    طَابَ لَكُم
    مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ
    أَلاَّ
    تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ
    أَدْنَى
    أَلاَّ تَعُولُواْ


  4. وَآتُواْ

    النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ
    مِّنْهُ
    نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا


  5. وَلاَ
    تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ

    قِيَاماً وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُواْ لَهُمْ
    قَوْلاً
    مَّعْرُوفًا


  6. وَابْتَلُواْ

    الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم
    مِّنْهُمْ
    رُشْدًا فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَا

    إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُواْ وَمَن كَانَ غَنِيًّا
    فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ
    بِالْمَعْرُوفِ
    فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُواْ
    عَلَيْهِمْ
    وَكَفَى بِاللّهِ حَسِيبًا


  7. لِّلرِّجَالِ

    نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ
    وَلِلنِّسَاء
    نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا
    قَلَّ مِنْهُ
    أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا


  8. وَإِذَا
    حَضَرَ
    الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ
    فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا


  9. وَلْيَخْشَ

    الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا
    خَافُواْ
    عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيدًا



  10. إِنَّ
    الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا
    يَأْكُلُونَ
    فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا


  11. يُوصِيكُمُ

    اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ
    فَإِن
    كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ
    وَإِن
    كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ
    وَاحِدٍ
    مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن
    لَّمْ
    يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ
    فَإِن كَانَ
    لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي
    بِهَا
    أَوْ دَيْنٍ آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ
    أَقْرَبُ
    لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيما

    حَكِيمًا


  12. وَلَكُمْ

    نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ
    فَإِن
    كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِن
    بَعْدِ
    وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا
    تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ
    وَلَدٌ
    فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ
    تُوصُونَ
    بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَو
    امْرَأَةٌ
    وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ
    فَإِن
    كَانُوَاْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ مِن
    بَعْدِ
    وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ وَصِيَّةً
    مِّنَ
    اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ


  13. تِلْكَ
    حُدُودُ
    اللّهِ وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ
    تَجْرِي مِن
    تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ
    الْعَظِيمُ


  14. وَمَن
    يَعْصِ
    اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا
    خَالِدًا
    فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ


  15. وَاللاَّتِي

    يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ
    عَلَيْهِنَّ
    أَرْبَعةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي
    الْبُيُوتِ
    حَتَّىَ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنَّ
    سَبِيلاً


  16. وَاللَّذَانَ

    يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا
    فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ تَوَّابًا رَّحِيمًا



  17. إِنَّمَا

    التَّوْبَةُ عَلَى اللّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ
    بِجَهَالَةٍ
    ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَـئِكَ يَتُوبُ اللّهُ
    عَلَيْهِمْ
    وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً


  18. وَلَيْسَتِ

    التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا
    حَضَرَ
    أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلاَ الَّذِينَ
    يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَـئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ
    عَذَابًا
    أَلِيمًا


  19. يَا
    أَيُّهَا
    الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء
    كَرْهًا
    وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ
    إِلاَّ
    أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ
    بِالْمَعْرُوفِ
    فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا
    وَيَجْعَلَ اللّهُ
    فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا


  20. وَإِنْ

    أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ
    إِحْدَاهُنَّ
    قِنطَارًا فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ
    بُهْتَاناً
    وَإِثْماً مُّبِيناً


  21. وَكَيْفَ

    تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ
    مِنكُم
    مِّيثَاقًا غَلِيظًا


  22. وَلاَ
    تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا قَدْ
    سَلَفَ
    إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاء سَبِيلاً


  23. حُرِّمَتْ

    عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ
    وَعَمَّاتُكُمْ
    وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ
    وَأُمَّهَاتُكُمُ
    اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ
    وَأُمَّهَاتُ
    نِسَآئِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن
    نِّسَآئِكُمُ
    اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُم
    بِهِنَّ
    فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ
    مِنْ
    أَصْلاَبِكُمْ وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إَلاَّ مَا
    قَدْ
    سَلَفَ إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا



  24. وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا مَلَكَتْ
    أَيْمَانُكُمْ
    كِتَابَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ
    أَن
    تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ
    فَمَا
    اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً
    وَلاَ
    جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُم بِهِ مِن بَعْدِ
    الْفَرِيضَةِ
    إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا


  25. وَمَن
    لَّمْ
    يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ
    الْمُؤْمِنَاتِ
    فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ
    الْمُؤْمِنَاتِ
    وَاللّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ
    فَانكِحُوهُنَّ
    بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ
    مُحْصَنَاتٍ
    غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا
    أُحْصِنَّ
    فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى
    الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ
    مِنْكُمْ
    وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ


  26. يُرِيدُ
    اللّهُ
    لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن
    قَبْلِكُمْ
    وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ


  27. وَاللّهُ

    يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ
    الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيمًا


  28. يُرِيدُ
    اللّهُ
    أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا


  29. يَا
    أَيُّهَا
    الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ
    بِالْبَاطِلِ
    إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ
    تَقْتُلُواْ
    أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا


  30. وَمَن
    يَفْعَلْ
    ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ
    ذَلِكَ
    عَلَى اللّهِ يَسِيرًا


  31. إِن
    تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ
    سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيمًا


  32. وَلاَ
    تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ
    لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ
    مِّمَّا
    اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُواْ اللّهَ مِن فَضْلِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ
    بِكُلِّ
    شَيْءٍ عَلِيمًا


  33. وَلِكُلٍّ

    جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ
    وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ
    اللّهَ
    كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا


  34. الرِّجَالُ

    قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ
    عَلَى بَعْضٍ
    وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ

    حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللّهُ وَاللاَّتِي
    تَخَافُونَ
    نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ
    وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ
    سَبِيلاً
    إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا


  35. وَإِنْ

    خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ

    وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ
    اللّهُ
    بَيْنَهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا


  36. وَاعْبُدُواْ

    اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ
    إِحْسَانًا
    وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي
    الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ
    السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ
    مَن
    كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا


  37. الَّذِينَ

    يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا

    آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ
    عَذَابًا
    مُّهِينًا


  38. وَالَّذِينَ

    يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَـاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُونَ
    بِاللّهِ
    وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ
    قَرِينًا فَسَاء
    قِرِينًا


  39. وَمَاذَا

    عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُواْ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ
    وَأَنفَقُواْ
    مِمَّا رَزَقَهُمُ اللّهُ وَكَانَ اللّهُ بِهِم عَلِيمًا


  40. إِنَّ
    اللّهَ
    لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا
    وَيُؤْتِ
    مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا


  41. فَكَيْفَ
    إِذَا
    جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَـؤُلاء

    شَهِيدًا


  42. يَوْمَئِذٍ

    يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى
    بِهِمُ
    الأَرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ اللّهَ حَدِيثًا


  43. يَا
    أَيُّهَا
    الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى
    حَتَّىَ
    تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ
    حَتَّىَ
    تَغْتَسِلُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء
    أَحَدٌ
    مِّنكُم مِّن الْغَآئِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ
    تَجِدُواْ مَاء
    فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ
    وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا


  44. أَلَمْ
    تَرَ
    إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ
    الضَّلاَلَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ السَّبِيلَ


  45. وَاللّهُ

    أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللّهِ وَلِيًّا وَكَفَى
    بِاللّهِ
    نَصِيرًا


  46. مِّنَ
    الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ
    وَيَقُولُونَ
    سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا
    لَيًّا
    بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ
    قَالُواْ
    سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا
    لَّهُمْ
    وَأَقْوَمَ وَلَكِن لَّعَنَهُمُ اللّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاَ
    يُؤْمِنُونَ
    إِلاَّ قَلِيلاً


  47. يَا
    أَيُّهَا
    الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا
    مُصَدِّقًا
    لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا
    عَلَى
    أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ
    السَّبْتِ
    وَكَانَ أَمْرُ اللّهِ مَفْعُولاً


  48. إِنَّ
    اللّهَ
    لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن
    يَشَاء
    وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا


  49. أَلَمْ
    تَرَ
    إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ اللّهُ يُزَكِّي مَن
    يَشَاء
    وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً


  50. انظُرْ
    كَيفَ
    يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُّبِينًا



  51. أَلَمْ
    تَرَ
    إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ
    بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ
    هَؤُلاء
    أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً


  52. أُوْلَـئِكَ

    الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللّهُ وَمَن يَلْعَنِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ
    لَهُ
    نَصِيرًا


  53. أَمْ
    لَهُمْ
    نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لاَّ يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا



  54. أَمْ
    يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ
    فَقَدْ
    آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم

    مُّلْكًا عَظِيمًا


  55. فَمِنْهُم

    مَّنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ

    سَعِيرًا


  56. إِنَّ
    الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا
    كُلَّمَا
    نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا
    لِيَذُوقُواْ
    الْعَذَابَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا


  57. وَالَّذِينَ

    آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ
    تَجْرِي مِن
    تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَّهُمْ فِيهَا
    أَزْوَاجٌ
    مُّطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِـلاًّ ظَلِيلاً


  58. إِنَّ
    اللّهَ
    يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا
    حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ
    اللّهَ
    نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا



  59. يَا
    أَيُّهَا
    الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ
    وَأُوْلِي
    الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى
    اللّهِ
    وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ
    الآخِرِ ذَلِكَ
    خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً


  60. أَلَمْ
    تَرَ
    إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ
    إِلَيْكَ
    وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى
    الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ
    الشَّيْطَانُ
    أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا


  61. وَإِذَا
    قِيلَ
    لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ
    رَأَيْتَ
    الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا


  62. فَكَيْفَ
    إِذَا
    أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ
    جَآؤُوكَ
    يَحْلِفُونَ بِاللّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَانًا
    وَتَوْفِيقًا


  63. أُولَـئِكَ

    الَّذِينَ يَعْلَمُ اللّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ
    عَنْهُمْ
    وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغًا


  64. وَمَا
    أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ وَلَوْ

    أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ
    اللّهَ
    وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّابًا
    رَّحِيمًا


  65. فَلاَ
    وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ
    بَيْنَهُمْ
    ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ
    وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا


  66. وَلَوْ
    أَنَّا
    كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُواْ
    مِن
    دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ وَلَوْ
    أَنَّهُمْ
    فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ
    تَثْبِيتًا


  67. وَإِذاً

    لَّآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّـا أَجْراً عَظِيمًا



  68. وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا


  69. وَمَن
    يُطِعِ
    اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ

    عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء
    وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقًا


  70. ذَلِكَ

    الْفَضْلُ مِنَ اللّهِ وَكَفَى بِاللّهِ عَلِيمًا


  71. يَا
    أَيُّهَا
    الَّذِينَ آمَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ فَانفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ
    انفِرُواْ
    جَمِيعًا


  72. وَإِنَّ

    مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ
    قَالَ قَدْ
    أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُن مَّعَهُمْ شَهِيدًا


  73. وَلَئِنْ

    أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِّنَ الله لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُن
    بَيْنَكُمْ
    وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ
    فَوْزًا
    عَظِيمًا


  74. فَلْيُقَاتِلْ

    فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا
    بِالآخِرَةِ
    وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ
    فَسَوْفَ
    نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا


  75. وَمَا
    لَكُمْ
    لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ
    الرِّجَالِ
    وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا
    أَخْرِجْنَا
    مِنْ هَـذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا
    مِن
    لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا


  76. الَّذِينَ

    آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ
    يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاء
    الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا


  77. أَلَمْ
    تَرَ
    إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ
    الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ
    الْقِتَالُ
    إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللّهِ
    أَوْ
    أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا
    الْقِتَالَ
    لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا
    قَلِيلٌ
    وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً



  78. أَيْنَمَا

    تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ
    مُّشَيَّدَةٍ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَـذِهِ مِنْ
    عِندِ
    اللّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَـذِهِ مِنْ
    عِندِكَ قُلْ
    كُلًّ مِّنْ عِندِ اللّهِ فَمَا لِهَـؤُلاء الْقَوْمِ لاَ
    يَكَادُونَ
    يَفْقَهُونَ حَدِيثًا


  79. مَّا
    أَصَابَكَ
    مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن
    نَّفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَى بِاللّهِ
    شَهِيدًا


  80. مَّنْ
    يُطِعِ
    الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا
    أَرْسَلْنَاكَ
    عَلَيْهِمْ حَفِيظًا


  81. وَيَقُولُونَ

    طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ
    مِّنْهُمْ
    غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ
    فَأَعْرِضْ
    عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً


  82. أَفَلاَ

    يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ
    لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا


  83. وَإِذَا

    جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ
    وَلَوْ
    رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ
    لَعَلِمَهُ
    الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ
    عَلَيْكُمْ
    وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً


  84. فَقَاتِلْ
    فِي
    سَبِيلِ اللّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ
    الْمُؤْمِنِينَ
    عَسَى اللّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَاللّهُ
    أَشَدُّ
    بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلاً


  85. مَّن
    يَشْفَعْ
    شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ
    شَفَاعَةً
    سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا وَكَانَ اللّهُ عَلَى كُلِّ
    شَيْءٍ
    مُّقِيتًا


  86. وَإِذَا

    حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ
    رُدُّوهَا
    إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا


  87. اللّهُ
    لا
    إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ
    لاَ
    رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ حَدِيثًا


  88. فَمَا
    لَكُمْ
    فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا
    كَسَبُواْ
    أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ اللّهُ وَمَن يُضْلِلِ
    اللّهُ
    فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً


  89. وَدُّواْ
    لَوْ
    تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء فَلاَ
    تَتَّخِذُواْ
    مِنْهُمْ أَوْلِيَاء حَتَّىَ يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ
    فَإِن
    تَوَلَّوْاْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتَّمُوهُمْ
    وَلاَ
    تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا


  90. إِلاَّ

    الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىَ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم
    مِّيثَاقٌ أَوْ
    جَآؤُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ
    يُقَاتِلُواْ
    قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاء اللّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ
    فَلَقَاتَلُوكُمْ
    فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ
    إِلَيْكُمُ
    السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً


  91. سَتَجِدُونَ

    آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ
    كُلَّ مَا
    رُدُّوَاْ إِلَى الْفِتْنِةِ أُرْكِسُواْ فِيِهَا فَإِن لَّمْ
    يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُواْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوَاْ
    أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثِقِفْتُمُوهُمْ
    وَأُوْلَـئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا



  92. وَمَا
    كَانَ
    لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَئًا وَمَن قَتَلَ
    مُؤْمِنًا
    خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ
    إِلَى
    أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ
    لَّكُمْ
    وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن
    قَوْمٍ
    بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى
    أَهْلِهِ
    وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ
    شَهْرَيْنِ
    مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللّهِ وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا
    حَكِيمًا


  93. وَمَن
    يَقْتُلْ
    مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا
    وَغَضِبَ
    اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا


  94. يَا
    أَيُّهَا
    الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ
    فَتَبَيَّنُواْ
    وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ
    مُؤْمِنًا
    تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللّهِ
    مَغَانِمُ
    كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللّهُ عَلَيْكُمْ
    فَتَبَيَّنُواْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا



  95. لاَّ
    يَسْتَوِي
    الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ
    وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ
    وَأَنفُسِهِمْ
    فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ
    عَلَى
    الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُـلاًّ وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَى
    وَفَضَّلَ
    اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا


  96. دَرَجَاتٍ

    مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا
    رَّحِيمًا



  97. إِنَّ
    الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ
    قَالُواْ
    فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ
    قَالْوَاْ
    أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا
    فَأُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا


  98. إِلاَّ

    الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ
    لاَ
    يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً


  99. فَأُوْلَـئِكَ

    عَسَى اللّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللّهُ عَفُوًّا
    غَفُورًا


  100. وَمَن
    يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا
    كَثِيرًا
    وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللّهِ
    وَرَسُولِهِ
    ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللّهِ
    وَكَانَ
    اللّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا


  101. وَإِذَا

    ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن
    تَقْصُرُواْ مِنَ
    الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ
    إِنَّ
    الْكَافِرِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوًّا مُّبِينًا


  102. وَإِذَا
    كُنتَ
    فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ
    مِّنْهُم
    مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ
    فَلْيَكُونُواْ
    مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ
    فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ
    وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ
    الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ
    وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً
    وَلاَ
    جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ
    كُنتُم
    مَّرْضَى أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ إِنَّ
    اللّهَ
    أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا


  103. فَإِذَا

    قَضَيْتُمُ الصَّلاَةَ فَاذْكُرُواْ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا
    وَعَلَى
    جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ إِنَّ

    الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا



  104. وَلاَ
    تَهِنُواْ فِي ابْتِغَاء الْقَوْمِ إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ
    فَإِنَّهُمْ
    يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لاَ
    يَرْجُونَ
    وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا


  105. إِنَّا

    أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ
    النَّاسِ
    بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا


  106. وَاسْتَغْفِرِ

    اللّهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا


  107. وَلاَ
    تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللّهَ
    لاَ
    يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا


  108. يَسْتَخْفُونَ

    مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ
    إِذْ
    يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللّهُ بِمَا

    يَعْمَلُونَ مُحِيطًا


  109. هَاأَنتُمْ

    هَـؤُلاء جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَن
    يُجَادِلُ
    اللّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ
    وَكِيلاً


  110. وَمَن
    يَعْمَلْ
    سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ
    اللّهَ
    غَفُورًا رَّحِيمًا


  111. وَمَن
    يَكْسِبْ
    إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللّهُ
    عَلِيمًا
    حَكِيمًا


  112. وَمَن
    يَكْسِبْ
    خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ
    احْتَمَلَ
    بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا


  113. وَلَوْلاَ

    فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَّآئِفَةٌ
    مُّنْهُمْ أَن
    يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاُّ أَنفُسَهُمْ وَمَا
    يَضُرُّونَكَ مِن
    شَيْءٍ وَأَنزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ
    وَعَلَّمَكَ
    مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا



  114. لاَّ
    خَيْرَ
    فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ

    مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ
    ابْتَغَاء
    مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا


  115. وَمَن
    يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى
    وَيَتَّبِعْ
    غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ
    جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا


  116. إِنَّ
    اللّهَ
    لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن
    يَشَاء
    وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا


  117. إِن
    يَدْعُونَ
    مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا
    مَّرِيدًا


  118. لَّعَنَهُ

    اللّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا
    مَّفْرُوضًا




  119. وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ
    فَلَيُبَتِّكُنَّ
    آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ
    اللّهِ وَمَن
    يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللّهِ فَقَدْ خَسِرَ
    خُسْرَانًا مُّبِينًا


  120. يَعِدُهُمْ

    وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا



  121. أُوْلَـئِكَ

    مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا


  122. وَالَّذِينَ

    آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ
    تَجْرِي مِن
    تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللّهِ
    حَقًّا
    وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلاً


  123. لَّيْسَ

    بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ
    سُوءًا
    يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَلِيًّا وَلاَ
    نَصِيرًا


  124. وَمَن
    يَعْمَلْ
    مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ
    فَأُوْلَـئِكَ
    يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا


  125. وَمَنْ

    أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ
    واتَّبَعَ
    مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ
    خَلِيلاً


  126. وَللّهِ
    مَا
    فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللّهُ بِكُلِّ
    شَيْءٍ
    مُّحِيطًا

  127. [*:de2d]

    وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء قُلِ اللّهُ يُفْ
avatar
Admin
مدير الموقع
مدير الموقع

عدد المساهمات : 145
نقاط : 319
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 14/02/2013
العمر : 29
الموقع : http://www.shbaboffline.net/vb/

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://wsam.jordanforum.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: لنعرف الآية الكريمة وسبب نزولها

مُساهمة من طرف Admin في الخميس فبراير 21, 2013 6:07 am

- تفسير سورة النساء عدد آياتها 176 ( آية 1-25 )
وهي مدنية

{ 1 } { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا }

افتتح تعالى هذه السورة بالأمر بتقواه، والحث على عبادته، والأمر بصلة الأرحام، والحث على ذلك.

وبيَّن السبب الداعي الموجب لكل من ذلك، وأن الموجب لتقواه لأنه { رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ } ورزقكم، ورباكم بنعمه العظيمة، التي من جملتها خلقكم { مِن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا } ليناسبها، فيسكن إليها، وتتم بذلك النعمة، ويحصل به السرور، وكذلك من الموجب الداعي لتقواه تساؤلكم به وتعظيمكم، حتى إنكم إذا أردتم قضاء حاجاتكم ومآربكم، توسلتم بـها بالسؤال بالله. فيقول من يريد ذلك لغيره: أسألك بالله أن تفعل الأمر الفلاني؛ لعلمه بما قام في قلبه من تعظيم الله الداعي أن لا يرد من سأله بالله، فكما عظمتموه بذلك فلتعظموه بعبادته وتقواه.

وكذلك الإخبار بأنه رقيب، أي: مطلع على العباد في حال حركاتـهم وسكونـهم، وسرهم وعلنهم، وجميع أحوالهم، مراقبا لهم فيها مما يوجب مراقبته، وشدة الحياء منه، بلزوم تقواه.

وفي الإخبار بأنه خلقهم من نفس واحدة، وأنه بثهم في أقطار الأرض، مع رجوعهم إلى أصل واحد -ليعطف بعضهم على بعض، ويرقق بعضهم على بعض. وقرن الأمر بتقواه بالأمر ببر الأرحام والنهي عن قطيعتها، ليؤكد هذا الحق، وأنه كما يلزم القيام بحق الله، كذلك يجب القيام بحقوق الخلق، خصوصا الأقربين منهم، بل القيام بحقوقهم هو من حق الله الذي أمر به.

وتأمل كيف افتتح هذه السورة بالأمر بالتقوى، وصلة الأرحام والأزواج عموما، ثم بعد ذلك فصل هذه الأمور أتم تفصيل، من أول السورة إلى آخرها. فكأنـها مبنية على هذه الأمور المذكورة، مفصلة لما أجمل منها، موضحة لما أبهم.

وفي قوله: { وخلق مِنْهَا زَوْجَهَا } تنبيه على مراعاة حق الأزواج والزوجات والقيام به، لكون الزوجات مخلوقات من الأزواج، فبينهم وبينهن أقرب نسب وأشد اتصال، وأقرب علاقة.


وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا }

وقوله تعالى: { وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبا كبيرا } هذا أول ما أوصى به من حقوق الخلق في هذه السورة. وهم اليتامى الذين فقدوا آباءهم الكافلين لهم، وهم صغار ضعاف لا يقومون بمصالحهم.

فأمر الرءوف الرحيم عباده أن يحسنوا إليهم، وأن لا يقربوا أموالهم إلا بالتي هي أحسن، وأن يؤتوهم أموالهم إذا بلغوا ورشدوا، كاملة موفرة، وأن لا { تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ } الذي هو أكل مال اليتيم بغير حق. { بِالطَّيِّبِ } وهو الحلال الذي ما فيه حرج ولا تبعة. { وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ } أي: مع أموالكم، ففيه تنبيه لقبح أكل مالهم بهذه الحالة، التي قد استغنى بها الإنسان بما جعل الله له من الرزق في ماله. فمن تجرأ على هذه الحالة، فقد أتى { حُوبًا كَبِيرًا } أي: إثمًا عظيمًا، ووزرًا جسيمًا.

ومن استبدال الخبيث بالطيب أن يأخذ الولي من مال اليتيم النفيس، ويجعل بدله من ماله الخسيس. وفيه الولاية على اليتيم، لأن مِنْ لازم إيتاء اليتيم ماله، ثبوت ولاية المؤتي على ماله.

وفيه الأمر بإصلاح مال اليتيم، لأن تمام إيتائه ماله حفظه والقيام به بما يصلحه وينميه وعدم تعريضه للمخاوف والأخطار.

{ 3 - 4 } { وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا * وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا }

أي: وإن خفتم ألا تعدلوا في يتامى النساء اللاتي تحت حجوركم وولايتكم وخفتم أن لا تقوموا بحقهن لعدم محبتكم إياهن، فاعدلوا إلى غيرهن، وانكحوا { مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء } أي: ما وقع عليهن اختياركم من ذوات الدين، والمال، والجمال، والحسب، والنسب، وغير ذلك من الصفات الداعية لنكاحهن، فاختاروا على نظركم، ومن أحسن ما يختار من ذلك صفة الدين كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "تنكح المرأة لأربع لمالها ولجمالها ولحسبها ولدينها فاظفر بذات الدين تَرِبَتْ يمينك"

وفي هذه الآية - أنه ينبغي للإنسان أن يختار قبل النكاح، بل وقد أباح له الشارع النظر إلى مَنْ يريد تزوجها ليكون على بصيرة من أمره. ثم ذكر العدد الذي أباحه من النساء فقال: { مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ } أي: من أحب أن يأخذ اثنتين فليفعل، أو ثلاثا فليفعل، أو أربعا فليفعل، ولا يزيد عليها، لأن الآية سيقت لبيان الامتنان، فلا يجوز الزيادة على غير ما سمى الله تعالى إجماعا.

وذلك لأن الرجل قد لا تندفع شهوته بالواحدة، فأبيح له واحدة بعد واحدة، حتى يبلغ أربعا، لأن في الأربع غنية لكل أحد، إلا ما ندر، ومع هذا فإنما يباح له ذلك إذا أمن على نفسه الجور والظلم، ووثق بالقيام بحقوقهن.

فإن خاف شيئا من هذا فليقتصر على واحدة، أو على ملك يمينه. فإنه لا يجب عليه القسم في ملك اليمين { ذَلِك } أي: الاقتصار على واحدة أو ما ملكت اليمين { أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا } أي: تظلموا.

وفي هذا أن تعرض العبد للأمر الذي يخاف منه الجور والظلم، وعدم القيام بالواجب -ولو كان مباحًا- أنه لا ينبغي له أن يتعرض، له بل يلزم السعة والعافية، فإن العافية خير ما أعطي العبد.

ولما كان كثير من الناس يظلمون النساء ويهضمونـهن حقوقهن، خصوصا الصداق الذي يكون شيئا كثيرًا، ودفعة واحدة، يشق دفعه للزوجة، أمرهم وحثهم على إيتاء النساء { صَدُقَاتِهِنَّ } أي: مهورهن { نِحْلَةً } أي: عن طيب نفس، وحال طمأنينة، فلا تمطلوهن أو تبخسوا منه شيئا. وفيه: أن المهر يدفع إلى المرأة إذا كانت مكلفة، وأنـها تملكه بالعقد، لأنه أضافه إليها، والإضافة تقتضي التمليك.

{ فَإِنْ طِبْنَ لَكُم عَنْ شَيْءٍ مِّنْهُ } أي: من الصداق { نَفْسًا } بأن سمحن لكم عن رضا واختيار بإسقاط شيء منه، أو تأخيره أو المعاوضة عنه. { فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا } أي: لا حرج عليكم في ذلك ولا تبعة.

وفيه دليل على أن للمرأة التصرف في مالها -ولو بالتبرع- إذا كانت رشيدة، فإن لم تكن كذلك فليس لعطيتها حكم، وأنه ليس لوليها من الصداق شيء، غير ما طابت به.

وفي قوله: { فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء } دليل على أن نكاح الخبيثة غير مأمور به، بل منهي عنه كالمشركة، وكالفاجرة، كما قال تعالى: { وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ } وقال: { وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ }


{ 5 } { وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا }

وقوله تعالى: { ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا } السفهاء: جمع "سفيه" وهو: من لا يحسن التصرف في المال، إما لعدم عقله كالمجنون والمعتوه، ونحوهما، وإما لعدم رشده كالصغير وغير الرشيد. فنهى الله الأولياء أن يؤتوا هؤلاء أموالهم خشية إفسادها وإتلافها، لأن الله جعل الأموال قياما لعباده في مصالح دينهم ودنياهم، وهؤلاء لا يحسنون القيام عليها وحفظها، فأمر الولي أن لا يؤتيهم إياها، بل يرزقهم منها ويكسوهم، ويبذل منها ما يتعلق بضروراتهم وحاجاتهم الدينية والدنيوية، وأن يقولوا لهم قولا معروفا، بأن يعدوهم -إذا طلبوها- أنهم سيدفعونها لهم بعد رشدهم، ونحو ذلك، ويلطفوا لهم في الأقوال جبرًا لخواطرهم.

وفي إضافته تعالى الأموال إلى الأولياء، إشارة إلى أنه يجب عليهم أن يعملوا في أموال السفهاء ما يفعلونه في أموالهم، من الحفظ والتصرف وعدم التعريض للأخطار. وفي الآية دليل على أن نفقة المجنون والصغير والسفيه في مالهم، إذا كان لهم مال، لقوله: { وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ }

وفيه دليل على أن قول الولي مقبول فيما يدعيه من النفقة الممكنة والكسوة؛ لأن الله جعله مؤتمنا على مالهم فلزم قبول قول الأمين.


{ 6 } { وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا }

الابتلاء: هو الاختبار والامتحان، وذلك بأن يدفع لليتيم المقارب للرشد، الممكن رشده، شيئا من ماله، ويتصرف فيه التصرف اللائق بحاله، فيتبين بذلك رشده من سفهه، فإن استمر غير محسن للتصرف لم يدفع إليه ماله، بل هو باق على سفهه، ولو بلغ عمرا كثيرا.

فإن تبين رشده وصلاحه في ماله وبلغ النكاح { فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ } كاملة موفرة. { وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا } أي: مجاوزة للحد الحلال الذي أباحه الله لكم من أموالكم، إلى الحرام الذي حرمه الله عليكم من أموالهم.

{ وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا } أي: ولا تأكلوها في حال صغرهم التي لا يمكنهم فيها أخذها منكم، ولا منعكم من أكلها، تبادرون بذلك أن يكبروا، فيأخذوها منكم ويمنعوكم منها.

وهذا من الأمور الواقعة من كثير من الأولياء، الذين ليس عندهم خوف من الله، ولا رحمة ومحبة للمولى عليهم، يرون هذه الحال حال فرصة فيغتنمونها ويتعجلون ما حرم الله عليهم، فنهى الله تعالى عن هذه الحالة بخصوصها.

{ 7 } { لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا }

كان العرب في الجاهلية - من جبروتهم وقسوتهم لا يورثون الضعفاء كالنساء والصبيان، ويجعلون الميراث للرجال الأقوياء لأنهم -بزعمهم- أهل الحرب والقتال والنهب والسلب، فأراد الرب الرحيم الحكيم أن يشرع لعباده شرعًا، يستوي فيه رجالهم ونساؤهم، وأقوياؤهم وضعفاؤهم. وقدم بين يدي ذلك أمرا مجملا لتتوطَّن على ذلك النفوس.

فيأتي التفصيل بعد الإجمال، قد تشوفت له النفوس، وزالت الوحشة التي منشؤها العادات القبيحة، فقال: { لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ } : أي: قسط وحصة { مِمَّا تَرَكَ } أي: خلف { الْوَالِدَان } أي: الأب والأم { وَالْأَقْرَبُونَ } عموم بعد خصوص { وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ }

فكأنه قيل: هل ذلك النصيب راجع إلى العرف والعادة، وأن يرضخوا لهم ما يشاءون؟ أو شيئا مقدرا؟ فقال تعالى: { نَصِيبًا مَفْرُوضًا } : أي: قد قدره العليم الحكيم. وسيأتي -إن شاء الله- تقدير ذلك.

وأيضا فهاهنا توهم آخر، لعل أحدا يتوهم أن النساء والولدان ليس لهم نصيب إلا من المال الكثير، فأزال ذلك بقوله: { مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ } فتبارك الله أحسن الحاكمين.


{ 8 } { وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا }

وهذا من أحكام الله الحسنة الجليلة الجابرة للقلوب فقال: { وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ } أي: قسمة المواريث { أُولُو الْقُرْبَى } أي: الأقارب غير الوارثين بقرينة قوله: { الْقِسْمَةَ } لأن الوارثين من المقسوم عليهم. { وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِين } أي: المستحقون من الفقراء. { فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ } أي: أعطوهم ما تيسر من هذا المال الذي جاءكم بغير كد ولا تعب، ولا عناء ولا نَصَب، فإن نفوسهم متشوفة إليه، وقلوبهم متطلعة، فاجبروا خواطرهم بما لا يضركم وهو نافعهم.

ويؤخذ من المعنى أن كل من له تطلع وتشوف إلى ما حضر بين يدي الإنسان، ينبغي له أن يعطيه منه ما تيسر، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا جاء أحدَكم خادمُه بطعامه فليجلسه معه، فإن لم يجلسه معه، فليناوله لقمة أو لقمتين" أو كما قال.

وكان الصحابة رضي الله عنهم -إذا بدأت باكورة أشجارهم- أتوا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فبرَّك عليها، ونظر إلى أصغر وليد عنده فأعطاه ذلك، علما منه بشدة تشوفه لذلك، وهذا كله مع إمكان الإعطاء، فإن لم يمكن ذلك -لكونه حق سفهاء، أو ثَم أهم من ذلك- فليقولوا لهم { قَولًا مَعْرُوفًا } يردوهم ردًّا جميلا، بقول حسن غير فاحش ولا قبيح.


{ 9 - 10 } { وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا }

قيل: إن هذا خطاب لمن يحضر مَنْ حضره الموت وأجنف في وصيته، أن يأمره بالعدل في وصيته والمساواة فيها، بدليل قوله: { وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا } أي: سدادا، موافقا للقسط والمعروف. وأنهم يأمرون من يريد الوصية على أولاده بما يحبون معاملة أولادهم بعدهم.

وقيل: إن المراد بذلك أولياء السفهاء من المجانين والصغار والضعاف أن يعاملوهم في مصالحهم الدينية والدنيوية بما يحبون أن يعامل به مَنْ بعدهم من ذريتهم الضعاف { فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ } في ولايتهم لغيرهم، أي: يعاملونهم بما فيه تقوى الله، من عدم إهانتهم والقيام عليهم، وإلزامهم لتقوى الله.

ولما أمرهم بذلك، زجرهم عن أكل أموال اليتامى، وتوعد على ذلك أشد العذاب فقال: { إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا } أي: بغير حق. وهذا القيد يخرج به ما تقدم، من جواز الأكل للفقير بالمعروف، ومن جواز خلط طعامهم بطعام اليتامى.

فمَنْ أكلها ظلمًا فـ { إنما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا } أي: فإن الذي أكلوه نار تتأجج في أجوافهم وهم الذين أدخلوها في بطونهم. { وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا } أي: نارًا محرقة متوقدة. وهذا أعظم وعيد ورد في الذنوب، يدل على شناعة أكل أموال اليتامى وقبحها، وأنها موجبة لدخول النار، فدل ذلك أنها من أكبر الكبائر. نسأل الله العافية.


{ 11 - 12 } { يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا *وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ }

هذه الآيات والآية التي هي آخر السورة هن آيات المواريث المتضمنة لها. فإنها مع حديث عبد الله بن عباس الثابت في صحيح البخاري "ألْحِقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر" - مشتملات على جل أحكام الفرائض، بل على جميعها كما سترى ذلك، إلا ميراث الجدات فإنه غير مذكور في ذلك. لكنه قد ثبت في السنن عن المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى الجدة السدس، مع إجماع العلماء على ذلك.

فقوله تعالى: { يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ } أي: أولادكم -يا معشر الوالِدِين- عندكم ودائع قد وصاكم الله عليهم، لتقوموا بمصالحهم الدينية والدنيوية، فتعلمونهم وتؤدبونهم وتكفونهم عن المفاسد، وتأمرونهم بطاعة الله وملازمة التقوى على الدوام كما قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ } فالأولاد عند والديهم موصى بهم، فإما أن يقوموا بتلك الوصية، وإما أن يضيعوها فيستحقوا بذلك الوعيد والعقاب.

وهذا مما يدل على أن الله تعالى أرحم بعباده من الوالدين، حيث أوصى الوالدين مع كمال شفقتهم، عليهم.

ثم ذكر كيفية إرثهم فقال: { لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ } أي: الأولاد للصلب، والأولاد للابن، للذكر مثل حظ الأنثيين، إن لم يكن معهم صاحب فرض، أو ما أبقت الفروض يقتسمونه كذلك، وقد أجمع العلماء على ذلك، وأنه -مع وجود أولاد الصلب- فالميراث لهم. وليس لأولاد الابن شيء، حيث كان أولاد الصلب ذكورًا وإناثا، هذا مع اجتماع الذكور والإناث. وهنا حالتان: انفراد الذكور، وسيأتي حكمها. وانفراد الإناث، وقد ذكره بقوله: { فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ } أي: بنات صلب أو بنات ابن، ثلاثا فأكثر { فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَة } أي: بنتا أو بنت ابن { فَلَهَا النِّصْفُ } وهذا إجماع.

بقي أن يقال: من أين يستفاد أن للابنتين الثنتين الثلثين بعد الإجماع على ذلك؟

فالجواب أنه يستفاد من قوله: { وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ } فمفهوم ذلك أنه إن زادت على الواحدة، انتقل الفرض عن النصف، ولا ثَمَّ بعده إلا الثلثان. وأيضا فقوله: { لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ } إذا خلَّف ابنًا وبنتًا، فإن الابن له الثلثان، وقد أخبر الله أنه مثل حظ الأنثيين، فدل ذلك على أن للبنتين الثلثين.

وأيضًا فإن البنت إذا أخذت الثلث مع أخيها - وهو أزيد ضررًا عليها من أختها، فأخذها له مع أختها من باب أولى وأحرى.

وأيضا فإن قوله تعالى في الأختين: { فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ } نص في الأختين الثنتين.

فإذا كان الأختان الثنتان -مع بُعدهما- يأخذان الثلثين فالابنتان -مع قربهما- من باب أولى وأحرى. وقد أعطى النبي صلى الله عليه وسلم ابنتي سعد الثلثين كما في الصحيح.

بقي أن يقال: فما الفائدة في قوله: { فَوْقَ اثْنَتَيْن } ؟. قيل: الفائدة في ذلك -والله أعلم- أنه ليعلم أن الفرض الذي هو الثلثان لا يزيد بزيادتهن على الثنتين بل من الثنتين فصاعدًا. ودلت الآية الكريمة أنه إذا وجد بنت صلب واحدة، وبنت ابن أو بنات ابن، فإن لبنت الصلب النصف، ويبقى من الثلثين اللذين فرضهما الله للبنات أو بنات الابن السدس، فيعطى بنت الابن، أو بنات الابن، ولهذا يسمى هذا السدس تكملة الثلثين.

ومثل ذلك بنت الابن، مع بنات الابن اللاتي أنزل منها.

وتدل الآية أنه متى استغرق البنات أو بنات الابن الثلثين، أنه يسقط مَنْ دونهن مِنْ بنات الابن لأن الله لم يفرض لهن إلا الثلثين، وقد تم. فلو لم يسقطن لزم من ذلك أن يفرض لهن أزيَد من الثلثين، وهو خلاف النص.

وكل هذه الأحكام مجمع عليها بين العلماء ولله الحمد.

ودل قوله: { مِمَّا تَرَكَ } أن الوارثين يرثون كل ما خلف الميت من عقار وأثاث وذهب وفضة وغير ذلك، حتى الدية التي لم تجب إلا بعد موته، وحتى الديون التي في الذمم

ثم ذكر ميراث الأبوين فقال: { وَلِأَبَوَيْهِ } أي: أبوه وأمه { لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ } أي: ولد صلب أو ولد ابن ذكرًا كان أو أنثى، واحدًا أو متعددًا.

فأما الأُم فلا تزيد على السدس مع أحد من الأولاد.

وأما الأب فمع الذكور منهم، لا يستحق أزيد من السدس، فإن كان الولد أنثى أو إناثا ولم يبق بعد الفرض شيء -كأبوين وابنتين- لم يبق له تعصيب. وإن بقي بعد فرض البنت أو البنات شيء أخذ الأب السدس فرضًا، والباقي تعصيبًا، لأننا ألحقنا الفروض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر، وهو أولى من الأخ والعم وغيرهما.

{ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ } أي: والباقي للأب لأنه أضاف المال إلى الأب والأُم إضافة واحدة، ثم قدر نصيب الأُم، فدل ذلك على أن الباقي للأب.

وعلم من ذلك أن الأب مع عدم الأولاد لا فرض له، بل يرث تعصيبا المال كله، أو ما أبقت الفروض، لكن لو وجد مع الأبوين أحد الزوجين -ويعبر عنهما بالعمريتين- فإن الزوج أو الزوجة يأخذ فرضه، ثم تأخذ الأُم ثلث الباقي والأب الباقي.

وقد دل على ذلك قوله: { وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ } أي: ثلث ما ورثه الأبوان. وهو في هاتين الصورتين إما سدس في زوج وأم وأب، وإما ربع في زوجة وأم وأب. فلم تدل الآية على إرث الأُم ثلثَ المال كاملا مع عدم الأولاد حتى يقال: إن هاتين الصورتين قد استثنيتا من هذا.

ويوضح ذلك أن الذي يأخذه الزوج أو الزوجة بمنزلة ما يأخذه الغرماء، فيكون من رأس المال، والباقي بين الأبوين.

ولأنا لو أعطينا الأُم ثلث المال، لزم زيادتها على الأب في مسألة الزوج، أو أخذ الأب في مسألة الزوجة زيادة عنها نصفَ السدس، وهذا لا نظير له، فإن المعهود مساواتها للأب، أو أخذه ضعفَ ما تأخذه الأم.

{ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ } أشقاء، أو لأب، أو لأم، ذكورًا كانوا أو إناثًا، وارثين أو محجوبين بالأب أو الجد [لكن قد يقال: ليس ظاهرُ قوله: { فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ } شاملا لغير الوارثين بدليل عدم تناولها للمحجوب بالنصف، فعلى هذا لا يحجبها عن الثلث من الإخوة إلا الإخوة الوارثون. ويؤيده أن الحكمة في حجبهم لها عن الثلث لأجل أن يتوفر لهم شيء من المال، وهو معدوم، والله أعلم] ولكن بشرط كونهم اثنين فأكثر، ويشكل على ذلك إتيان لفظ "الإخوة" بلفظ الجمع. وأجيب عن ذلك بأن المقصود مجرد التعدد، لا الجمع، ويصدق ذلك باثنين.

وقد يطلق الجمع ويراد به الاثنان، كما في قوله تعالى عن داود وسليمان { وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ } وقال في الإخوة للأُم: { وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِن كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ }

فأطلق لفظ الجمع والمراد به اثنان فأكثر بالإجماع. فعلى هذا لو خلف أمًّا وأبًا وإخوة، كان للأُم السدس، والباقي للأب فحجبوها عن الثلث، مع حجب الأب إياهم [إلا على الاحتمال الآخر فإن للأم الثلث والباقي للأب]

ثم قال تعالى: { مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ } أي: هذه الفروض والأنصباء والمواريث إنما ترد وتستحق بعد نزع الديون التي على الميت لله أو للآدميين، وبعد الوصايا التي قد أوصى الميت بها بعد موته، فالباقي عن ذلك هو التركة الذي يستحقه الورثة.

وقدم الوصية مع أنها مؤخرة عن الدين للاهتمام بشأنها، لكون إخراجها شاقًّا على الورثة، وإلا فالديون مقدمة عليها، وتكون من رأس المال.

وأما الوصية فإنها تصح من الثلث فأقل للأجنبي الذي هو غير وارث. وأما غير ذلك فلا ينفذ إلا بإجازة الورثة، قال تعالى: { آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا }

فلو ردَّ تقدير الإرث إلى عقولكم واختياركم لحصل من الضرر ما الله به عليم، لنقص العقول وعدم معرفتها بما هو اللائق الأحسن، في كل زمان ومكان. فلا يدرون أَيُّ الأولادِ أو الوالِدين أنفع لهم، وأقرب لحصول مقاصدهم الدينية والدنيوية.

{ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا } أي: فرضها الله الذي قد أحاط بكل شيء علمًا، وأحكم ما شرعه وقدَّر ما قدَّره على أحسن تقدير لا تستطيع العقول أن تقترح مثل أحكامه الصالحة الموافقة لكل زمان ومكان وحال.

ثم قال تعالى: { وَلَكُمْ } أيها الأزواج { نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُنْ لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم مِّنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ }

ويدخل في مسمى الولد المشروط وجوده أو عدمه، ولد الصلب أو ولد الابن الذكر والأُنثى، الواحد والمتعدد، الذي من الزوج أو من غيره، ويخرج عنه ولد البنات إجماعًا.

ثم قال تعالى: { وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ } أي: من أم، كما هي في بعض القراءات. وأجمع العلماء على أن المراد بالإخوة هنا الإخوة للأُم، فإذا كان يورث كلالة أي: ليس للميت والد ولا ولد أي: لا أب ولا جد ولا ابن ولا ابن ابن ولا بنت ولا بنت ابن وإن نزلوا. وهذه هي الكلالة كما فسرها بذلك أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وقد حصل على ذلك الاتفاق ولله الحمد.

{ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا } أي: من الأخ والأخت { السُّدُسُ }، { فَإِن كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ } أي: من واحد { فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ } أي: لا يزيدون على الثلث ولو زادوا عن اثنين. ودل قوله: { فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ } أن ذَكَرهم وأنثاهم سواء، لأن لفظ "التشريك" يقتضي التسوية.

ودل لفظ { الْكَلَالَةِ } على أن الفروع وإن نزلوا، والأصولَ الذكور وإن علوا، يُسقطون أولاد الأُم، لأن الله لم يورثهم إلا في الكلالة، فلو لم يكن يورث كلالة، لم يرثوا منه شيئًا اتفاقًا.

ودل قوله: { فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ } أن الإخوة الأشقاء يَسقُطون في المسألة المسماة بالحمارية. وهى: زوج، وأم، وإخوة لأم، وإخوة أشقاء. للزوج النصف، وللأم السدس، وللأخوة للأم الثلث، ويسقط الأشقاء، لأن الله أضاف الثلث للإخوة من الأُم، فلو شاركهم الأشقاء لكان جمعا لما فرَّق الله حكمه. وأيضا فإن الإخوة للأم أصحاب فروض، والأشقاء عصبات. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: - "ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر" - وأهل الفروض هم الذين قدَّر الله أنصباءهم، ففي هذه المسألة لا يبقى بعدهم شيء، فيَسْقُط الأشقاء، وهذا هو الصواب في ذلك.

وأما ميراث الإخوة والأخوات الأشقاء أو لأب، فمذكور في قوله: { يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ } الآية.

فالأخت الواحدة شقيقة أو لأب لها النصف، والثنتان لهما الثلثان، والشقيقة الواحدة مع الأخت للأب أو الأخوات تأخذ النصف، والباقي من الثلثين للأخت أو الأخوات لأب وهو السدس تكملة الثلثين. وإذ استغرقت الشقيقات الثلثين سقط الأخوات للأب كما تقدم في البنات وبنات الابن. وإن كان الإخوة رجالاً ونساءً فللذكر مثل حظ الأنثيين.

فإن قيل: فهل يستفاد حكم ميراث القاتل، والرقيق، والمخالف في الدين، والمبعض، والخنثى، والجد مع الإخوة لغير أم، والعول، والرد، وذوي الأرحام، وبقية العصبة، والأخوات لغير أم مع البنات أو بنات الابن من القرآن أم لا؟

قيل: نعم، فيه تنبيهات وإشارات دقيقة يعسر فهمها على غير المتأمل تدل على جميع المذكورات. فأما (القاتل والمخالف في الدين) فيعرف أنهما غير وارثين من بيان الحكمة الإلهية في توزيع المال على الورثة بحسب قربهم ونفعهم الديني والدنيوي.

وقد أشار تعالى إلى هذه الحكمة بقوله: { لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا } وقد عُلم أن القاتل قد سعى لمورثه بأعظم الضرر، فلا ينتهض ما فيه من موجب الإرث أن يقاوم ضرر القتل الذي هو ضد النفع الذي رتب عليه الإرث. فعُلم من ذلك أن القتل أكبر مانع يمنع الميراث، ويقطع الرحم الذي قال الله فيه: { وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ } مع أنه قد استقرت القاعدة الشرعية أن "من استعجل شيئا قبل أوانه عوقب بحرمانه"

وبهذا ونحوه يعرف أن المخالف لدين الموروث لا إرث له، وذلك أنه قد تعارض الموجب الذي هو اتصال النسب الموجب للإرث، والمانعُ الذي هو المخالفة في الدين الموجبة للمباينة من كل وجه، فقوي المانع ومنع موجب الإرث الذي هو النسب، فلم يعمل الموجب لقيام المانع. يوضح ذلك أن الله تعالى قد جعل حقوق المسلمين أولى من حقوق الأقارب الكفار الدنيوية، فإذا مات المسلم انتقل ماله إلى من هو أولى وأحق به. فيكون قوله تعالى: { وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ } إذا اتفقت أديانهم، وأما مع تباينهم فالأخوة الدينية مقدمة على الأخوة النسبية المجردة.

قال ابن القيم في "جلاء الأفهام": وتأمل هذا المعنى في آية المواريث، وتعليقه سبحانه التوارث فيها بلفظ الزوجة دون المرأة، كما في قوله تعالى: { وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ } إيذانا بأن هذا التوارث إنما وقع بالزوجية المقتضية للتشاكل والتناسب، والمؤمن والكافر لا تشاكل بينهما ولا تناسب، فلا يقع بينهما التوارث. وأسرار مفردات القرآن ومركباته فوق عقول العالمين [انتهى].

وأما ( الرقيق ) فإنه لا يرث ولا يورث، أما كونه لا يورث فواضح، لأنه ليس له مال يورث عنه، بل كل ما معه فهو لسيده. وأما كونه لا يرث فلأنه لا يملك، فإنه لو ملك لكان لسيده، وهو أجنبي من الميت فيكون مثل قوله تعالى: { لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْن } { وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ } { فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ } ونحوها لمن يتأتى منه التملك، وأما الرقيق فلا يتأتى منه ذلك، فعلم أنه لا ميراث له. وأما مَنْ بعضه حر وبعضه رقيق فإنه تتبعض أحكامه. فما فيه من الحرية يستحق بها ما رتبه الله في المواريث، لكون ما فيه من الحرية قابلا للتملك، وما فيه من الرق فليس بقابل لذلك، فإذا يكون المبعض، يرث ويورث، ويحجب بقدر ما فيه من الحرية. وإذا كان العبد يكون محمودا مذموما، مثابا ومعاقبا، بقدر ما فيه من موجبات ذلك، فهذا كذلك. وأما ( الخنثى ) فلا يخلو إما أن يكون واضحا ذكوريته أو أنوثيته، أو مشكلا. فإن كان واضحا فالأمر فيه واضح.

إن كان ذكرا فله حكم الذكور، ويشمله النص الوارد فيهم.

وإن كان أنثى فله حكم الإناث، ويشملها النص الوارد فيهن.

وإن كان مشكلا، فإن كان الذكر والأنثى لا يختلف إرثهما -كالإخوة للأم- فالأمر فيه واضح، وإن كان يختلف إرثه بتقدير ذكوريته وبتقدير أنوثيته، ولم يبق لنا طريق إلى العلم بذلك، لم نعطه أكثر التقديرين، لاحتمال ظلم من معه من الورثة، ولم نعطه الأقل، لاحتمال ظلمنا له. فوجب التوسط بين الأمرين، وسلوكُ أعدل الطريقين، قال تعالى: { اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى } وليس لنا طريق إلى العدل في مثل هذا أكثر من هذا الطريق المذكور. و { لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا } { فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ }

وأما ( ميراث الجد ) مع الإخوة الأشقاء أو لأب، وهل يرثون معه أم لا؟ فقد دل كتاب الله على قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وأن الجد يحجب الإخوة أشقاء أو لأب أو لأم، كما يحجبهم الأب.

وبيان ذلك: أن الجد أب في غير موضع من القرآن كقوله تعالى: { إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ } الآية. وقال يوسف عليه السلام: { وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ }

فسمى الله الجد وجد الأب أبا، فدل ذلك على أن الجد بمنزلة الأب، يرث ما يرثه الأب، ويحجب من يحجبه.

وإذا كان العلماء قد أجمعوا على أن الجد حكمه حكم الأب عند عدمه في ميراثه مع الأولاد وغيرهم من بني الإخوة والأعمام وبنيهم، وسائر أحكام المواريث، فينبغي أيضا أن يكون حكمُه حكمَه في حجب الإخوة لغير أم.

وإذا كان ابن الابن بمنزلة ابن الصلب فلم لا يكون الجد بمنزلة الأب؟ وإذا كان جد الأب مع ابن الأخ قد اتفق العلماء على أنه يحجبه. فلم لا يحجب جد الميت أخاه؟ فليس مع مَنْ يورِّث الإخوةَ مع الجد، نص ولا إشارة ولا تنبيه ولا قياس صحيح.

وأما مسائل (العول) فإنه يستفاد حكمها من القرآن، وذلك أن الله تعالى قد فرض وقدر لأهل المواريث أنصباء، وهم بين حالتين:

إما أن يحجب بعضهم بعضًا أو لا. فإن حجب بعضهم بعضا، فالمحجوب ساقط لا يزاحِم ولا يستحق شيئا، وإن لم يحجب بعضهم بعضا فلا يخلو، إما أن لا تستغرق الفروض التركة، أو تستغرقها من غير زيادة ولا نقص، أو تزيد الفروض على التركة، ففي الحالتين الأوليين كل يأخذ فرضه كاملا. وفي الحالة الأخيرة وهي ما إذا زادت الفروض على التركة فلا يخلو من حالين:

إما أن ننقص بعضَ الورثة عن فرضه الذي فرضه الله له، ونكمل للباقين منهم فروضهم، وهذا ترجيح بغير مرجح، وليس نقصان أحدهم بأولى من الآخر، فتعينت الحال الثانية، وهي: أننا نعطي كل واحد منهم نصيبه بقدر الإمكان، ونحاصص بينهم كديون الغرماء الزائدة على مال الغريم، ولا طريق موصل إلى ذلك إلا بالعول، فعلم من هذا أن العول في الفرائض قد بينه الله في كتابه.

وبعكس هذه الطريقة بعينها يعلم ( الرد ) فإن أهل الفروض إذا لم تستغرق فروضُهم التركةَ وبقي شيء ليس له مستحق من عاصب قريب ولا بعيد، فإن رده على أحدهم ترجيح بغير مرجح، وإعطاؤه غيرَهم ممن ليس بقريب للميت جنف وميل، ومعارضة لقوله: { وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ } فتعين أن يُرَدَّ على أهل الفروض بقدر فروضهم.

ولما كان الزوجان ليسا من القرابة، لم يستحقا زيادة على فرضهم المقدر [هذا عند من لا يورِّث الزوجين بالرد، وهم جمهور القائلين بالرد، فعلى هذا تكون علة الرد كونه صاحب فرض قريبا، وعلى القول الآخر، أن الزوجين كغيرهما من ذوي الفروض يُرَدُّ عليهما؛ فكما ينقصان بالعول فإنهما يزادان بالرد كغيرهما، فالعلة على هذا كونه وارثا صاحب فرض، فهذا هو الظاهر من دلالة الكتاب والسنة، والقياس الصحيح، والله أعلم]

وبهذا يعلم أيضا ( ميراث ذوي الأرحام ) فإن الميت إذا لم يخلف صاحب فرض ولا عاصبا، وبقي الأمر دائرا بين كون ماله يكون لبيت المال لمنافع الأجانب، وبين كون ماله يرجع إلى أقاربه المدلين بالورثة المجمع عليهم، ويدل على ذلك قوله تعالى: { وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ } فصرفه لغيرهم ترك لمن هو أولى من غيره، فتعين توريث ذوي الأرحام.

وإذا تعين توريثهم، فقد علم أنه ليس لهم نصيب مقدر بأعيانهم في كتاب الله. وأن بينهم وبين الميت وسائط، صاروا بسببها من الأقارب. فينزلون منزلة من أدلوا به من تلك الوسائط. والله أعلم.

وأما ( ميراث بقية العصبة ) كالبنوة والأخوة وبنيهم، والأعمام وبنيهم إلخ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولي رجل ذكر" وقال تعالى: { وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ } فإذا ألحقنا الفروض بأهلها ولم يبق شيء، لم يستحق العاصب شيئًا، وإن بقي شيء أخذه أولي العصبة، وبحسب جهاتهم ودرجاتهم.

فإن جهات العصوبة خمس: البنوة، ثم الأبوة، ثم الأخوة وبنوهم، ثم العمومة وبنوهم، ثم الولاء، فيقدم منهم الأقرب جهة. فإن كانوا في جهة واحدة فالأقرب منزلة، فإن كانوا في منزلة واحدة فالأقوى، وهو الشقيق، فإن تساووا من كل وجه اشتركوا. والله أعلم.

وأما كون الأخوات لغير أم مع البنات أو بنات الابن عصبات، يأخذن ما فضل عن فروضهن، فلأنه ليس في القرآن ما يدل على أن الأخوات يسقطن بالبنات.

فإذا كان الأمر كذلك، وبقي شيء بعد أخذ البنات فرضهن، فإنه يعطى للأخوات ولا يعدل عنهن إلى عصبة أبعد منهن، كابن الأخ والعم، ومن هو أبعد منهم. والله أعلم.


{ 13 - 14 } { تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ }

أي: تلك التفاصيل التي ذكرها في المواريث حدود الله التي يجب الوقوف معها وعدم مجاوزتها، ولا القصور عنها، وفي ذلك دليل على أن الوصية للوارث منسوخة بتقديره تعالى أنصباء الوارثين.

ثم قوله تعالى: { تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ } فالوصية للوارث بزيادة على حقه يدخل في هذا التعدي، مع قوله صلى الله عليه وسلم: "لا وصية لوارث" ثم ذكر طاعة الله ورسوله ومعصيتهما عموما ليدخل في العموم لزوم حدوده في الفرائض أو ترك ذلك فقال: { وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ } بامتثال أمرهما الذي أعظمه طاعتهما في التوحيد، ثم الأوامر على اختلاف درجاتها واجتناب نهيهما الذي أعظمُه الشرك بالله، ثم المعاصي على اختلاف طبقاتها { يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا } فمن أدى الأوامر واجتنب النواهي فلا بد له من دخول الجنة والنجاة من النار. { وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } الذي حصل به النجاة من سخطه وعذابه، والفوز بثوابه ورضوانه بالنعيم المقيم الذي لا يصفه الواصفون.

{ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ } ويدخل في اسم المعصية الكفر فما دونه من المعاصي، فلا يكون فيها شبهة للخوارج القائلين بكفر أهل المعاصي فإن الله تعالى رتب دخول الجنة على طاعته وطاعة رسوله. ورتب دخول النار على معصيته ومعصية رسوله، فمن أطاعه طاعة تامة دخل الجنة بلا عذاب.

ومن عصى الله ورسوله معصية تامة يدخل فيها الشرك فما دونه، دخل النار وخلد فيها، ومن اجتمع فيه معصية وطاعة، كان فيه من موجب الثواب والعقاب بحسب ما فيه من الطاعة والمعصية. وقد دلت النصوص المتواترة على أن الموحدين الذين معهم طاعة التوحيد، غير مخلدين في النار، فما معهم من التوحيد مانع لهم من الخلود فيها.



{ 15 - 16 } { وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا * وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا }

أي: النساء { اللاتي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ } أي: الزنا، ووصفها بالفاحشة لشناعتها وقبحها.

{ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ } أي: من رجالكم المؤمنين العدول. { فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ } أي: احبسوهن عن الخروج الموجب للريبة. وأيضا فإن الحبس من جملة العقوبات { حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ } أي: هذا منتهى الحبس. { أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا } أي: طريقا غير الحبس في البيوت، وهذه الآية ليست منسوخة، وإنما هي مغياة إلى ذلك الوقت، فكان الأمر في أول الإسلام كذلك حتى جعل الله لهن سبيلا، وهو رجم المحصن وجلد غير المحصن.

{ و } كذلك { الَّلذَانِ يَأْتِيَانِهَا } أي: الفاحشة { مِنْكُمْ } من الرجال والنساء { فَآذُوهُمَا } بالقول والتوبيخ والتعيير والضرب الرادع عن هذه الفاحشة، فعلى هذا يكون الرجال إذا فعلوا الفاحشة يؤذون، والنساء يحبسن ويؤذين.

فالحبس غايته إلى الموت، والأذية نهايتها إلى التوبة والإصلاح، ولهذا قال: { فَإِنْ تَابَا } أي: رجعا عن الذنب الذي فعلاه وندما عليه، وعزما على أن لا يعودا { وَأَصْلَحَا } العمل الدال على صدق التوبة { فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا } أي: عن أذاهما { إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا } أي: كثير التوبة على المذنبين الخطائين، عظيم الرحمة والإحسان، الذي -من إحسانه- وفقهم للتوبة وقبلها منهم، وسامحهم عن ما صدر منهم.

ويؤخذ من هاتين الآيتين أن بينة الزنا، لا بد أن تكون أربعة رجال مؤمنين، ومن باب أولى وأحرى اشتراط عدالتهم؛ لأن الله تعالى شدد في أمر هذه الفاحشة، سترًا لعباده، حتى إنه لا يقبل فيها النساء منفردات، ولا مع الرجال، ولا ما دون أربعة.

ولا بد من التصريح بالشهادة، كما دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة، وتومئ إليه هذه الآية لما قال: { فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ } لم يكتف بذلك حتى قال: { فَإِنْ شَهِدُوا } أي: لا بد من شهادة صريحة عن أمر يشاهد عيانًا، من غير تعريض ولا كناية.

ويؤخذ منهما أن الأذية بالقول والفعل والحبس، قد شرعه الله تعزيرًا لجنس المعصية الذي يحصل به الزجر.


{ 17 - 18 } { إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا }

توبة الله على عباده نوعان: توفيق منه للتوبة، وقبول لها بعد وجودها من العبد، فأخبر هنا -أن التوبة المستحقة على الله حق أحقه على نفسه، كرما منه وجودا، لمن عمل السوء أي: المعاصي { بِجَهَالَةٍ } أي: جهالة منه بعاقبتها وإيجابها لسخط الله وعقابه، وجهل منه بنظر الله ومراقبته له، وجهل منه بما تئول إليه من نقص الإيمان أو إعدامه، فكل عاص لله، فهو جاهل بهذا الاعتبار وإن كان عالما بالتحريم. بل العلم بالتحريم شرط لكونها معصية معاقبا عليها { ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ } يحتمل أن يكون المعنى: ثم يتوبون قبل معاينة الموت، فإن الله يقبل توبة العبد إذا تاب قبل معاينة الموت والعذاب قطعا. وأما بعد حضور الموت فلا يُقبل من العاصين توبة ولا من الكفار رجوع، كما قال تعالى عن فرعون: { حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ } الآية. وقال تعالى: { فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ }

وقال هنا:

{ وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ } أي: المعاصي فيما دون الكفر. { حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا } وذلك أن التوبة في هذه الحال توبة اضطرار لا تنفع صاحبها، إنما تنفع توبة الاختيار. ويحتمل أن يكون معنى قوله: { مِنْ قَرِيبٍ } أي: قريب من فعلهم للذنب الموجب للتوبة، فيكون المعنى: أن من بادر إلى الإقلاع من حين صدور الذنب وأناب إلى الله وندم عليه فإن الله يتوب عليه، بخلاف من استمر على ذنوبه وأصر على عيوبه، حتى صارت فيه صفاتٍ راسخةً فإنه يعسر عليه إيجاد التوبة التامة.

والغالب أنه لا يوفق للتوبة ولا ييسر لأسبابها، كالذي يعمل السوء على علم تام ويقين وتهاون بنظر الله إليه، فإنه سد على نفسه باب الرحمة.

نعم قد يوفق الله عبده المصر على الذنوب عن عمد ويقين لتوبة تامة [التي] يمحو بها ما سلف من سيئاته وما تقدم من جناياته، ولكن الرحمة والتوفيق للأ
avatar
Admin
مدير الموقع
مدير الموقع

عدد المساهمات : 145
نقاط : 319
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 14/02/2013
العمر : 29
الموقع : http://www.shbaboffline.net/vb/

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://wsam.jordanforum.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: لنعرف الآية الكريمة وسبب نزولها

مُساهمة من طرف Admin في الخميس فبراير 21, 2013 6:10 am

- تفسير

سورة النساء

عدد آياتها 176

(
آية

26-50

)

وهي مدنية


{
26 - 28

}
{

يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ
مِنْ
قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ *
وَاللَّهُ
يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ
الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا * يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ
يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا

}




يخبر تعالى بمنته العظيمة ومنحته الجسيمة، وحسن تربيته لعباده المؤمنين
وسهولة
دينه فقال: {

يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ

}
أي: جميع ما تحتاجون إلى بيانه من الحق والباطل، والحلال والحرام، {

وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ

}
أي: الذين أنعم الله عليهم من النبيين وأتباعهم، في سيرهم الحميدة،
وأفعالهم
السديدة، وشمائلهم الكاملة، وتوفيقهم التام. فلذلك نفذ ما أراده، ووضح
لكم وبين
بيانا كما بين لمن قبلكم، وهداكم هداية عظيمة في العلم والعمل.



{
وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ

}
أي: يلطف لكم في أحوالكم وما شرعه لكم حتى تمكنوا من الوقوف على ما
حده الله،
والاكتفاء بما أحله فتقل ذنوبكم بسبب ما يسر الله عليكم فهذا من توبته
على
عباده.




ومن توبته عليهم أنهم إذا أذنبوا فتح لهم أبواب الرحمة وأوزع قلوبهم
الإنابة
إليه، والتذلل بين يديه ثم يتوب عليهم بقبول ما وفقهم له. فله الحمد
والشكر على
ذلك.




وقوله: {

وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ

}
أي: كامل الحكمة، فمن علمه أن علمكم ما لم تكونوا تعلمون، ومنها هذه
الأشياء
والحدود. ومن حكمته أنه يتوب على من اقتضت حكمته ورحمته التوبة عليه،
ويخذل من
اقتضت حكمته وعدله من لا يصلح للتوبة.




وقوله: {

وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ

}
أي: توبة تلم شعثكم، وتجمع متفرقكم، وتقرب بعيدكم.



{
وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ

}
أي: يميلون معها حيث مالت ويقدمونها على ما فيه رضا محبوبهم، ويعبدون
أهواءهم،
من أصناف الكفرة والعاصين، المقدمين لأهوائهم على طاعة ربهم، فهؤلاء
يريدون {

أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا

}
أي: [أن] تنحرفوا عن الصراط المستقيم إلى صراط المغضوب عليهم والضالين.




يريدون أن يصرفوكم عن طاعة الرحمن إلى طاعة الشيطان، وعن التزام حدود
من
السعادة كلها في امتثال أوامره، إلى مَنْ الشقاوةُ كلها في اتباعه.
فإذا عرفتم
أن الله تعالى يأمركم بما فيه صلاحكم وفلاحكم وسعادتكم، وأن هؤلاء
المتبعين
لشهواتهم يأمرونكم بما فيه غاية الخسار والشقاء، فاختاروا لأنفسكم
أوْلى
الداعيين، وتخيّروا أحسن الطريقتين.



{
يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ

}
أي: بسهولة ما أمركم به و [ما] نهاكم عنه، ثم مع حصول المشقة في بعض
الشرائع
أباح لكم ما تقتضيه حاجتكم، كالميتة والدم ونحوهما للمضطر، وكتزوج
الأمة للحر
بتلك الشروط السابقة. وذلك لرحمته التامة وإحسانه الشامل، وعلمه وحكمته
بضعف
الإنسان من جميع الوجوه، ضعف البنية، وضعف الإرادة، وضعف العزيمة، وضعف

الإيمان، وضعف الصبر، فناسب ذلك أن يخفف الله عنه، ما يضعف عنه وما لا
يطيقه
إيمانه وصبره وقوته.



{
29 - 30

}
{

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ
بَيْنَكُمْ
بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ
وَلَا
تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا * وَمَنْ

يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا
وَكَانَ
ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا

}




ينهى تعالى عباده المؤمنين أن يأكلوا أموالهم بينهم بالباطل، وهذا يشمل
أكلها
بالغصوب والسرقات، وأخذها بالقمار والمكاسب الرديئة. بل لعله يدخل في
ذلك أكل
مال نفسك على وجه البطر والإسراف، لأن هذا من الباطل وليس من الحق.




ثم إنه -لما حرم أكلها بالباطل- أباح لهم أكلها بالتجارات والمكاسب
الخالية من
الموانع، المشتملة على الشروط من التراضي وغيره.



{
وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ

}
أي: لا يقتل بعضكم بعضًا، ولا يقتل الإنسان نفسه. ويدخل في ذلك
الإلقاءُ بالنفس
إلى التهلكة، وفعلُ الأخطار المفضية إلى التلف والهلاك {

إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا

}
ومن رحمته أن صان نفوسكم وأموالكم، ونهاكم عن إضاعتها وإتلافها، ورتب
على ذلك
ما رتبه من الحدود.




وتأمل هذا الإيجاز والجمع في قوله: {

لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ

}
{

وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ

}
كيف شمل أموال غيرك ومال نفسك وقتل نفسك وقتل غيرك بعبارة أخصر من
قوله: "لا
يأكل بعضكم مال بعض" و "لا يقتل بعضكم بعضًا" مع قصور هذه العبارة على
مال
الغير ونفس الغير فقط.




مع أن إضافة الأموال والأنفس إلى عموم المؤمنين فيه دلالة على أن
المؤمنين في
توادهم وتراحمهم وتعاطفهم ومصالحهم كالجسد الواحد، حيث كان الإيمان
يجمعهم على
مصالحهم الدينية والدنيوية.




ولما نهى عن أكل الأموال بالباطل التي فيها غاية الضرر عليهم، على
الآكل، ومن
أخذ ماله، أباح لهم ما فيه مصلحتهم من أنواع المكاسب والتجارات، وأنواع
الحرف
والإجارات، فقال: {

إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ

}
أي: فإنها مباحة لكم.




وشرط التراضي -مع كونها تجارة- لدلالة أنه يشترط أن يكون العقد غير عقد
ربا لأن
الربا ليس من التجارة، بل مخالف لمقصودها، وأنه لا بد أن يرضى كل من
المتعاقدين
ويأتي به اختيارًا.




ومن تمام الرضا أن يكون المعقود عليه معلوما، لأنه إذا لم يكن كذلك لا
يتصور
الرضا مقدورًا على تسليمه، لأن غير المقدور عليه شبيه ببيع القمار،
فبيع الغرر
بجميع أنواعه خال من الرضا فلا ينفذ عقده.




وفيها أنه تنعقد العقود بما دل عليها من قول أو فعل، لأن الله شرط
الرضا فبأي
طريق حصل الرضا انعقد به العقد. ثم ختم الآية بقوله: {

إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا

}
ومن رحمته أن عصم دماءكم وأموالكم وصانها ونهاكم عن انتهاكها.




(30) ثم قال: {

وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ

}
أي: أكل الأموال بالباطل وقتل النفوس {

عُدْوَانًا وَظُلْمًا